تابعنا على لينكد إن

عندما تتبادل المجاملات مع زميل العمل في المصعد، يبدأ بناء الثقة بينكما. عندما تتوقف عند مكتب أحد الزملاء وتنظر إلى صوره العائلية على المكتب، تصبح على دراية بحياة هذا الشخص خارج المكتب، ونتيجة لذلك، عادة ما تشعران بأنكما قريبان من بعضكما البعض. تسهم الاجتماعات وجهاً لوجه، وحفلات الشركة، وفرص التواصل الاجتماعي بعد ساعات العمل، في شعورك بالثقة بزملائك من الموظفين سواء في ما يقولون أو يفعلون لصالح الفريق والمؤسسة. ويتنامى هذا الشعور بالثقة لديك مع مرور الزمن.

إذاً، كيف تثق في أحد زملاء العمل عندما لا تراه شخصياً إلا نادراً؟ يشكل هذا الأمر تحدياً صعباً للفرق العالمية بشكل خاص، حيث لا تتوافر إمكانية التواصل بين الموظفين إلا عبر البريد الإلكتروني في أوقات مختلفة من اليوم.

إذا أخذنا ما سبق بعين الاعتبار نجد أنّ لدينا نوعين من الثقة – الثقة السريعة والثقة التي يمكن تمريرها عبر الآخرين – ومن المفيد فهم هذين النوعين بالنسبة للأشخاص الذين يعملون في مؤسسات عالمية. وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن يتوفر لدى الموظفين نوعان من المعرفة – المعرفة المباشرة والمعرفة المنعكسة – وذلك للتعويض عن الاختلافات الثقافية واللغوية التي لا مفر منها، والتي يمكن أن تعرقل الثقة. وإليك كيفية تقسيم هذه الفئات وكيفية عملها معاً.

الثقة السريعة

يُقصد بها تنامي الشعور بالثقة بين أعضاء الفريق أو زملاء العمل بسرعة منذ تعاملهم الأول. إذ يقرر الناس أن يثقوا ببعضهم على الفور حتى يثبت خلاف ذلك، ويكون ذلك غالباً لعدم توفر خيار آخر. وتم رصد الثقة السريعة في بادئ الأمر في فرق الطيران وفرق تنفيذ القانون الذين يتم تجميعهم خلال حالات الأزمات ليعملوا معاً لفترة وجيزة من الوقت. لابدّ لأعضاء الفريق خلال أزمات كهذه من أن يثقوا ببعضهم على الفور كي يتم التعامل بفعالية مع طائرة خلال سقوطها نحو الأرض أو شخص يهدد الآخرين ببندقية مثلاً.

وبالإضافة إلى حالات الأزمات، يمكن أن تكون الثقة السريعة حاسمة بالنسبة للفرق العالمية، التي يرجّح أن ينتمي أعضاؤها إلى ثقافات وبلدان متنوعة، والذين يجب أن يبدؤوا فوراً في التعاون والتنسيق. ويمكن أن تتطور الثقة السريعة في وقت مبكر، عندما يبدي المدراء ثقتهم بأعضاء الفريق الافتراضي خلال تقديمهم للآخرين من خلال إبراز ما يتمتع به هؤلاء الزملاء من تجارب ذات صلة أو خبرات هامة، أو عندما يضع قادة الفريق قواعد صريحة تتطلب التواصل المتكرر للحد من عدم اليقين وتعزيز الثقة.

الثقة التي يمكن تمريرها عبر الآخرين

لقد قمت مع زميلي بول ليوناردي بتحديد هوية هذا النوع من الثقة، من خلال النظر في كيفية تصرف الموظفين عبر الإنترنت، بخاصة عبر وسائل الاعلام الاجتماعية في العمل. خذ، على سبيل المثال، هناء عالمة الأحياء. فقد أرسلت رسالة إلى زميلها، كريم، حول إصدار فيلم جديد، ثم من خلال انتقالها لأسفل صفحته على وسائل التواصل الاجتماعية، وجدت أنّ كريم بعث رسالة إلى سامر عن تجربة سريرية جديدة. أثار هذا اهتمام هناء. وعندما سألت كريم عن سامر، قال كريم إنّ سامر كان خبيراً في هذا الموضوع. بعد ذلك، تفحّصت هناء جدار سامر، وأمضت وقتاً في قراءة الرسائل التي تبادلها سامر مع موظفي الشركة الآخرين. فاستنتجت من هذه المحادثات أنّ سامر كان شخصاً مهذباً ومحباً لمساعدة الآخرين والأهم من ذلك كله، أنه جدير بالثقة بما فيه الكفاية للتواصل معه بشأن ما لديها من أسئلة. بعبارة أخرى، كوّنت هناء ثقة بسامر انتقلت عبر الآخرين وشعرت بالارتياح للتواصل معه.

ليس من الضروري أن تكون الثقة التي يمكن تمريرها عبر الآخرين كاملة أو مثالية. فعلى النقيض من الثقة السريعة، التي يتم إنشاؤها بسرعة، ويمكن أن تتبخر بسرعة عند انتهاء العمل، يمكن أن تبقى الثقة التي يمكن تمريرها عبر الآخرين كحالة دائمة دون أن يتوقع أي شخص أنها يجب أن تتعمق أو تتطور. إذ تكفي شفافية التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي (سواء كانت مرتبطة بالعمل أم لا) والوقت الذي يتم إنفاقه في إرسال الرسائل حول المعلومات الشخصية. إلى جانب ذلك، تبرز أهمية هذا النوع من الثقة بشكل خاص بالنسبة للفرق العالمية التي تتواصل إلى حد كبير عبر التكنولوجيا الإلكترونية.

ومع ذلك، يملك كلّ من نوعي الثقة اللذين ذكرناهما حدوده الخاصة. على سبيل المثال، بالنسبة للفرق العالمية، هناك عوامل أخرى إلى جانب المسافة الجغرافية التي تعقد بناء الثقة وتعميقها مع زملاء العمل. إذ هل يمكن أن تثق بشخص ما علماً أنه، بالإضافة إلى العيش في قارة بعيدة، يتحدث لغة لا يمكنك أن تفهمها ويتصرف أحياناً بطريقة تُعتبر بالنسبة إليك غريبة أو غير مناسبة؟ من السهل تطوير القوالب النمطية الثقافية عن زملائك الذين ينتمون إلى ثقافة مختلفة. ومع ذلك، تعيق القوالب النمطية بناء الثقة، وتؤدي إلى سوء الفهم والاستياء والديناميكية غير المنتجة “نحن” مقابل “هم”.

ولمواجهة هذه الاتجاهات، هناك طريقتان إضافيتان لبناء الثقة – المعرفة المباشرة والمعرفة المنعكسة – هذان الطريقتان تتمتعان بأهمية خاصة بالنسبة للفرق العالمية. إذ تعزز المعرفة المباشرة فهمك لزملاء العمل البعيدين عنك، سواء كانوا بعيدين جغرافياً، أو ثقافياً، أو كليهما معاً، في حين أنّ المعرفة المنعكسة تؤدي إلى شعورك بأنّ زملاء العمل البعيدين يفهمونك جيداً.

المعرفة المباشرة

تُعرّف المعرفة المباشرة بأنها التعرّف على الخصائص الشخصية والمعايير السلوكية للزملاء البعيدين. نجد مثالاً على المعرفة المباشرة في معرفتك أنّ زميلك في فرنسا يفضّل العمل دون مقاطعة عندما يكون تحت الضغط، أو أنّ زملاءك في الهند يستخدمون الاستراحات المخصصة لتناول الشاي في التعاون بنشاط مع باقي أفراد الفريق مثلاً. وتُعد إحدى طرق الكشف عن هذه المعلومات هي عن طريق الاستفادة من الوقت غير المنظم في بداية أو نهاية المكالمات الجماعية لتشجيع المحادثات الجانبية. هناك طريقة أخرى أيضاً، من خلال تشجيع موظفيك على السفر إلى الموقع البعيد للزملاء الذين تتعاون معهم.

المعرفة المنعكسة

وهي المعرفة الأقل وضوحاً، ولكنها بنفس القدر من الأهمية لبناء الثقة بين الفرق العالمية، والتي تتحقق من خلال رؤية القواعد والسلوكيات السائدة في موقع عملك من خلال عين زملاء العمل البعيدين عنك جغرافياً أو ثقافياً. لقد حددت مع زميلي مارك مورتنسون المعرفة المنعكسة كوسيلة لبناء التفاهم والثقة. وإليك كيفية تنفيذ ذلك:

كانت ليا، مديرة تسويق الشركة التي أعمل فيها، تشعر أنّ زملاءها في المكتب الدنماركي غير متفاعلين في ردود أفعالهم معها، لدرجة أنّ أسئلتها المباشرة على الهاتف كانت أحياناً تواجه بالصمت، ما يجعل ليا تشعر بالإحباط. وتضمنت معايير التواصل في مكتب الشركة الرئيسي مزاحاً ثقيلاً. فإذا قالت مثلاً: “بإمكان ابنتي ذات الأربع سنوات تقديم عمل أفضل من هذا!”، للتعبير عن عدم رضاها عن عمل غير متقن لأحد الزملاء، فهي تعرف أنّ زميلها لن يشعر بالإهانة.

ومع ذلك، تغيرت تصورات ليا حول معايير التواصل بعد أن أمضت بعض الوقت مع زملائها في المكتب الدنماركي. إذ لاحظت أنّ الموظفين هناك يتحدثون مع بعضهم البعض بهدوء وأدب. ويبدو أنّ التفاعل الرسمي، لإظهار احترام الآخرين، يحظى بالأولوية هناك. كما لاحظت أحد الموظفين يقوم بانحناءة خفيفة عند الدخول إلى مكتب المشرف. بالمقارنة، كانت ليا ذات صوت عال وجدل كبير. واستطاعت أن ترى كيف كانت أسئلتها المباشرة تبدو عدوانية أو غير مناسبة لنظرائها الدنماركيين. فبدأت تتفكر في معايير التواصل في مكتبها الأساسي: ربما كان الموظفون في بلدها فظّين جداً في تعاملهم مع بعضهم البعض. ربما كان يتوجب عليهم التعامل مع بعضهم البعض بمزيد من الاحترام قليلاً. في جميع الأحوال، بحلول نهاية زيارتها، شعرت ليا بأنها أقرب من زملائها الدنماركيين وأكثر قدرة على الوثوق بهم – كما كانت لديها أفكار جديدة حول كيفية إدارة مكتبها لرفع مستواه.

تلعب الثقة دوراً بالغ الأهمية بالنسبة للفرق العالمية، لكنها أمر لا يمكن فرضه على الناس. إنها شعور يتطور بطرق مختلفة مع مرور الوقت. لهذا السبب من الضروري أن نفهم كيف يمكن لأنواع مختلفة من الثقة والمعرفة أن تكون بمثابة الغراء الأساسي الذي يجعل الفرق العالمية متماسكة. ولا يقتصر هذا الأمر على تحسين العمل الجماعي والروح المعنوية فحسب، لكنه يمكن أن يحقق نتائج أفضل للمؤسسات ككل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تواصل

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz