لطالما كان تحديد المؤسسات الأفضل أداء في أي ميدان محدد يتطلب إجراء دراسات استقصائية أو أبحاث مضنية. أما اليوم، فقد باتت البيانات اللازمة للإجابة عن مثل هذه الأسئلة متوفرة وجاهزة – حيث يتم استخلاص تلك البيانات من قبل شركات "البرمجيات كخدمة" التي تقدم برمجياتها إلى تلك المؤسسات لتسيير أعمالها. وبدأت شركات البرمجيات الرئيسية في توفير ما يسمى "مرايا البيانات" لزبائنها من الشركات والمؤسسات الأخرى، ما يسمح لتلك الشركات والمؤسسات أن تقيس أداءها وتقيّم استراتيجياتها. ولقد كنا قد رأينا سابقاً أنه يمكن استخدام بيانات خارجية من أجل تقييم الشركات من حيث نماذج الأعمال التي تطبقها وما تعنيه تلك النماذج بالنسبة لتقييمات الشركات. وفيما كانت تلك التحليلات والتقييمات حتى الآن تعتمد حصرياً على مصادر بيانات متاحة للعموم، بات مزودو البرمجيات اليوم يمتلكون كميات متراكمة ومتزايدة من البيانات الخاصة حول كل سمة تقريباً من سمات زبائنهم ذات الصلة بالتكنولوجيا والعمليات والأفراد والاستراتيجيات. ولقد حان الوقت لكي يقوم جامعو تلك البيانات في مشاركة ما لديهم من معلومات ورؤى واستنتاجات مع الجهات المولدة لتلك البيانات وصاحبة الحق فيها، وهذا ما بدأت بعض الشركات في القيام به فعلاً.

ولعل أكثر شركات البرمجيات ترجيحاً لأن تمتلك مثل تلك البيانات هي تلك الشركات التي توفر لزبائنها آليات إجراء المعاملات وذلك على قاعدة نموذج "البرمجيات كخدمة" القائم على الاشتراك. فشركة ساب (SAP) على سبيل المثال تمتلك بيانات حول تشكيلة من نطاقات المعاملات المختلفة من طلبيات الزبائن إلى أرصدة الإجازات؛ حتى إنّ إحدى وحدات عمل تلك الشركة، وهي وحدة "فيلد غلاس"، توفر للزبائن تقييمات ومقاييس حول إدارة القوى العاملة الخارجية. وتسمح شركة المعالجة الآلية للبيانات إيه دي بي (ADP)، الرائدة في مجال آليات تجهيز المرتبات، لعملائها باستخدام منصتها سحابة البيانات "داتا كلاود" لمقارنة أنفسهم مع الشركات الأخرى ليس فقط من حيث أجور الموظفين، بل من حيث متوسط احتفاظ الموظفين بوظائفهم ونسب تسربهم وحجم استثمارهم في حساباتهم التقاعدية وسن تقاعدهم. ومن جهتها تسمح برمجية "ماركت شير" (MarketShare) من شركة نيوستار (Neustar) لزبائنها بقياس آثار برامجهم التسويقية ومقارنتها مع برامج الشركات الأخرى. ويمكن أيضاً توفير "مرايا البيانات" لمستخدمي التكنولوجيا من الأفراد. فشركة مايكروسوفت على سبيل المثال لديها برنامج تحليلات يسمى "ماي أناليتيكس" يزود زبائن برمجية "أُوفيس" للإنتاجية بمعلومات حول المدة الزمنية التي تستهلكها المهام المختلفة التي ينجزونها وحول حجم وقوة شبكات تواصلهم مع الآخرين.

وفي الوقت الذي انبثقت فيه برمجيات "مرايا البيانات" وتقييم الأداء في عالم الشركات، يتزايد اهتمام أسواق رأس المال بتحليل مجموعات البيانات البديلة عن البيانات المالية التقليدية. فقد بتنا نجد شركات الاستثمار النشطة كصناديق التحوط تسعى إلى التفوق في أدائها على مزودي الأسواق والمؤشرات. وقد قام عملاق مؤشرات أسواق الأسهم ستاندرد آند بورز القائم على الذكاء الاصطناعي بشراء شركة كينشو لتحليل البيانات لهذا الغرض بالذات، ألا وهو استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين قرارات الاستثمار وتنويع أصناف البيانات المستخدمة لاتخاذ تلك القرارات. (فشركة كينشو لا تستخدم البيانات المالية فقط بل بيانات متنوعة أخرى مستمدة من مصادر "بديلة" أيضاً).

وبإمكان شركات البرمجيات وغيرها من الشركات المتخصصة بتطوير مرايا البيانات وتقييماتها تحقيق نمو في إجمالي إيراداتها وأرباحها الصافية بتكاليف منخفضة أو من دون تكاليف إضافية على الإطلاق، وذلك من خلال تضمين تلك البرمجيات مؤشرات قابلة للاستثمار تربط بين رؤيتها وبياناتها الخاصة الفريدة من جهة والعوائد التي يحققها المستثمرون من جهة أخرى.

ونعتقد أنّ هنالك الكثير من الفرص الأخرى أمام شركات البرمجيات لاعتماد هذا النهج – المتمثل في جمع البيانات وربطها بالنتائج المرجوة وإعادتها إلى زبائنها. فموقع "سيلسفورس دوت كوم" (Salesforce.com) على سبيل المثال يتيح لزبائنه فرصة تقييم أنفسهم من حيث قدرتهم على تحقيق تطلعاتهم بخصوص حجم مبيعاتهم. وبوسع شركة وورك دي (Workday) تزويد زبائنها بتحليلات وقياسات ومقارنات أكثر دقة من شركتَي إيه دي بي وساب فيلد غلاس بخصوص قواهم العاملة. فيما تسمح شركة أوراكل لزبائنها من الشركات بالتعرف على متوسط تكلفة إصدار طلب شراء أو متوسط مستوى حساباتها مستحقة الدفع، بالمقارنة مع الشركات الأخرى.

لا شك أنّ تمكين الشركات المنفردة من مقارنة نفسها مع الشركات الأخرى من حيث بعض الصفات المحددة، هو أمر مفيد وقيم؛ غير أنّ ما يوفر فرصة أكبر لخلق القيمة من البيانات المختلفة هو منح الزبائن درجات أو علامات بناء على البيانات والتحليلات التي تقيّم أداءهم من حيث المهام والعمليات واسعة النطاق مقارنة بأقرانهم، وتزودهم بتوصيات وطرق لتحسين عملياتهم وتحويل مؤسساتهم لتغدو من المؤسسات الرائدة الرقمية. ويمثل تقييم شركة فيكو (FICO) لتحليل البيانات خير مثال على ذلك؛ إذ إنّ هذه الشركة تختصر التاريخ الائتماني المعقد لأي من زبائنها إلى درجة مكونة من ثلاثة أرقام يفهمها الدائنون والمدينون على حد سواء ويدركون معناها. تصوّر لو أنّ جميع المصنعين على سبيل المثال يحصلون على درجات تعبر عن كفاءة سلاسل إمدادهم، أو أنّ جميع الشركات تحصل على درجات تعبّر عن مستوى تطوير قيادتها. لا شك أنّ ذلك الإجراء سيحفز قادة الشركات على تطوير أنفسهم وتحسين درجاتهم، كما سيسمح لأسواق رأس المال باتخاذ قرارات أفضل بخصوص إمكانات الشركات التي تستثمر فيها. لقد جرى نقاش حول استحسان إجراءات قياس الأداء غير المالي المنتشرة على نطاق واسع وفعاليتها لتقييم الشركات على مدار عقود من الزمن، لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق حولها – على الرغم من استمرار نمو الأصول والأولويات التي يتم قياسها على نحو رديء باستخدام المبادئ المحاسبية التقليدية المقبولة عموماً (GAAP).   

هنالك بالطبع خطوات عدة يتعين على شركات البرمجيات اتخاذها لكي تفسح المجال أمام تطبيق برمجيات مرايا البيانات. وفيما يلي بعض الاعتبارات الأساسية:

  • من الضروري ضمان امتلاك شركتك لهذه البيانات أو حيازتها للإذن باستخدامها. وفيما تسمح الكثير من اتفاقات ترخيص البرمجيات باستخدام مثل هذه البيانات لأغراض التحليل والمقارنة، إلا أنّ بعضها لا يزال لا يسمح بذلك.  

  • جمّع البيانات واستخدمها لتمكين الزبائن من مقارنة أنفسهم مع من هم سواهم من الزبائن الآخرين (أو مع قيم وسطى في الحد الأدنى) بحيث يعي زبائنك الحاليين أو المحتملين أين يقفون نسبة إلى الآخرين (على نمط سباق القادة في مجالس الإدارة جرياً أو على الدراجة الذي يوفره موقع "سترافا دوت كوم" (Strava.com) أو شركة رَن كيبر (RunKeeper).

  • قد ترغب شركات البرمجيات في إظهار بياناتها من دون ذكر الأسماء بهدف الحفاظ على السرية تجاه زبائنها الأصليين. ولا شك أنّ ذلك يخفض قيمة تلك البيانات ويمنع إمكانية الاستفادة النقدية منها. وإذا كانت الشركة تسعى إلى تقديم قيمة فعلية للمستثمرين، فإنّ التكتم على الأسماء لا يفيد على الإطلاق – ولكن المستثمرين قد يرغبون في خوض التحدي بأنفسهم والسعي للحصول على موافقة الملاك الأصليين للبيانات على ذكر أسمائهم. وفي تلك الحالات يغدو من الممكن استخدام البيانات الإضافية المتاحة للعموم بهدف ترتيب الشركات ومنحهم الدرجات المختلفة.  

  • قد تحتاج الشركات إلى امتلاك بعض القدرات والكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي من أجل جعل مرايا البيانات تعمل بشكل صحيح، وبخاصة إذا كانت الدرجات أو المؤشرات مرتبطة بالأداء المالي. وفي هذا المجال تعد تقنية التعلم الآلي التكنولوجيا المثالية لتوليد مجموعة من الدرجات القادرة على توقع الأداء انطلاقاً من مجموعة متنوعة من البيانات. ويمكن أيضاً استخدام تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي الأخرى لاستخلاص البيانات المفيدة من نظم إدارة المعاملات أو تحليل البيانات النصية وتحويلها إلى قيم رقمية كمية.

  • وكما تقدم بعض الشركات مثل موقع "كريديت دوت كوم" (Credit.com) توصيات شخصية حول كيفية تحسين تقييم ودرجات القرض الشخصي، تحتاج الشركات إلى تحليلات وتوصيات موجهة وهادفة نحو كيفية تحسين تقييماتها ودرجاتها في أي من المعايير التي يتم قياسها. وبإمكان تكنولوجيات التعلم الآلي والتوليد الطبيعي للغات أن توفر مثل هذه التوصيات – تماماً كما تقوم الآن بالنسبة لتوصيات الاستثمار لدى شركات كبرى مثل مورغان ستانلي.


إنّ جميع الشركات تقريباً التي أجرينا بحوثنا حولها والتي كتبنا عنها وقدمنا لها النصائح والتوصيات تجد نفسها في المراحل المبكرة لهذا التطور الذي يكتسب المزيد من الزخم مع مرور الوقت، وتدرك على نحو متزايد القيمة الكامنة لآلية تصنيف وترتيب عمليات وموارد الزبائن وتحسين أدائها ودرجاتها من خلال توصيات ونصائح خفيفة الوطأة على الزبائن. ولقد أطلقنا على هذه الظاهرة اسم "المستشارين الآليين للشركات"، وبتنا نرى المزيد منهم كل يوم وفي كل مكان. غير أنّ شركات البرمجيات على وجه الخصوص هي المؤهلة أكثر من سواها لتوفير أولئك المستشارين الآليين بكفاءة عالية.  

ومن الواضح أنّ هذا النهج القائم على مبدأ "البيانات أولاً"، من شأنه أن يعيد طرح الكثير من المواضيع ذات الصلة بملكية البيانات وخصوصيتها، والمقارنة بين المنتجات والخدمات، وتفسير البيانات، واستراتيجيات الاستفادة النقدية، وقوة احتكار المنصات على طاولة النقاش والبحث. غير أننا نتوقع أن تؤدي شركات إنتاج مرايا البيانات ونظم التقييم والتصنيف التي تقوم بإنشائها إلى حدوث تغييرات جذرية في الكثير من القطاعات والعمليات والمهام الوظيفية. ويتوفر اليوم كم هائل من البيانات الداخلية والخارجية بحيث أنه من الطبيعي والمنطقي أن تتم الاستفادة من جزء منه على الأقل لقياس وتقييم النمو والازدهار الراهن والمستقبلي للأعمال والمؤسسات والشركات التجارية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!