أن تطلب المؤسسات من موظفيها المحافظة على وتيرة سريعة في العمل وفي الوقت ذاته أن يكونوا مبدعين لهو أمر فيه تناقض واضح. إنّ ما يحدث في الغالب ضمن أماكن العمل المحمومة هو دخول الموظفين في دوامة العمل الأوتوماتيكي أو التزامهم بالطرق الاعتيادية في العمل مع عدم امتلاكهم الوقت أو المساحة الزمنية لاحتضان أفكار جديدة وذكية، ما يجعلهم يفوّتون فرصاً سانحة لإعادة تأطير المشاكل والبحث في إمكانية تطبيق بعض الحلول الممكنة. 

كيف تساعد فريق عملك على تطوير قدراته الإبداعية؟ لقد كشف بحث أجري حديثاً أنّ فترة قصيرة من التدريب على اليقظة والتنبه الذهني تترك أثراً إيجابياً على الناتج الإبداعي للموظفين. ولاستكشاف فوائد هذه الفكرة بشكل أكبر، أجرينا دراسة في شركة عقارات متوسطة الحجم في الولايات المتحدة الأميركية لنرى ما إذا كان برنامج التدريب على اليقظة والتنبه الذهني من شأنه أن يؤثر على المستوى الإبداعي للفريق من عدمه.

وفي إطار الدراسة، قسّمنا فريقاً مكوناً من عشرة أشخاص إلى مجموعتين: مجموعة التأمل ومجموعة الضبط. وكبداية أعطينا العشرة أشخاص مهمة إبداعية واحدة: أن يفكروا في استخدامات غير معهودة لقالب الطوب. وبعدها طلبنا منهم القيام بتمرين على اليقظة والتنبه الذهني لمدة 10 دقائق ومن ثم طلبنا منهم مواصلة المهمة الإبداعية. وتوصلنا إلى نتائج مفادها أنّ الأفكار الإبداعية لدى 7 من أصل 10 أشخاص ازدادت في غضون 10 دقائق فقط. يعزز هذا الاختبار نتائج الدراسات السابقة ويخطو خطوة إضافية للتعرف على مدى تأثر الفريق بأكمله بهذا النوع من النشاط التدريبي. فعلى مدار خمسة أسابيع طلبنا من الفريق نفسه القيام بمهمة إبداعية جماعية ووجدنا أنّ مجموعة التأمل رصدت ضعف الأفكار الإبداعية التي رصدتها مجموعة الضبط. ومن حيث طريقة التفكير كان الأمر مختلفاً أيضاً، حيث كانت مجموعة التأمل أكثر قدرة بنسبة 121% على تعزيز أفكار الآخرين. فحين نخلق ديناميكيات جماعية تسمح بتدفق الأفكار بحيث تنطلق فكرة من أحد الأعضاء لتحفز أفكاراً لدى الأعضاء الآخرين، عندئذ تتطور الفكرة إلى حد لم يكن بالإمكان الوصول إليه لو قام بذلك شخص بمفرده.

تتيح أساليب اليقظة والتنبه الذهني الفرصة أمامنا لتقوية القدرات الإبداعية لفرق العمل. ونحن نعلم أنّ تدريب العقل يمكنه تغذية مجالات رئيسية في عملية الإبداع. وقد كشفت البحوث المتنامية أنّ الأشخاص الذين يمارسون اليقظة والتنبه الذهني يتسمون بالمرونة الإدراكية بدرجة أكبر وهم قادرون على رؤية أبعد مما أنجزوه ويظهرون قدرات أفضل على حلّ المشاكل التي تتطلّب بصيرة. ويسهّل ذلك ما يصفه خبراء الإبداع بـ"مراحل الاحتضان (أو الاختمار) والاستبصار (أو الإشراق) في العملية الإبداعية". تتطلّب اليقظة والتنبه الذهني الوقت والانتباه أو الوعي غير المفاهيمي، بحيث لا يعلق المرء في التفكير في أفكار تبادرت إلى ذهنه في الماضي ويشاهد كل شيء وكأنه يراه للمرة الأولى، ما يسهم في دفعه إلى التوقف عن قيادة العملية الأوتوماتيكية للتفكير وابتكار التدابير والإجراءات. وتظهر الدراسة أنّ الإنسان ينفتح على أفكار أكثر أصالة بعد عملية تأمل قصيرة. وحين نطبّق ذلك على فريق من الأشخاص، فإننا نبدأ بتوسيع رقعة هذا التأثير.

ويخلص البحث المشار إليه أعلاه والدراسة التي أجريناها أنّه من أجل تعزيز ثقافة الإبداع، يحتاج القادة إلى إيلاء اهتمام أكبر بعقلية موظفيهم والتفكير في دعم ممارسات اليقظة والتنبه الذهني في مؤسساتهم. ومن أجل إرساء بيئة تشجّع الموظفين على أن يكونوا مبدعين، يمكنهم أن يتجاوزوا مجرد التركيز على فعالية المؤسسة ككل والبدء بتطوير أساليب عمل وتفكير غير مسبوقة.

تقدّم شركات مثل جوجل واتنا برامج يقظة وتنبه ذهني في مقراتها ومكاتبها لتعزيز الذكاء العاطفي والرفاه لدى موظفيها. وبدأت شركات أخرى تحذو حذوهما من خلال تطوير برامج للتركيز الذهني أو الاستعانة بشركات استشارات للمساعدة في إدماج اليقظة والتنبه الذهني في ثقافاتها.

ما الذي يمكن للشركات أن تقوم به أيضاً لتطوير فرق عمل وثقافات تعتمد اليقظة والتنبه الذهني؟

إليكم بعض الخطوات التي يمكنكم القيام بها:

ربط اليقظة والتنبه الذهني بقيم الشركة. أظهروا نية مقصودة لتطوير ثقافة اليقظة والتنبه الذهني داخل الشركة عبر ربط فوائدها بالقيم المعلنة للشركة. مثلاً إذا كان من بين هذه القيم "تبنّي التغيير ودفعه إلى الأمام"، كما هو شعار شركة زابوس (Zappos)، ركزوا على أهمية اليقظة والتنبه الذهني في تسهيل تحقيق وعي أكبر بردّات الفعل المعرفية والعاطفية تجاه التغيير. وبفضل هذا الوعي، يمكن للموظفين أن يفهموا خوفهم من المجهول، وينظروا إلى الأمور بموضوعية أكبر، ويظهرون ردات فعل أقل اعتيادية لإتاحة فرصة أكبر للتغيير.

إنشاء برامج لليقظة والتنبه الذهني في الشركة. دربوا الموظفين على ممارسات اليقظة والتنبه الذهني وكيفية تطبيق فوائدها على حياتهم اليومية. مثلاً، اطلبوا من الموظفين أن يفكروا: 1) في عادات تعزز الفعالية وعادات تعرقل التفكير في أمر جديد، و2) في طريقة عمل العملية الإبداعية والطرق التي يمكن من خلالها إدماج هذه العملية في مكان العمل.

تزويد برامج تطوير القيادة الداخلية بالشركة ببرامج التدريب على اليقظة والتنبه الذهني. قدموا نسخة مكثفة من برامج التدريب على اليقظة والتنبه الذهني أثناء جلسات التدريب الروتينية على القيادة.

إتاحة المجال للحظات يقظة وتنبه ذهني أثناء العمل. امنحوا الموظفين الفرص لتخفيف وتيرة العمل ولاختمار الأفكار والنظر بعيون جديدة. في الاجتماعات مثلاً، ابدأوا بفترة قصيرة من التحضير والهدوء. اعرضوا على المشاركين فرصة أن يكونوا على أتم الاستعداد لأجندة الاجتماع. فمن خلال أخذ هذا النفس العميق، أنتم تدعون الموظفين إلى وضع مخاوفهم السابقة والمقبلة جانباً إلى حين انتهاء الاجتماع والمساهمة بالتالي في تطوير ذهنية متيقظة ومنتبهة لديهم.

يمكنكم أيضاً تقديم أماكن هادئة في المكتب للموظفين ليمارسوا التأمل. نسمي هذه الأماكن "غرف العافية".

توفير الموارد المناسبة. قدموا للموظفين الموارد لتطوير قدراتهم الإبداعية وممارسة اليقظة والتنبه الذهني: من خلال الندوات عبر الإنترنت، والأدوات المساعدة على التأمل، وجلسات التعلم أثناء تناول طعام الغداء، وجلسات استماع لمتحدثين، وأماكن استجمام وراحة، وما إلى ذلك.

الفرصة متاحة أمام المؤسسات، فالقيام بممارسات بسيطة لليقظة والتنبه الذهني يمكنها أن تبدأ في تحويل مستويات الإبداع لدى موظفيها، ويمكن أن تكون أداة ضرورية لمعالجة التعقيدات في أماكن العمل اليوم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!