يُقال إنّ الفشل أمر وارد وشائع في عالم الشركات والمشاريع الناشئة، وأنّ بعض الدراسات قد وجدت أنّ معدلات الفشل ترتفع أكثر في المشاريع الناشئة التي تقودها رائدات أعمال. ولكن البحوث التي أجريتها مع زملائي داون دي تين وفيليب سيغر تتحدى الفكرة القائلة بشيوع الفشل عموماً في المشاريع الناشئة كما تخالف الفكرة المتعلقة بارتفاع معدلات الفشل خصوصاً بين رائدات الأعمال.

فعند النظر فيما إذا كانت رائدات الأعمال يتعرضن للإخفاق أكثر من رواد الأعمال، تبين لي ولزملائي أنّ النتيجة المفترضة المتعلقة بالأداء الأضعف للمرأة تعتمد على أدلة بخصوص معدلات أعلى لانسحاب النساء من الأعمال التي يدرنها. وقد افترضت البحوث السابقة أنّ تلك الحالات كانت غير اختيارية، وأنها نتيجة الأداء الضعيف. وهكذا تم الربط تلقائياً بين النجاح في ريادة الأعمال مع قدرة الشركة على الاستمرار والمضي قدماً.

ولكن هل إنهاء العمل والانسحاب منه يتساوى مع الفشل؟ هنالك وعي متزايد بين الباحثين بأنّ الفشل وإنهاء العمل مفهومان مختلفان مبدئياً، وأنّ القرار المتعلق بالانسحاب من مشروع ما يكون متعلقاً عادة بخيارات وعوامل غير مالية.

وقد بحثت مع زملائي بشكل أعمق في موضوع الفشل والانسحاب الاختياري من العمل، وأجرينا دراسة على 219 رائد ورائدة أعمال سابقين لنقف على العوامل التي دفعتهم لاتخاذ القرار بإنهاء أعمالهم. وقد ساعدتنا النتائج التي توصلنا إليها على تسليط الضوء على أمرين اثنين:

رائدات الأعمال أكثر عرضة من نظرائهن من رواد الأعمال على الانسحاب من أعمالهن باختيارهن، ولأسباب شخصية، وليس بسبب فشل في العمل. إنّ دوافع المرأة للخروج من العمل ترتبط بعوامل شخصية وتوقعات مرتبطة بالنوع الاجتماعي على مستوى أعلى من الرجال. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما تنظر رائدة الأعمال إلى نجاح شركتها الناشئة بناء على عوامل غير مالية، كرضا العملاء والأثر الاجتماعي.

فبالنسبة لرائدة الأعمال التي وصلت مؤسسة أعمالها إلى مستوى يكون فيه التركيز على معدل الربح والخسارة أكبر من التركيز على العوامل الأخرى، فإنها تفضل حينها التفكير في بيع تلك المؤسسة. ربما قد يسعدها أن ترى حياة جديدة في تلك المؤسسة بعد أن نهضت بنفسها، وتفكر بأن تبحث عن مشاريع أخرى. وفي حين قد يرى البعض في هذا الأمر إخفاقاً، إلا أنّ رائدة الأعمال قد تنظر إليه على أنه انسحاب ناجح.

تقول ريم، وهي مديرة تنفيذية أولى في شركة تقنية متطورة برأس مال يبلغ 400 مليون دولار أميركي ولها أعمال في الولايات المتحدة وأوروبا ودول المحيط الهادي: "أحد الأمور التي تحصل حين تتحول الشركة إلى شركة عامة... هو أنّ التركيز ينتقل إلى قضية الأرباح التي تحققها الأسهم والموقف المالي للشركة، ويصبح التركيز أبعد ربما عن القيام بما هو صحيح أو توفير بعض المال للظروف الصعبة أو القيام بما هو أنفع للناس. لم تعد الشركة نفس ما كانت عليه حين انضممت إليها بداية الأمر وسعيت لتطويرها واهتممت بها، وأعتقد أنّ هذا يصنع فرقاً هائلاً بالنسبة لي، فلم أعد أشعر بالرغبة في العمل أكثر هناك".

لقد وجدنا في الدراسة التي أجريناها أنّ الأمر حين يتعلق برائدة الأعمال فإنّ احتمالية الخروج من العمل لدواع شخصية تزداد بنسبة 15%. في المقابل تبين لدينا أنّ احتمالية الإخفاق الحقيقي تنخفض بنسبة 13% لدى رائدات الأعمال.

وهذا يعني أنه في عينة الدراسة التي ضمت 219 من رواد ورائدات الأعمال (120 رجلاً و99 امرأة)، كان هنالك 65 حالة فشل بين الرجال، مقابل 40 حالة فشل بين النساء. أما الذين ينسحبون من الأعمال لأسباب شخصية، فكان هنالك 43 امرأة مقابل 23 رجلاً فقط. أما الحالات المتبقية (39 حالة، 23 من الرجال و16 من النساء)، كانت تمثل حالات انسحاب لمتابعة فرص مهنية أخرى.

ومن الأهمية بمكان أننا وجدنا أنّ الرجال والنساء يقدمون على قرارات فردية وطوعية للانسحاب من مشاريعهم، وهذا يعني أنّ معدلات الإخفاق الحقيقية في العديد من الدراسات يشوبها شيء من المبالغة في التقدير.

الظروف العائلية كتلك المرتبطة بالزواج والإنجاب تؤثر بشكل كبير على قرارات الانسحاب الاختيارية مع التباين في أثر ذلك بين الرجال والنساء. في حين وجدنا أنّ الرجال والنساء ينسحبن من مشاريع الأعمال الناشئة لأسباب أخرى عدا عن الفشل المالي، فإننا وجدنا كذلك دوافع متباينة بين الجنسين فيما يتعلق بهذه القرارات. فالزواج مثلاً يدفع الرجل إلى الانسحاب من مشروعه من أجل فرص مهنية أو مالية أخرى، أما المرأة فزواجها يزيد من احتمالية انسحابها من مشروعها لظروف شخصية. وهذا الأمر متوافق مع الأدوار الجندرية المرتبطة تقليدياً بالمرأة، حيث ينظر إليها المجتمع على أنها "ربّة بيت"، أما الرجل فهو المسؤول عن العمل والإنفاق على الأسرة.

يقول براد فلورين، مؤسس شركة أكارتوس للبرمجيات (Acartus Software): "بالنسبة إليّ كان أكبر دافع للانسحاب من مشروعي هو الرغبة بالشعور بالاستقرار المالي، وذلك لأنك في شركتك الخاصة تشعر وكأنك تجلس على طاولة زهر، وأن أي حركة خاطئة قد تحشرك في زاوية، وفي كل عام تجد نفسك تخاطر بكل ما لديك".

يتضح لدينا إذاً أنّ فهم معدلات الفشل الفعلية أمر في غاية الأهمية. فقد يساعد ذلك المستثمرين المحتملين وواضعي السياسات على التوصل لتقييم أفضل لفرص نجاح المشاريع التي تملكها النساء. كما أنّ ذلك يساعد رائدات الأعمال على اتخاذ قراراتهن وفق معلومات أكثر دقة: فرائدة الأعمال التي تودّ البدء في مشروع جديد ستشعر بالتفاؤل حين تعلم أن معدلات الإخفاق الفعلية أقل مما كانت تظن من قبل.

من الضروري القيام بالمزيد من البحوث للتعمق في فهم القضايا التي نعرفها (أو التي نظن أننا نعرفها) بخصوص رائدات الأعمال. هل يمكن مثلاً أن نعتبر الانسحاب من مشروع أعمال ما للرعاية بأحد أفراد الأسرة أو الانتقال لعمل آخر براتب ثابت للإنفاق على الأسرة أمراً طوعياً؟ هنالك العديد من الديناميكيات المتداخلة والمختلفة حسب ظروف الأسر والتي قد تؤثر على قرارات رائدة الأعمال، ونحن لم نبدأ سوى مؤخراً بالبحث عنها وتحليلها.

هدفنا من هذه المقالة تسليط الضوء على معايير المقارنة؛ فالرجل والمرأة يعملان وفق ظروف مختلفة في عالم الأعمال، ولا بدّ من أخذ هذه الاختلافات بعين الاعتبار عند تقييم مشاريع رواد الأعمال ورائدات الأعمال. أما التقييم العام الذي يغفل هذه التفاصيل فلن ينجح في التوصل إلى المعلومات والجوانب الحساسة الضرورية لبناء النظام ريادة الأعمال الحيوي لرواد ورائدات الأعمال معاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!