facebook
twitter
whatsapp
email
linkedin
messenger

عادة ما تضمّ أفلام الكوارث مشاهد قد تكون نتيجتها النجاح أو الإخفاق، وذلك عندما يحوّل البطل اليأس المستشري إلى فرح عارم بتصرفه البطولي. وبينما نعيش اليوم أحداث فيلم واقعي يدور حول كارثة "كوفيد-19″، لا يزال الجميع في حالة ترقّب لحل بطولي يُتيح لنا العودة إلى ممارسة حياتنا الطبيعية. أخبرَنا عدة خبراء أن الأمور لن تعود إلى طبيعتها إلى حين توفّر لقاح أو علاج دوائي فاعل تماماً؛ وبما أن العلاج واللقاح لا يزالان بعيدا المنال، سيبقى اليأس يتسلل إلى قلوبنا. وبدلاً من ذلك، طُلب منا أن ننسى انتظار المعجزة الطبية، وأن نسعى إلى تطوير قدرات على إجراء اختبارات وتتبع واسعة النطاق على المرضى قبل أن نتمكن من تخفيف القيود الصارمة على اقتصاد بلادنا وحياتنا والاجتماعية.

اشترك رقمياً اليوم ونحن نضمن لك تحقيق الفائدة، وإن لم تحقق الاستفادة المرجوة من اشتراكك، يمكن إلغاؤه في أي وقت واستعادة المبلغ للمدة المتبقية من الاشتراك.

قد يُسفر نهج "كل شيء أو لا شيء" لحل المشكلات عن نتائج عظيمة. ومع ذلك، يختلف هذا النهج عن النهج المتّبع في حل المشكلات الكبيرة الفعلية في المجتمع أو عالم الأعمال أو مجالات العلوم. إذ عادةً ما يجري معالجة المشكلات الكبيرة من خلال سلسلة من الحلول الصغيرة التي قد لا تبدو مهمة بحد ذاتها، لكنها قد تنطوي على تأثير كبير.

وعلى الرغم من أن نهج سياسة الولايات المتحدة المتّبع تجاه جائحة "كوفيد-19" يجب أن يستمر في دعم مبادرات الاختراقات الكبيرة، مثل تطوير اللقاحات والعلاجات ودعم قدرات إجراء الاختبارات وتتبع المصابين، يجب ألا نتجاهل التأثير التراكمي المحتمل للعديد من التدابير الصغيرة التي قد ننفذها بشكل فردي أو جماعي والتي قد تنطوي على أثر كبير في ظل الأزمة الحالية. وتمثّل معظم هذه التدابير حلولاً طُلب منا تطبيقها بالفعل، مثل غسل اليدين بعناية؛ وهي حلول قد تصنع فارقاً بسيطاً بمفردها، لكن عندما يجري تطويع هذه الحلول في برنامج شامل يهدف إلى تطبيقها بشكل أكثر صرامة، قد تُحدث فارقاً كبيراً يمكّننا من إعادة الحياة إلى اقتصادنا ومجتمعنا. ويتمثّل التحدي الرئيس الذي يواجه قادة القطاعين العام والخاص في إقناع أغلبية السكان والشركات والهيئات الحكومية بضرورة تطبيق تلك الإجراءات.

ماذا لو قمنا بالاهتمام بنظافة الأماكن العامة من خلال التنظيف المستمر والدقيق، خاصة وسائل النقل العام ومناطق التسوق ودورات المياه؟ لقد أعلنت مدينة نيويورك بالفعل عن اتخاذها إجراءات تقضي بتنظيف عربات مترو الأنفاق وقطارات السفر والحافلات كل ليلة بدلاً من كل 72 ساعة. ماذا لو نفّذت هذا الإجراء كل ثماني ساعات أو كل أربع ساعات؟ ماذا لو أبدينا استياءنا عند توجه الموظف الذي يشعر بالمرض إلى العمل بدلاً من اعتبار خروجه وهو مريض إشارة على تفانيه في العمل؟ ماذا لو وجدت أماكن العمل والمدارس طرقاً مبتكرة للحد من التقارب البدني للموظفين من خلال زيادة الاعتماد على نظام العمل عن بُعد والتناوب في العمل، وهو ما قد يجعل وسائل النقل العام أقل ازدحاماً؟ ماذا لو أصبح ارتداء الكمامة في الأماكن العامة إحدى القواعد الاجتماعية؟ ماذا لو قمنا بتحسين قدرتنا على إجراء الاختبارات على المرضى أسبوعاً تلو الآخر؟ ماذا لو زدنا عدد الأشخاص المستعدين لاستخدام التطبيقات التي تُتيح لنا تحديد "المناطق الموبوءة"، حتى إن كان بشكل غير دقيق؟

أنا لا أزعم أن هذه التدابير هي الحلول الوحيدة التي يمكننا تطبيقها، أو أن هذه المجموعة من التدابير المحددة هي التدابير الصحيحة التي يجب اتباعها، إذ يمكن للخبراء في مجال الصحة العامة تحديد العشرات من الخطوات الصغيرة الأخرى التي يمكن أن تقلّل من معدلات الإصابة؛ بل ما أقصده هو أن إحداث تأثير كبير في أزمة "كوفيد-19" يتطلّب منا التفكير في مجموعة كبيرة من الحلول "الصغيرة" بدلاً من تطوير مجموعة صغيرة من الحلول "الكبيرة".

غالباً ما تتّبع التطورات الطبية نهج "كل شيء أو لا شيء". لكن الواقع الذي نعيشه اليوم أكثر تعقيداً، ولن نشهد تحسينات كبيرة في نتائج الرعاية الصحية إلا بعد حصول العديد من التحسينات التدريجية. فليس من الضروري أن يكون اللقاح فاعلاً بنسبة 100% ليُحدث تأثيراً كبيراً على المرض. (تذكّر أن لقاح الإنفلونزا يقلّل من مخاطر المرض بنسبة 40% إلى 60% وليس 100%). وينطبق الأمر نفسه على العلاجات الدوائية، فمن الصعب إيجاد دواء فاعل بنسبة 100% لجميع المرضى، بل عادة ما تُسفر الأدوية عن تحسينات هامشية صغيرة فقط في نتائج المرضى الصحية. لكن إذا كان المرض منتشراً على نطاق واسع، قد تساهم هذه التحسينات الصغيرة في إنقاذ العديد من الأرواح. من الضروري أن نتذكر أيضاً أن العديد من التحسينات في النتائج الطبية لا ترتبط بالتكنولوجيا أو الأدوية، بل تحصل نتيجة اتباع ممارسات أفضل في إدارة المرضى. فتحديد أفضل وقت لوضع أنبوب التنفس لمريض ما أو جعله يستلقي على بطنه بدلاً من ظهره لن يتصدّر عناوين الصحف، إلا أنه قد يُسفر عن نتائج أفضل. نحن لسنا بحاجة إلى علاجات أو تقنيات تُحدث تغييراً جذرياً، بل جلّ ما نحتاج إليه هو معرفة التدابير الناجحة والتدابير الفاشلة. وسيكون التعلم السريع من التجربة أمراً بالغ الأهمية.

ويتمثّل التحدي الكبير في نهج "العديد من الحلول الصغيرة" في أنه يتطلب مشاركة وامتثالاً واسعي النطاق للقوانين من قبل المجتمع وتواصلاً نشطاً من قبل مؤسسات القطاعين العام والخاص. على سبيل المثال، يجب أن تكون الغالبية العظمى من السكان على استعداد لتغيير سلوكياتهم، مثل ارتداء الكمامات في الأماكن العامة، وغسل اليدين بعناية، وتجنّب الخروج من المنزل عند الشعور بالمرض، والرد على اتصال الشخص المسؤول عن تتبّع الأشخاص المخالطين للمرضى، والموافقة على الامتثال لقواعد الحجر الصحي، واستخدام التطبيقات التي تساعد في تتبّع المناطق الموبوءة، وغير ذلك. ومن الضروري أن تكون الشركات على استعداد لاعتماد جداول وترتيبات عمل جديدة وأساليب مُبتكرة لحماية العمال والزبائن. وقد تضطر المدارس إلى تغيير جداول المواعيد والأنشطة لتجنب الازدحام. وسيتعين على الحكومات أن تستثمر في إجراءات التنظيف المكثّف للأماكن العامة وفي بنية تحتية لإجراء الاختبارات على المرضى وتتبع الأشخاص المخالطين لهم.

وتتمثّل إحدى المزايا الكبيرة لنهج "العديد من الحلول الصغيرة" في أنه قابل للتحديث والتحسين المستمر، خاصة عندما تتوفر معلومات أفضل حول التدابير الناجحة والأخرى الفاشلة. إلا أن تحقيق الاستفادة من هذه الميزة المحتملة يتطلّب منا الحصول على معلومات جيدة. والأهم من ذلك، نحتاج إلى قادة قادرين على الاستجابة للمعلومات الجديدة وإقناع قطاعات واسعة من المجتمع للتكيّف. وليس من الصعب على أي شخص اليوم أن يجد حلولاً مبتكرة لتحقيق تلك الغاية.

وقد جرى انتقاد العديد من الحلول المحددة التي اقترحتها أعلاه من قبل العديد من الخبراء بزعمهم أنها غير كافية. وأتّفق معهم أنه من غير الممكن أن يُسفر أي حلّ من الحلول التي ذكرتها أعلاه عن أي تأثير على جائحة "كوفيد-19" عند تطبيقه بشكل مستقل. لكن إذا أخذنا في الاعتبار التأثير التراكمي لمثل هذه الخطوات، يمكننا حينها أن نلحظ تقدماً حقيقياً في وقت أقرب بكثير مما كنا نتوّقع. باختصار، يمكننا انتظار اللحظة السحرية التي سيُنقذ فيها البطل عالمنا، أو يمكننا اتخاذ إجراءات اليوم بأي طريقة ممكنة. وأنا أعرف حق المعرفة واقع الحياة الذي أريد أن أعيشه.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!