تابعنا على لينكد إن

يضعضع السلوك غير المتحضر فريق العمل، ويقوّض التعاون ويهدد شعور أعضاء الفريق بالسلامة النفسية ويعرقل الفعالية. وبالمثل، يمكن للتقليل والحط من شأن التعليقات والشتائم والنميمة وغيرها من السلوكيات الوقحة أن يدمر الثقة والائتمان ويقضي على الرغبة في التعاون حتى لدى من هم غير مستهدفين بمثل هذه التصرفات.

وثّقت دراسة حديثة كيف يؤدي السلوك غير المتحضر إلى خفض التعاون والأداء في المؤسسات الطبية، حيث دعي 22 فريقاً طبياً من 4 وحدات للرعاية المركزة لحديثي الولادة إلى ورشة عمل تدريبية خُصصت لتحسين جودة الرعاية. وكجزء من التدريب، طُلب من الفريق معالجة طفل رضيع تدهورت حالته بصورة مفاجئة بسبب تعرضه لمرض معوي خطير (كان الأمر مجرد محاكاة، ولم تكن صحة أي رضيع معرضة للخطر). وتعين على العاملين في وحدات العناية المركزة التعرف على الحالة وتشخيصها وأن يصفوا العلاج المناسب بما في ذلك الانعاش القلبي الرئوي (CPR).

قيل للفرق إنّ خبيراً من الولايات المتحدة الأميركية سيراقبهم عن بعد (عبر الفيديو) وسيعلق من حين لآخر ويوجه لهم النصح. كان ذاك “الخبير” عضواً من فريق البحث. وتلقت نصف الفرق الرسائل من الخبير المحايد الذي تحدث عن أهمية التدريب والممارسة باستخدام المحاكاة، لكنه لم يعلق على نوعية عملهم.

صور الباحثون حالات المحاكاة وطلبوا من حكام موضوعيين تقييمها. سُجلت لدى الفرق التي تعرضت للتعليقات الوقحة قدرات أدنى مستوى في كافة قياسات التشخيص والأداء العملي الإجرائي، الأمر الذي قلل بصورة ملحوظة فرص إنقاذ حياة المولود. وحدث هذا بصورة رئيسية لأن الفرق التي تعرضت للتعليقات الوقحة لم تتشارك المعلومات بالاندفاع نفسه وكفت عن طلب المساعدة من أعضاء الفريق الآخرين.

أشهد في كثير من الأحيان على مثل هذه الأوضاع خلال بحوثي: إذ ينغلق الناس الذين لا يشعرون بالسلامة النفسية (ذاك الشعور بأنّ أجواء الفريق توحي بالثقة والاحترام وتجعل المكان آمناً للمخاطرة) على أنفسهم من دون أن يدركوا ذلك في أكثر الأحيان. إنهم على الأغلب أقل سعياً من غيرهم في طلب أو قبول آراء الآخرين وأقل إقبالاً على التجربة ومناقشة الأخطاء والحديث عن المشاكل الممكنة أو الفعلية. وحتى في غياب شخص يثير لديهم شعور الرهبة في الغرفة، فإنهم يعملون في مناخ من السلبية وهم عاجزون عن بذل أفضل ما لديهم.

عندما يتصرف أحد بصورة غير متحضرة، يصبح من السهل على الناس تشرب أفكار سلبية واعتناقها، ما ينعكس في اتباع سلوك سلبي. وفي التجارب التي أجريتها، وجدت أنه عندما يتعرض الناس للوقاحة فإنهم يصبحون ثلاث مرات أقل استعداداً لمساعدة الآخرين وتتراجع رغبتهم في المشاركة بأكثر من النصف. وهذا أمر منطقي: عندما يتصرف شخص بطريقة سيئة أو عدوانية، تنتشر المشاعر السيئة ويحدث تصعيد في السلوكيات التي تصبح أحياناً عدوانية أو معطلة.

إلى جانب ذلك، حتى الأحداث الطفيفة نسبياً (عندما يحط البعض من قدر الآخرين من دون مراعاة، أو يشككون على الملأ بقدراتهم) تترك بصمة تنتقص من شأنهم وتقلص أداءهم وشعورهم بالاطمئنان. ومثلما يتبين من النموذج الرياضي الذي طوره عالما النفس في جامعة ييل الأميركية آدم بير وديفيد راند، يتعلم الأفراد المحاطين عادة بأشخاص لا يحسنون التصرف، وبالفطرة يتعلوا أن يكونوا أنانيين وأن يتكتموا بشأن ما يفعلونه. وينتهي بهم الأمر إلى التصرف بأنانية حتى عندما يكون التعاون مفيداً لهم لأنهم لا يتوقفون للتفكير في الأمر.

يعود السلوك المتمدن بفوائد جمة لأنه يحسن من أداء الفريق عبر زيادة مستوى الشعور بالسلامة النفسية لدى الناس. وبينت إحدى تجاربي أنّ السلامة النفسية زادت بنسبة 35% عندما تلقى الناس اقتراحاً بصورة متمدنة مقارنة مع تقديم الاقتراح بصورة غير متحضرة (أي على سبيل المثال التدخل عن طريق المقاطعة من دون أي مراعاة). وبينت بحوث أخرى أنّ الشعور بالسلامة النفسية يحسن الأداء العام للفريق. إذ أنه لدى دراسة 180 من فرقها النشيطة أو أكثر، توصلت شركة جوجل إلى أنّ تشكيلة الفريق (أي من ينتمي إليه) أقل أهمية من طريقة تواصل أعضاء الفريق في ما بينهم، وكيفية تنظيم عملهم، ونظرتهم إلى مساهماتهم. فالموظفون المنتمون إلى فرق تشعرهم بمزيد من السلامة النفسية كانوا أكثر إقبالاً على الأخذ بأفكار زملائهم في الفريق وأقل توجهاً إلى ترك شركة جوجل. لقد حقق هؤلاء عائدات أكبر للشركة وصنفهم مدراؤهم بصفتهم “فعالين” مرتين أكثر من غيرهم.

يُعتبر القادة هم الذين يحددون ما ستكون عليه أجواء العمل. ولقد كشفت دراسة شملت فرق إنتاج متعددة المهام أنه عندما عامل القادة أعضاء فريقهم معاملة حسنة وبإنصاف، كان أعضاء الفريق أفضل إنتاجاً كأفراد وكفريق. وكانوا كذلك أكثر استعداداً لبذل الجهد والذهاب أبعد مما يتطلبه عملهم. فالأمر يبدأ من القمة. عندما يكون القادة متمدنين ولبقين، يزيد ذلك من مستوى الأداء والإبداع ويتيح الكشف في وقت مبكر عن الأخطاء، ويطلق العنان للمبادرات العملية ويخفف من الإرهاق العاطفي.

يساعد التصرف اللبق الفرق في تحسين أدائها، وذلك من خلال مساعدة الموظفين على الشعور بمزيد من الأمان والسعادة. وفي دراستي التي شملت أكثر من 20,000 موظف، أفاد أولئك الذين شعروا بتقدير مسؤولهم لهم أنهم أكثر تركيزاً وقدرة على تحديد الأولويات بنسبة 92% وأكثر انخراطاً في العمل بنسبة 55%.

من خلال إشاعة مناخ متحضر، يمكنك تحقيق المزيد من التعاون عبر الناس الذين يبادلون السلوك المحترم بالمثل. وبين بحث أجرته كاثرين ديكاس وزملاؤها في شركة جوجل أنّ أجواء العمل تؤثر على سلوكيات المواطنة التنظيمية. فإذا أردت من الناس أن يحسنوا التعاون وأن يبذلوا المزيد، فكر في جو العمل، ودور القائد القدوة، ومعايير وقواعد الفريق.

من المهم الإشارة إلى أنه لا يمكن فرض اتباع سلوكيات متحضرة على الموظفين وإنما إشراكهم في نقاش مستمر وتحديد ما الذي يعنيه التحضر تحديداً. فمن خلال إشراكهم في العملية، ستجني المزيد من التأييد وستمكّن الموظفين من مساءلة بعضهم البعض للحفاظ على سلوك متحضر.

تحقق الشركات والمؤسسات على اختلافها الفائدة من خلال الحديث عن السلوك المتحضر مع الموظفين. قمنا في مقر شركة براين كيف (Bryan Cave) للمحاماة في إيرفين بولاية كاليفورنيا، مع الشريك الإداري ستيوارت برايس بقيادة الموظفين عبر تمرين مكّنهم من تحديد المعايير الجماعية. وطرحنا على الموظفين سؤال: “من تريد أن تكون؟”، وطلبنا منهم أن يحددوا الأعراف التي أرادوا من كل منهم أن يكون مسؤولاً عن الالتزام بها (ما هي المعايير والقواعد المناسبة لشركتهم؟)، وخلال ساعة ونيف، صاغ الموظفون واتفقوا على عشرة معايير. تبنت الشركة هذه المعايير وصاغتها في “مدونة التحضر” (civility code) التي باتت معروضة في البهو. ويشهد برايس على أنّ مدونة التحضر كانت مسؤولة بصورة مباشرة عن تصنيف الشركة في المرتبة الأولى كأفضل بيئة للعمل في مقاطعة أورانج كاونتي.

لا يكفي تأطير قواعد السلوك وتعليقها، وإنما عليك أن تدرب الموظفين وتعينهم على فهمها وتطبيقها. فعندما سئل الناس في مسح أجريته لماذا يتصرفون بطريقة غير لبقة، ألقى أكثر من 25% منهم باللوم على شركته أو مؤسسته لأنها لم تزودهم بالمهارات الأساسية المطلوبة مثل مهارات الإصغاء وإعطاء الرأي. فإذا كان موظفوك لا يتبعون السلوك السليم، وإذا كنت بذلت جهداً في تعميم رسالة السلوك المتحضر داخل المؤسسة، اسأل نفسك: “هل زودتهم بما يحتاجونه لتحقيق النجاح في ذلك؟”، ولا تفترض أنّ الجميع يعرفون كيف يتصرفون بتحضر، إذ أنّ الكثير من الناس لم يتعلموا بتاتاً أبسط المهارات المطلوبة.

توفر بعض الشركات الرائدة دورات تدريب على السلوك المتحضر. توفر شركة مايكروسوفت على سبيل المثال حصة بعنوان “الدقة في طرح الأسئلة” (Precision Questioning) تشهد إقبالاً كبيراً وهي تعلم المشاركين كيف يطرحون الأسئلة بشأن أفكارهم ذاتها، وكيف يطورون منهجاً للنقد السليم البناء، وكيف يسيطرون ببراعة على عاطفتهم حتى في المواقف المتوترة. وفي مستشفى في لوس أنجلوس، يُطلب من الأطباء المزاجيين اتباع حصص تدريبية على “الجاذبية الشخصية” (charm school) تساعدهم في الحد من سلوكهم المتهور وخفض فرص مقاضاة المؤسسة الطبية. وتعلم “مدرسة الجاذبية” الأطباء كيف يكونون قدوة ويرشدون الأطباء المتدربين على كيفية التصرف.

يمكننا القول إنّ إيلاء الاهتمام إلى مستوى التحضر لدى فريقك يستحق الجهد المبذول فهو يحسن التعاون والأداء. لذلك، فكر في تعديل المعايير والقواعد وفق ما هو مناسب أو بتوفير التدريب في حال برزت الحاجة لذلك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz