يبدو أنّ "وعي الذات" قد بات مؤخراً المصطلح الأكثر رواجاً في عالم الإدارة، وذلك لأسباب وجيهة. فوفقاً للأبحاث، عندما نرى ذواتنا بوضوح وشفافية، نغدو أكثر ثقة بأنفسنا ونزداد إبداعاً في مجال عملنا، وبالتالي نتمكّن من اتخاذ قرارات أكثر حكمة، وبناء شبكة علاقات أمتن، ونتمكن من التواصل مع الآخرين بفعالية أكبر، فيقل احتمال لجوئنا للكذب، أو الخداع، أو السرقة، وبالتالي، نزداد كموظفين ونحظى بترقيات أكثر في العمل. وينطبق الأمر ذاته على المدراء وقادة الأعمال، إذ يصبحون أكثر فاعلية في إرضاء موظفيهم وتحقيق الأرباح لشركاتهم.

لقد عملت بوصفي اختصاصياً بعلم النفس داخل المؤسسات ومدرباً تنفيذياً، لما يقارب 15 عاماً على نحو لصيق مع قادة المؤسسات، وشهدت عن كثب كيف يمكن اكتساب هذه المهارة. غير أنني عندما شرعت في الغوص في هذا البحث وخوض غماره، صُدمت بوجود فجوة كبيرة بين علم وعي الذات نظرياً وتطبيقه على أرض الواقع. وبناء على المعطيات كلها، أدركت أننا لا نعرف سوى القليل حول كيفية تطوير هذه المهارة بالغة الأهمية.

شرعت منذ أربع سنوات مع فريقي البحثي بإجراء دراسة علمية واسعة النطاق في موضوع وعي الذات. وأجرينا 10 استقصاءات مستقلة بالتعاون مع حوالي 5,000 شخص، سعينا فيها إلى تحديد ما تعنيه مهارة وعي الذات، وسبب حاجتنا إليها، وكيف يمكننا تعزيزها وتطويرها. (ونعمل في الوقت الراهن على تدوين النتائج التي توصلنا إليها بهدف نشرها في إحدى المجلات العلمية).

حول البحث

أبرز عناصر البحث الأساسية:

  • تحليل نتائج ما يقارب 800 دراسة علمية استقصائية، بغية فهم كيفية تعريف الباحثين السابقين لوعي الذات، وتبيان المواضيع والتوجهات السائدة فيها، ومعرفة حدودها.

  • إجراء استبيان لآراء آلاف الناس من بلدان وقطاعات مختلفة، بهدف استكشاف العلاقة بين مستويات وعيهم لذواتهم وأبرز السمات والسلوكيات الأساسية التي يمتازون بها، كالرضا في العمل، ومشاعر التعاطف والسعادة والتوتر. كما استبينا أيضاً آراء أشخاص قريبين منهم ويعرفونهم جيداً لكي نحدّد العلاقة بين تقييم أولئك الناس لمستوى وعيهم الذاتي وتقييم الآخرين لهم.

  • وضع تقييم متعدد التصنيفات لوعي الذات، قائم على سبعة عوامل والتحقق من كفاءته، ذلك لأن استعراضنا للبحوث السابقة لم يؤد إلى تحديد أي معايير شاملة وقوية ومثبتة.

  • إجراء مقابلات معمقة مع 50 شخصاً تمكنوا من تنمية مهارة وعيهم لذواتهم على نحو ملحوظ، وذلك بهدف الاطلاع على الإجراءات والتدابير الرئيسة التي مكّنتهم من تحقيق ذلك، بالإضافة إلى التعرف على معتقداتهم وممارساتهم. وقد شملت مقابلاتنا رواد أعمال، واحترافيين، ومدراء تنفيذيين من بينهم مدير إحدى الشركات المدرجة على قائمة فورتشن 10. وللمشاركة في دراستنا كان على المرشحين تحقيق أربعة شروط:


1) أن ينظروا إلى أنفسهم بوصفهم يتمتعون بمستوى عالي عالية من وعي الذات، الأمر الذي قمنا بقياسه باستخدام نظام التقييم الذي وضعناه وتحققنا منه في بداية دراستنا.

2 ) أن يؤكد الأمر أحد معارفهم وفقاً لنظام التقييم ذاته.

3) أن يعتقدوا بأنهم قد اختبروا ارتفاعاً في مستوى وعيهم الذاتي خلال مسيرة حياتهم، وطُلب من كل مشارك أن يستذكر مستوى وعيه الذاتي في مراحل مختلفة من حياته وصولاً إلى عمره الحالي (كمرحلة بداية البلوغ من 19 إلى 24 عاماً، ومرحلة البلوغ من 25 إلى 34 عاماً، ومرحلة منتصف العمر من 35 إلى 49 عاماً، وأخيراً مرحلة النضج من 50 إلى 80 عاماً).

4) أن يجري تأكيد ذلك التقييم من قبل الشخص الذي يعرف المرشح المعني جيداً.

  • إجراء استبيان لآراء مئات المدراء والموظفين، بهدف معرفة المزيد حول العلاقة بين وعي الذات لدى القيادات وسمات الموظفين ومواقفهم كالالتزام، وفعالية القيادة، والرضا في العمل.  


والجدير بالذكر هنا أنّ المؤلفين المشاركين في هذا العمل هم:

هالي ووزنيج، من جامعة لونجوود

فينيكس فان واغونر، من كلية ليدز للأعمال، جامعة كولورادو

إيريك هيغستاد، من جامعة نورث كارولينا شارلوت

أبريل برودرسن، من جامعة ولاية ميتروبوليتان في دنفر

كما نودّ أن نشكر الدكتورة ستيفاني جونسون على إسهاماتها في دراستنا هذه.

لقد أظهر بحثنا العديد من العوائق والخرافات والحقائق المذهلة حول ماهية وعي الذات وما يلزم لتحسينه وتطويره. ووجدنا أنه على الرغم من أنّ غالبية الناس يعتقدون أنهم يمتلكون مستويات مرتفعة من وعيهم لذواتهم، إلا أنّ وعي الذات الحقيقي سمة نادرة بين الناس: وبحسب تقديراتنا لا تتجاوز نسبة الذين تنطبق عليهم الشروط التي وضعناها في دراستنا لوعي الذات 10 في المئة  إلى 15 في المئة من الناس المشاركين في تلك الدراسة. ويمكن ذكر ثلاث نتائج بارزة للدراسة من شأنها أن تساعدنا لتطوير إرشادات عملية للقادة لكي يروا أنفسهم بوضوح أكبر.

ثمة نمطان من وعي الذات

خلال الخمسين عاماً الماضية، تبنّى الباحثون تعريفات متنوعة لوعي الذات. على سبيل المثال، عرّفه البعض بأنه "القدرة على مراقبة عالمنا الداخلي"، وعرّفه آخرون بأنه "حالة مؤقتة من الإدراك الذاتي"، في حين هنالك من يركّز في توصيفه على "الاختلاف بين رؤيتنا لذواتنا ورؤية الآخرين إلينا".

لذلك قبل أن نتمكن فعلاً من التركيز على تنمية مهارة وعي الذات لدينا، نحن بحاجة إلى تجميع كل هذه المعطيات وإيجاد تعريف جامع.

لقد وجدنا في جميع الدراسات التي عايناها نمطين اثنين واضحين ومستقلين من وعي الذات. أولاً: وعي الذات الداخلي، أي مدى وضوح رؤيتنا لقيمنا، وعواطفنا، وتطلعاتنا الخاصة ومدى ملاءمة هذه الرؤية لبيئتنا وردود أفعالنا (بما فيها أفكارنا ومشاعرنا وتصرفاتنا ونقاط قوتنا ومكامن ضعفنا)، وتأثيرنا على الآخرين من حولنا. ووجدنا علاقة مطردة ووثيقة بين وعي الذات الداخلي من جهة ومستوى الرضا في بيئة العمل والعلاقات مع الناس، ومدى التحكم والسيطرة على الصعيدين الشخصي والاجتماعي، والشعور بالسعادة من جهة أخرى، في حين لمسنا علاقة عكسية بين هذا النمط من وعي الذات ومشاعر القلق والتوتر والكآبة.

أما النمط الثاني فهو وعي الذات الخارجي، ويعني استيعاب وفهم نظرة الآخرين إلينا من حيث العوامل ذاتها المذكورة أعلاه. ويظهر بحثنا أنّ الأشخاص الذين يدركون نظرة الآخرين إليهم يتمتعون بمهارة أكبر في ما يخص إظهار مشاعر التعاطف وتفهم وجهات نظر الآخرين. وبالنسبة للقادة الذين يرون أنفسهم كما يراهم موظفوهم فإنهم يحظون بعلاقة جيدة مع هؤلاء الموظفين، وبالتالي يشعر موظفوهم بدرجة أعلى من الرضا في العمل معهم وينظرون إليهم عموماً بوصفهم أكثر فعالية وكفاءة.

قد يقع المرء بسهولة في ظن أنّ تحقيق مستويات مرتفعة في أحد النمطين يعني تحقيق المستويات ذاتها في النمط الآخر. إلا أنه أظهرت أبحاثنا أنّ ما من علاقة فعلياً بين النمطين. ولذلك يمكننا تحديد هنا أربعة أنماط أولية للقيادة، لكل منها مجموعة مختلفة من الفرص المتاحة للتحسين والتطوير.



وبالحديث عن نمطي وعي الذات الداخلي والخارجي، يميل المرء إلى ترجيح كفة أحدهما على حساب الآخر. غير أنّ على القادة الاهتمام بكلا النمطين والعمل على تطويرهما معاً، فمن جهة يتعين على القائد الجيد أن يرى ذاته بوضوح، ومن جهة أخرى يتعين عليه أيضاً السعي لتلقي آراء وملاحظات الآخرين ليدرك كيف يرونه. وهكذا فإنّ الأشخاص الذين قابلناهم وكانوا يتمتعون بمستويات مرتفعة من وعي الذات كانوا يركّزون اهتمامهم على النمطين معاً لتحقيق التوازن بين كفتي الميزان.

لنأخذ زيداً على سبيل المثال، الذي يعمل مديراً للتسويق. إذ ركز اهتمامه في بداية مساره المهني على الوعي الداخلي لذاته بشكل أساسي، فقرر ترك عمله في المحاسبة ليتبع شغفه بالعمل في مجال التسويق. إلا أنه عندما سنحت له فرصة تلقي ملاحظات صريحة وصادقة أثناء مشاركته بدورة تدريبية أقامتها شركته، أدرك أنه لم يكن يركّز بما يكفي على النمط الثاني من وعي الذات ولم يكن يعر الاهتمام الواجب بكيف يراه الآخرون. ومنذ ذلك الحين، بات زيد يهتم بقدر متكافئ بكلا نمطي وعي الذات، ما ساعده على بلوغ مستويات جديدة من النجاح وتحقيق الذات.

خلاصة القول: لا يمثل وعي الذات حقيقة واحدة ومتكاملة، بل توازناً دقيقاً وحرجاً بين رؤيتين مستقلتين وأحياناً متنافستين.

(وإن كنتم مهتمين في معرفة أين تقفون في كل نمط، نقدّم لكم عبر هذا الرابط نسخة موجزة مجانية من نظام تقييم وعي الذات متعدد التصنيفات الذي وضعناه وتحققنا منه في أبحاثنا).

الخبرة والسلطة تعيقان تطوير وعي الذات

أظهرت الدراسات، بخلاف ما هو سائد شعبياً، أنّ الناس لا يتعلمون دائماً من خبرتهم، وأنّ الخبرة لا تساعد صاحبها على التخلص من المعلومات المغلوطة، وأنّ النظر إلى أنفسنا بوصفنا من ذوي الخبرة الكبيرة، يمنعنا من القيام بواجباتنا والبحث عن الدلائل المناقضة لوجهة نظرنا والتشكيك في افتراضاتنا بهدف تصحيحها.

ومثلما أنّ الخبرة تقودنا إلى إحساس مزيف بالثقة حيال أدائنا، فإنها تجعلنا أيضاً مفرطين في ثقتنا بمستوى معرفتنا بذواتنا. وجدت إحدى الدراسات على سبيل المثال، أنّ المدراء الأكثر خبرة كانوا أقل دقة في تقييم فعاليتهم القيادية بالمقارنة مع المدراء الأقل منهم خبرة.

وعلى الرغم من أنّ غالبية الناس يعتقدون أنهم يتمتعون بمستويات عالية من وعي الذات، إلا أنّ 10 إلى 15 في المئة فقط من الأشخاص المشاركين في الدراسة تنطبق عليهم المعايير المحددة فيها.

وبالمثل، كلما ازدادت سلطة القائد بات من المرجح أكثر أن يبالغ في تقدير مهاراته ومقدراته. فقد وجدت دراسة أجريت بمشاركة أكثر من 3,600 قائد في مراتب وظيفية متنوعة وقطاعات اقتصادية مختلفة، أنّ قادة السويات الإدارية العليا يبالغون في تقدير مهاراتهم (نسبة إلى ما يراه الآخرون) أكثر من قادة السويات الأدنى. وفي الواقع أكدت الدراسة على أنّ تلك النتيجة تسري على 19 من 20 كفاءة جرى قياسها، من بينها وعي الذات العاطفي، وتقييم الذات بدقة، والتعاطف مع الآخرين، والجدارة بالثقة، والأداء القيادي.

لقد اقترح الباحثون تفسيرين أساسيين لهذه الظاهرة. يقوم التفسير الأول على أنّ قادة السويات العليا في الإدارة لا يجدون عدداً كبيراً من الأشخاص الأعلى منهم مرتبة وظيفية والقادرين على تزويدهم بملاحظات نقدية صادقة وصريحة. أما التفسير الثاني فيقوم على أنّ القادة الذين يتمتعون بسلطة كبيرة لا يجدون أناساً يجرؤون على انتقادهم، خوفاً من أن يؤثر ذلك على مساراتهم الوظيفية. ويضيف جيمس أوتوول الاختصاصي في عالم الأعمال، أنه مع تنامي السلطة التي يمتلكها الأشخاص، تنخفض مستويات

استعدادهم للإصغاء، إما لأنهم يظنون أنهم يعرفون أكثر من موظفيهم، وإما لأن السعي لتلقي الملاحظات له ثمن لا يريدون دفعه.

لكن ذلك ليس بالضرورة الوضع السائد. فقد أظهرت إحدى الدراسات أنّ القادة الأكثر نجاحاً، حسب التصنيف الشامل لفعالية القيادة، يواجهون هذا الميل من خلال السعي الواعي إلى تلقي الآراء والملاحظات النقدية (من الرؤساء والزملاء والموظفين والمجالس، وما إلى ذلك) على نحو متكرر. ويغدو من خلال ذلك أولئك القادة أكثر وعياً لذواتهم وينظر إليهم الآخرون بوصفهم أكثر فاعلية.

وبالمثل وجدنا في مقابلاتنا أنّ الأشخاص الذين طوروا وعيهم الذاتي الخارجي، إنما نجحوا في ذلك من خلال سعيهم لتلقي الملاحظات النقدية البناءة من أشخاص يحبونهم، أي أشخاص يريدون مصلحتهم ومستعدون لمصارحتهم بالحقيقة. ولضمان عدم المبالغة في ردود الفعل حيال الملاحظات الانتقادية الشديدة أو المبالغة في تصحيح الخطأ، لا بأس من التحقق منها عبر مقاطعتها مع ملاحظات أخرى من مصادر متنوعة.

لا تؤدي مراجعة الذات بالضرورة إلى مستوى أفضل من وعي الذات

ويسود الاعتقاد أيضاً أنّ مراجعة الذات (التأمل في الأسباب العميقة لأفكارنا ومشاعرنا وسلوكنا) إنما تعزز وعي الذات. فكما يقول أصحاب هذا الرأي، هل من طريقة لمعرفة أنفسنا أفضل من التفكير في الأسباب العميقة التي تجعلنا على ما نحن عليه؟

لكن يتمثل أحد الاستنتاجات المدهشة لبحوثنا في أنّ الناس الذين يراجعون ذواتهم باستمرار يتمتعون بمستوى أدنى من وعي الذات، ويظهرون درجة متدنية من الرضا والراحة في العمل. ولقد أظهرت الأبحاث الأخرى نتائج مشابهة.

ولا تكمن مشكلة مراجعة الذات في أنها غير فعالة من حيث المبدأ، بل في أنّ غالبية الناس لا يمارسونها على نحو صحيح. ولنفهم ذلك، دعونا نلقي نظرة على أكثر أسئلة مراجعة الذات شيوعاً على الأرجح: "لماذا؟". إننا نستخدم هذه الكلمة عندما نحاول فهم مشاعرنا، على نحو: "لماذا أفضل الموظف س على الموظف ع؟"، أو سلوكنا، على نحو: "لماذا أخرج عن طوري عندما أقابل ذلك الموظف؟"، أو مواقفنا، على نحو: "لماذا أعارض تلك الصفقة؟".

ولا تكمن مشكلة مراجعة الذات في أنها غير فعالة من حيث المبدأ، بل في أنّ غالبية الناس لا يمارسونها على نحو صحيح.

وكما يتضح، فإن الأسئلة التي تبدأ بكلمة "لماذا" غير بناءة وغير مفيدة لوعي الذات على الإطلاق. لقد أظهرت الأبحاث أننا ببساطة لا نملك إمكانية الوصول إلى الكثير من أفكارنا ومشاعرنا ودوافعنا التي نبحث عنها لأنها واقعة في حيز اللاوعي، ولذلك نميل إلى اختلاق أجوبة تبدو لنا صحيحة لكنها غالباً ما تكون مغلوطة. فإذا ما صبّت المديرة الجديدة جام غضبها على أحد الموظفين بطريقة غير معهودة، يمكن أن تتسرع وترجع ما حدث إلى كونها لا تصلح للإدارة، في حين أنّ السبب الحقيقي يكون حالة هبوط حاد في تركيز السكر في الدم على سبيل المثال.

ولذلك، فإنّ المشكلة مع الأسئلة التي تبدأ بكلمة "لماذا" لا تتوقف على ما إذا كنا على خطأ أم على صواب، بل على ثقتنا المفرطة بأننا على صواب. فالعقل البشري نادراً ما يعمل على نحو منطقي وموضوعي خالص، وقلّما تكون أحكامنا خالية من الانحياز، بل إننا ننحو إلى التمسك بأفكارنا الأولى وما نعده "فهماً عميقاً" للموضوع من دون التأكد من صحته وقيمته، ونتجاهل الدلائل المناقضة له، ونجبر تفكيرنا لكي يتسق مع رؤيتنا الابتدائية وفهمنا الأول بغض النظر عن مدى صحته.

ومن التبعات السلبية الأخرى لطرح الأسئلة التي تبدأ بكلمة "لماذا" (وبخاصة عندما تحاول تفسير نتيجة سلبية) أنّ من شأن ذلك أن يستدعي أفكاراً سلبية غير بناءة. وجدنا في أبحاثنا أنّ الأشخاص الذين يركزون كثيراً على مراجعة الذات من المرجح أن يقعوا في فخ أنماط السلوك الاجتراري. فإذا تلقى أحد الموظفين على سبيل المثال تقييماً سلبياً لأدائه وشرع يسأل نفسه: "لماذا حصلت على هذا التقييم السيئ؟"، فإنه من المرجح أن يصل إلى تفسير يركز على مخاوفه وأوجه قصوره وبواعث انعدام يقينه، بدلاً من التقييم الموضوعي لنقاط قوته ومكامن ضعفه. (لذلك نجد الأشخاص الذين يلجؤون إلى تحليل ذواتهم بنحو متكرر، عرضة للإحباط والقلق وتدني مستوى الرفاه أكثر من سواهم).

فإذا لم تكن كلمة "لماذا" هي الكلمة السليمة لنبدأ بها سؤالنا، هل من كلمة أفضل منها؟ بحث فريقي في مئات الصفحات التي تضم مقابلات أجريناها مع أناس يتمتعون بمستويات مرتفعة من وعي الذات، لنرى ما إذا كانوا يتعاملون مع موضوع التفكير بالذات على نحو مختلف. وبالفعل، لقد كان هنالك نمط واضح يجمعهم: على الرغم من أنّ كلمة "لماذا" قد وردت حوالي 150 مرة، فإنّ كلمة "ماذا" قد وردت أكثر من 1,000 مرة.

لذلك فمن أجل تعزيز معرفة الذات البناءة والتقليل قدر المستطاع من الاجترار غير البناء، يتعين علينا التركيز على السؤال عن الماهية والحقيقة (بكلمة "ماذا") لا عن الأسباب (بكلمة "لماذا"). فالأسئلة التي تبحث عن الماهية والحقيقة تساعدنا على البقاء موضوعيين، ونتوجه نحو المستقبل، ونتمكن من معالجة ما اكتشفناه عن أنفسنا.

لنأخذ مثلاً بديع، الفنان المخضرم الذي كان يعمل في مجال الترفيه والتسلية، والذي أجرينا معه مقابلة، وأخبرنا أنه يكره عمله كرهاً شديداً. وفي حين أنّ الكثيرين في مكانه كانوا سيقعون في فخ السؤال: "لماذا أشعر بهذا الانزعاج الشديد؟"، بادر بديع للسؤال: "ما هي الحالات التي تجعلني أشعر بذلك الانزعاج الشديد، وما هو القاسم المشترك في ما بينها؟". ولقد أدرك أنه لن يتمكن أبداً من الاستمتاع بعمله ذاك، الأمر الذي شجعه على الانتقال إلى عمل جديد في مجال إدارة الثروات، ما يوفر له قدراً كبيراً من تحقيق الذات، أكبر بكثير من عمله السابق.

وبالمثل كان على سارة، رئيسة فريق خدمة الزبائن في إحدى الشركات والتي تسلمت منصبها مؤخراً، كان عليها أن تستوعب الملاحظة السلبية التي تلقتها من أحد الموظفين. وبدل أن تسأل زميلها: "لماذا قلت ذلك لي؟"، استفهمت سارة: "ما هي الخطوات العملية التي يتعين علي اتخاذها مستقبلاً ليكون أدائي في عملي أفضل؟". وساعدهما ذلك على التوجه نحو حلول للمشاكل بدل البقاء عالقين في أنماط السلوك السابقة وغير البناءة.

لا يمثل وعي الذات حقيقة واحدة ومتكاملة، بل توازناً دقيقاً وحرجاً بين رؤيتين مستقلتين وأحياناً متنافستين.

وأما الحالة الأخيرة فهي حول ماجد الذي أخبرنا بأنه اكتشف أنّ الشركة التي اشتراها مؤخراً لم تعد مربحة. ولم يتبادر إلى ذهنه بادئ ذي بدء سوى السؤال: "لماذا لم أتمكن من تغيير مسار الأمور نحو الأفضل؟". لكنه سرعان ما أدرك أنه لا يجدر به إضاعة وقته وطاقته ليجلد ذاته، بل كان يتعين عليه أن يقرر الخطوات التالية التي سيتخذها. فشرع يسأل نفسه: "ماذا بوسعي أن أفعل لأقلل قدر الإمكان من التأثيرات السلبية على العملاء والموظفين؟". وهكذا وضع خطة وتمكن من إيجاد أساليب مبتكرة لتخفيف الضرر على الآخرين ومساعدتهم قدر المستطاع بينما كان يصفي أعمال شركته. وبعد أن انتهى كل ذلك، وجد أنّ من واجبه صياغة وتدوين ما تعلمه من هذه التجربة. ولقد ساعده ذلك على تفادي الوقوع في أخطاء مشابهة مستقبلاً، كما ساعد الآخرين أيضاً لكي يتعلموا من تلك الأخطاء.

وجرى تعزيز هذه النتائج الكيفية بنتائج كمية توصلت إليها أبحاث أخرى. ففي إحدى الدراسات وجّه عالما النفس غريغوري هيكسون وويليام سوان ملاحظات سلبية لمجموعة من الطلاب الجامعيين حول اختبار أجروه في مجال "مقدراتهم الاجتماعية، ومحبة الآخرين لهم، ومدى كونهم ممتعين في نظر الآخرين". ومنح بعض الطلاب وقتاً للتفكير حول الأسباب التي جعلتهم أشخاصاً من النمط الذي هم عليه، في حين طلب من الطلاب الآخرين التفكير حول حقيقة وماهية شخصياتهم. وعندما طلب الباحثان من الطلاب تقييم مدى دقة الملاحظات الموجهة إليهم، صرف طلاب المجموعة الأولى طاقتهم في تفنيد ونفي الملاحظات والانتقادات الموجهة إليهم، في حين كان طلاب المجموعة الثانية أكثر انفتاحاً لتقبل تلك الملاحظات والتفكير في كيفية الاستفادة منها. وهكذا توصل الباحثان هيكسون وسوان إلى أنّ "تفكير المرء في الأسباب التي جعلته بهذه الطبيعة التي هو عليها، قد لا يكون أفضل من عدم التفكير في الذات على الإطلاق".

يقودنا هذا كله إلى الخلاصة التالية: إنّ القادة الذين يركزون اهتمامهم على تعزيز وعيهم بذاتهم داخلياً وخارجياً، ويسعون لتلقي الملاحظات والانتقادات البناءة من الآخرين والاستفادة منها من خلال السؤال عن حقيقة وماهية الأمور لا عن أسبابها، إنما يمتلكون القدرة على رؤية ذواتهم بوضوح وثقة، وهكذا يقطفون الثمار الكثيرة التي توفرها معرفة الذات. ومهما تقدمنا في معرفة ذواتنا، هنالك المزيد لنتعلمه، وهذا أحد الأسباب التي تجعل من رحلة وعي الذات رحلة ممتعة إلى هذا الحد.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!