لطالما اشتكت الشركات من صعوبة العثور على الموظفين المناسبين. فإذا بدا هذا الأمر مخالفاً للحدس، وتحديداً في ضوء ارتفاع معدلات البطالة، ما عليكم إلا مراجعة التوجهات العميقة الكامنة وراء عدم التطابق هذا، إذ أدخلت كل من التكنولوجيا والعولمة تحولاً على ما يحتاجه المرء للنجاح في قطاع الأعمال، حيث أنّ الجيل الجديد من المحترفين المهنيين يولي أهمية أكبر للقيم المؤسسية والشغف بالعمل منها للراتب الذي يحصل عليه في نهاية الشهر. وكما تقول كاثي بينك في كتابها المعنون “الشبكة المؤسسية”، استبدلت المؤسسات البنى والهياكل التراتبية بشروط عمل أبسط وأكثر تعاونية. ووسط كل هذه الميوعة، من الصعب على المدراء تحديد محتوى الوظائف المتاحة والمهارات المطلوبة لأدائها، بل وحتى أصعب على الراغبين في شغل هذه الوظائف تقديم هذه المهارات.

وإذا ما كانت الشركات تواجه صعوبة في العثور على “الأشخاص المناسبين تماماً”، يكون الوقت قد حان ربما لحصول تحول عميق في طريقة تفكيرنا تجاه عملية تعيين الموظفين. فعوضاً عن تحديد تفاصيل التوصيف الوظيفي والبحث عن شخص يماثل المطلوب، يتعين على الشركات البحث عن أناس يتصفون بالسمات الجوهرية الصحيحة ومن ثم تخصيص المهام بطريقة يمكنهم خلالها الاستفادة من مواهبهم بأسلوب منتج. علاوة على ذلك، يجب على الشركات أن تعترف أنّ هؤلاء الأشخاص ربما يكونون موجودين ضمن الشركة ذاتها، وتطبق العمليات التي تضمن الاستفادة القصوى من هذه المواهب.

غير أنّ إنجاز ذلك يتوقف على فهم الناس. وعندما يتعلق الأمر باكتشاف ما الذي يجعل الناس ينطلقون، تكون الطريقة الجيدة للبدء هي من خلال مساعدتهم على فهم أنفسهم.

يُعتبر الوعي الذاتي مجالاً حظي بدراسة وافية منذ آلاف السنين. ألم يكن سقراط هو الذي قال يوماً: “أعرف نفسك!”؟ لماذا يعتبر ذلك مهمّاً لأداء المؤسسات؟ وفقاً لغاري يوكل، وهو باحث متخصص في القيادة: “الوعي الذاتي يسهل على المرء فهم احتياجاته الخاصة، وردود أفعاله المحتملة في حال حصول أحداث معينة، ما يسهل تقويم الحلول البديلة”. وبحسب تعريفه، يشمل المفهوم: فهم المرء لاحتياجاته الذاتية، وعواطفه، وقدراته، وسلوكه. ويشير إلى أنّ الشخص القادر على تحديد مكامن قوته ونقاط ضعفه، سيكون أكثر فعالية.

ومن المنافع العظيمة لاكتساب المزيد من الوعي الذاتي هو التمتع بقدر أكبر من المرونة. فعندما يتفهّم المرء أنّ لديه نزعات معينة، ذلك يقوده إلى إدراك أنّ هذه النزعات تفيده أكثر في أوضاع معينة مقارنة مع أوضاع أُخرى. هذا الإدراك بدوره يقود المرء إلى الاستعداد لتقويم الوضع وتعديل توجهاته نحوها إذا اقتضت الضرورة.

وعندما تشدد المؤسسات تشديداً أكبر على فهم الناس كأفراد، ومساعدتهم على فهم أنفسهم، ستستفيد أيضاً مما يعتبر أكثر الجوانب أهمية في تفعيل مساهمة الموظف في مكان العمل. إذ وفقاً لكين توماس، مؤلف كتاب “كيفية إشراك الموظف في مكان العمل” (تقويم موظف لذاته)، يحقق الناس أفضل النتائج عندما يكونون مسؤولين عن أعمالهم. غير أنّ عدداً قليلاً من المؤسسات فقط هي التي تُولي عناية كبيرة للاهتمامات الشخصية في استراتيجيات التوظيف التي تُطبقها. فهي توظف الناس بناء على ما تقول شهادتهم أو سيرتهم الذاتية أنهم قادرون على فعله، وليس على المجال الذي يستطيعون أن يحدثوا فرقاً حقيقاً فيه. والمؤسسات الراغبة بإطلاق الإمكانات غير المستغلة، يجب أن تستثمر في التدريب الذي يمكن الناس من العطاء حيث يكمن شغفهم.

وبالنسبة لمعظمنا، لا يُعتبر الوعي الأكبر بالذات غاية بحد ذاته. وإنما نحن نثمّنه لأنه يسمح لنا باستغلال قدراتنا بأقصى ما يمكن. والأمر ذاته يصحّ على المستوى المؤسسي. فكلما كانت مؤسسة ما، من قمة قيادتها إلى أدنى موظفيها مرتبة، مدركة للكيفية التي تتصرف وتتواصل بها كمجموعة، ستكون أكثر قوة في اتخاذ الإجراءات الفعالة. ويصح هذا تحديداً عندما يتعلق الأمر بإدارة المواهب. إذ يجب لعملية التوظيف التقليدية، وهي العملية القائمة على تحديد ما يمكن إنجازه وإيكاله إلى الناس بناء على تجربتهم وتعليمهم، وهي نزعة يجب على المؤسسات أن تقر بأنها موجودة لديها. ومع اكتساب المؤسسات للوعي الذاتي، ستكتشف أنها أكثر قدرة مما تتخيل. إذ أنها ستفهم موظفيها كأفراد، وستشحذ من عزيمتهم، وتجعل إسهاماتهم الجماعية مميزة وملفتة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!