حين يتكلم الناس عن التضارب بين العمل والعائلة، فإنّ الصورة الذهنية التي نتخيلها عادة ما تكون لأم مستعجلة أو أب مسرع يحاول الوصول إلى دار حضانة الأطفال في الوقت المحدد، أو صورة لزوجين يملكان وظيفة مهنية ويتجادلان بخصوص السفر ولأي منهما يجب أن تكون الأولوية في ذلك.

ولكن نظراً لطبيعة عملي كاستشاري وتربوي، فإنني كثيراً ما أسمع عن نوع مختلف من التضارب بين العمل والعائلة، وهو متعلق بالتوتر الناشئ عن متطلبات الوالدين أو توقعاتهما، والتي تتعارض مع قيم الأولاد الخاصة وخططهم. كنت أستمع في الآونة الأخيرة إلى قصص من رجال أعمال في مراحل مختلفة من حياتهم، من مرحلة الجامعة إلى أن وصلوا إلى مناصب تنفيذية في وسط حياتهم المهنية، ورأيتهم يتحدثون عن أمهاتهم أو آبائهم أكثر من حديثهم عن الأزواج والأطفال من ناحية التأثير على العمل والتعارض معه. وإليك بعض الأمثلة حول ما سمعته من بعضهم:

  • “كثيراً ما جعلني والداي أشعر أنّ إنجازاتي دون المتوقع، فأنا خيبت أملهم، وهذا يؤثر على ثقتي بقدرتي على اختيار المسار المهني الأنسب لي”.
  • “والداي ينتظران مني أن أتزوج شخصاً بمواصفات محددة، حتى لو كان زواجي من ذلك الإنسان المفترض يتعارض مع أهدافي في مسيرتي العملية”.
  • “يُصرّ والداي على أن أعيش في منطقة بعينها، ولكن هذا سيعيق خياراتي في الوظيفة بشكل كبير كما سيؤثر على تطوري المهني في المستقبل”.
  • “لدي واجب يقضي بأن أعتني بوالدي بعد أن تقدما في العمر، ولكني لا أستطيع حتى الآن تنسيق هذه المسؤوليات مع بقية إخوتي، وهذا الضغط يفقدني القدرة على تركيز جهودي في العمل”.
  • “أخشى أن أُخبر والدي عن بعض الخصوصيات في حياتي، وخوفي من أن أصبح منبوذاً في العائلة يتسلل إلى عملي ويمنعني من أن أقدّم إسهاماتي المميزة في الشركة”.

صحيح أنّ الشباب من جيل الألفية والموظفين الأكبر سناً يتأثرون ببعض القضايا المرتبطة مع العائلة، ولكن الفئة الأولى هم الأكثر عرضة للتأثر بذلك. ووجدنا بعض الأدلة على ذلك في دراسة طولية تقارن بين موظفين من خريجي عام 1992 وخريجي عام 2012. كان الموظفون من جيل الألفية أكثر ميلاً من موظفي جيل 1992 للإشارة إلى أنّ أسرهم كانت مصدراً أساسياً من مصادر الرضا في حياتهم، وأنّ أهم الأشياء التي حدثت معهم كانت تمس العائلات التي ينتمون إليها.

بالرغم من أنّ محور التوترات بين الأبناء والآباء يتحوّل حين يكبر الإنسان، إلا أنّه يبقى مصدراً أساسياً للقلق والتضارب بين العمل والعائلة. فالتوترات والإحساس بالذنب جانب أساسي من العلاقة بين الابن ووالديه، ولو حدث ذلك في فترة متقدمة من الحياة، وبإمكان ذلك أن يعيق التقدّم في مجال العمل. إن كان ما أتحدث به مألوفاً بالنسبة لك، إن كنت مثلاً ترغب في الانتقال إلى وظيفة أخرى ولكنّك تخشى من خيبة أمل والديك، أو إن كنت تريد العمل في مدينة أو دولة أخرى لتحقيق أحلامك ولكنّك تشعر بالذنب لأنّك ستترك والديك، فأنا أقترح عليك أن تجرّب هذا الاختبار الذي أجريناه مع آلاف الأشخاص في عشرات ورشات العمل في مؤسسة مجموعة القيادة (Total Leadership).

يتمثل الجزء الأساسي من هذا النشاط في إجراء مجموعة من “حوارات الأطراف المعنية”، وهي حوارات تجريها مع أهم الأشخاص في حياتك (في العمل وفي والبيت وفي مجتمعك) بخصوص التوقعات المتبادلة بينكم. الهدف من ذلك هو استيضاح واكتشاف ما يفكر به هؤلاء الأشخاص المقربون منك بشكل دقيق، وعدم الاكتفاء بما تعتقد أنهم يفكرون به. وقبل البدء في هذه الحوارات، فإنّ المشاركين في برنامج مجموعة القيادة يكتبون عن هذا الشخص المهم، وسبب أهميته في حياتهم، والتوقعات المتبادلة وكيف تبدو. وفي الجلسات المخصصة للتحضير لهذه الحوارات نقوم بتحليل هذه التوقعات ونحاول معرفة كيف تؤثر هذه التوقعات على بعضها وكيف تتداخل في النظام الاجتماعي داخل نطاق تأثير كل فرد.

يجد الكثير من المشاركين، وليس جميعهم بطبيعة الحال، أنّ هذه الحوارات مع المعنيين تقدّم لهم فكرة أكثر وضوحاً عن التوقعات المتبادلة وتكشف لهم عن حلول مبتكرة من شأنها أن تحدّ من التوترات مع الآخرين. وفي كثير من الأحيان، وبعد إجراء هذه الحوارات القائمة على المصارحة، يدرك الناس أنّهم كانوا مخطئين بشأن ما ظنوا أنّ الآخرين، ولاسيما والديهم، يتوقعون منهم، وكثيراً ما يكتشفون أنّ لديهم تجاههم قدراً أكبر من المتوقع من الدعم والتأييد.

كان أحد المشاركين على سبيل المثال يشعر بالذنب لأنه لم يكن يتواصل مع أمه بالقدر الكافي، وكان هذا الشعور في بعض الأوقات يؤثر سلباً على قدرته على التركيز في عمله. ولكن حين تحاور معها، اكتشف أنّ ما تريده أمه ليس أن يزورها أكثر بل أن يقدّر رأيها في ما يتعلق بخياراته في حياته. فكان بوسع هذا المشارك أن يتعامل بسهولة مع ذلك، وبدأ يُظهر قدراً أكبر من الفضول أمام أمه ويسألها طالباً رأيها حول بعض الأمور حين يحادثها. وبسبب ذلك شعر الطرفان بالارتياح وتحسنت العلاقة بينهما، وتمكّن هذا الرجل من التركيز بشكل أكبر في عمله.

كان يعقب هذه الحوارات عادة نوع من الارتياح، حين يجد الأطراف أنّ الأبواب مفتوحة لآفاق جديدة. فليس مستغرباً على سبيل المثال أن يدرك البعض أنهم ليسوا مضطرين للتقيد بتلك التقاليد التي يحرص عليها الوالدان، أو أن يكتشفوا سبلاً جديدة لتقاسم المسؤولية مع الإخوة تجاه الوالدين وما يترتب على ذلك من انسجام أكبر بين الإخوة والأخوات والحد من التشتت في بيئة العمل.

في واحدة من الحالات، أجرى شخص في الخمسينيات من العمر هذه الحوارات مع والديه وإخوته (وكانت العلاقات بينهم ليست على ما يرام لفترة من الزمن) وأدرك بعدها أهمية أن يخصص المزيد من الوقت للحديث مع إخوته بخصوص الحالة الصحية المتدهورة لوالديه واحتياجاتهما الروحية في هذه المرحلة من نهاية حياتهم. وكانت النتيجة التزاماً مباشراً بين الإخوة بالتعاون في تحمل أعباء العناية بالوالدين والتخطيط سوية لفعل ذلك، فتحسنت العلاقات في ما بينهم وصارت أكثر قرباً، وهذا ما نمّى فيه رابطاً أكثر عمقاً وقيمة مع والديه وإخوانه. وفي المحصلة ساد شعور من الهدوء والسكينة في حياته ساعده على التعامل بشكل أفضل مع ضغوطات ومتطلبات عمله في منصب كبير مدراء التقنية.

إنّ التوصل إلى حالة من التوافق بين اختياراتك في الحياة وما تطمح إلى تغييره وعلاقتك بوالديك، سواء كان الأمر متعلقاً بمن ترغب بالزواج به أو العيش معه، أو بمن يهمّك رأيه ورضاه، سيفتح لك آفاقاً جديدة، ليس في علاقتك مع العائلة وحسب، بل في عملك ووظيفتك أيضاً. ومهما بلغت من العمر الآن، فإنّ الفرصة ما تزال قائمة للتفكير بخطوات واقعية للمضي في حياتك بالشكل الذي تريد.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!