تابعنا على لينكد إن

تمثل العلاقة بين التقنية والعمل المحور الرئيسي للنقاشات الأكاديمية وسياسات العمل، والتي تكشف تناقضاً مذهلاً ومقلقاً أيضاً. فمن ناحية، هناك خوف منتشر من أنّ الابتكارات التقنية ستؤدي إلى خسارة الوظائف وارتفاع معدلات التفاوت في الدخل وهو الأمر الأساسي في نقاش “السباق مع الآلات”. ومن ناحية أخرى، أدى التباطؤ في الإنتاجية عبر الاقتصادات المختلفة ببعض الاقتصاديين إلى القول إنّ هذه الابتكارات الجديدة ليس لها تأثير على النمو.

ولم يعط هذا النقاش إلا القليل من الاهتمام لما نراه إحدى أهم موجات الابتكار، حيث يمكن لتقنيات تحسين الأداء، والتي تُعد شراكة بين البشر والآلات الذكية، أن تعزز قدرات العمال، ما يؤدي إلى تحسّن كبير في الأداء وزيادة السلامة وزيادة رضا العامل أيضاً. يُعد استخدام النظارات الذكية المعتمدة على تقنية الواقع المعزز واحداً من أفضل الأمثلة على هذا النوع من الشراكة في مجالات مختلفة مثل التصنيع والتخزين وبيئات الخدمة الميدانية التي تمزج معلومات مقاطع الفيديو التي تم إنشاؤها باستخدام الحاسوب أو الرسومات أو النصوص بأمور مادية. على سبيل المثال: وضع تعليمات الإصلاح خطوة بخطوة وهي تتمحور على جزء من الآلة والتي توجه العامل بصرياً أثناء العمل.

وسنثبت لاحقاً، أنه يمكن لأجهزة الواقع المعزز المستخدمة حالياً في إعدادات التصنيع أن تزيد إنتاجية العمال في مجموعة من المهام من المرة الأولى لاستخدامها وحتى من دون تدريب مسبق للعمال. وتزيد هذه التقنيات من إنتاجية العمال من خلال جعلهم أكثر مهارة وكفاءة، وبالتالي يصبحون قادرين على تحقيق نمو اقتصادي أفضل ووظائف أفضل أيضاً.

يُظهر الفيديو  على سبيل المثال مقارنة زمنية بين العملية التي يجريها فني الكهرباء لوضع أسلاك مربع التحكم الخاص بمحرك رياح باستخدام دليل التوجيه اليدوي، ثم إجراء العملية نفسها باستخدام تعليمات تظهر للعامل على مستوى نظره عن طريق سماعة رأس تعتمد تقنية الواقع المعزز، (شاهد الفيديو من هنا).

قبل أن نبحث بعمق أكبر عن تطبيقات الواقع المعزز في العمل، لنرجع خطوة إلى الوراء وننظر في قضايا الاقتصاد الكلي التي تجعل من تعزيز الآلات لأداء البشر أمراً مهماً جداً. لقد عانت الولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى ذات اقتصاد مرتفع من انخفاض حاد في الإنتاجية منذ أن حصل الركود العالمي الكبير. وبلغ متوسط النمو الإنتاجي في الولايات المتحدة 0.5 في المئة فقط سنوياً من العام 2011 وحتى العام 2016، مقارنة بزيادة قدرها 3 في المئة في الإنتاجية من العام 1996 وحتى العام 2005، وذلك تبعاً لما أورده مكتب إحصاءات العمل. وأدى هذا إلى نمو في الاقتصاد الفرعي وركود الأجور بالتزامن مع تداعيات سياسية واجتماعية هائلة ليس فقط في الولايات المتحدة بل في معظم دول العالم المتقدم.

في الوقت نفسه، يظهر الرسم البياني في الأسفل، أنّ فرص العمل الصناعية في الولايات المتحدة تفوق أعداد المرشحين المؤهلين، ما يؤدي إلى زيادة الفجوة في القوى العاملة ضمن مجال الصناعة. إذ تقدر دراسة من العام 2015  لشركة ديلويت (Deloitte) أنه ستتوافر 3.5 مليون فرصة عمل صناعية خلال العقد القادم في الولايات المتحدة، والتي سيبقى 2 مليون منها شاغرة، وهذا ما يُعدّ استمراراً للاتجاه الحالي.

وأشارت العديد من الدراسات إلى أنّ هذا يضاعف من مشكلة النقص: فجوة المهارات المتزايدة بين متطلبات العمل والمجموعة المتاحة من العاملين، فتبعاً لقسم القوى العاملة في الولايات المتحدة، تطلب غالبية وظائف التصنيع تعليماً جزئياً أو كاملاً، وهذا يناقض تماماً الحال الذي كانت عليه الأمور في بداية القرن الحادي والعشرين عندما كانت غالبية وظائف التصنيع مليئة بالعمال الحاصلين على شهادة الثانوية فقط. إذا تم ملء هذه النوعية من الوظائف عالية الأجور وعالية الإنتاجية، والتي يقوم بها فنيو تصنيع متقدمي المستوى وعمال صيانة الآلات الكهربائية، يمكن أن تسرّع من النمو الاقتصادي.

وفي الوقت الذي تتطلع فيه الاقتصادات المتقدمة إلى إسراع وتيرة النمو، تواجه رياحاً معاكسة وهي شيخوخة السكان، والتي تبطئ من وتيرة نمو القوى العاملة. الحل لهذه المشكلة هو نمو أسرع لوتيرة الإنتاجية والذي يتطلب مهارات أعلى من العمال. ربما يكون التعليم الجامعي جزءاً من الحل، لكن عملية زيادة نسبة الحاصلين على التعليم الجامعي في القوى العاملة تتطلب وقتاً لا نملكه. وعلى الرغم من أنّ برامج إعادة التدريب الوظيفي سريعة، إلا أنها لم تنجح إلا جزئياً في تحديد أوجه عدم التوافق في سوق العمل.

بينما تعمل المصانع على استخدام متزايد لأحدث التقنيات الذكية والمترابطة، ولكن يبقى العامل البشري أساسياً لأداء المصنع. ويُعد إيصال المعلومات بفعالية لهؤلاء العاملين أمراً أساسياً لتحسين أدائهم، وتضمنت بعض هذه الجهود تركيباً لأجهزة محمول شخصية أو أجهزة لوحية ثابتة في محطات العمل والتي توفر، على سبيل المثال، بيانات المخزون لعمال المخزن وتساعد فنيي الإصلاح على التحقق من الخطوات التي تم إنجازها خلال مكالمة الصيانة. لكن هذه الخطوات تقطع سير العمل وتقيّد الإنتاجية.

هناك قلق حول استبدال الآلات للعمال البشر، وهذا يحدث فعلاً لوظائف محددة. ولكن تجربة شركة جينرال إلكتريك وشركات صناعية أخرى تثبت أنه بالنسبة للعديد من الوظائف، ينتج الجمع بين الآلات والبشر أداء يتفوق على أداء كل منهما. إنّ أجهزة الواقع المعزز قوية وتوفر المعلومات الصحيحة في التوقيت الصحيح وبالشكل المثالي، بحيث تكون مباشرة على خط نظر العمال أثناء عملهم وبذلك تحرر أيديهم حتى يتمكنوا من العمل دون انقطاع. هذا يقلل من الوقت اللازم لإنجاز المهمة بشكل كبير لأن العمال لم يحتاجوا إلى التوقف عن العمل حتى يقلبوا في صفحات الدليل اليدوي أو الاتصال بجهاز أو محطة عمل أخرى. كما أنّ هذه الطريقة تقلل من الأخطاء الناتجة لأن شاشة أجهزة الواقع المعزز توفر إرشادات صريحة تُضاف مباشرة على العمل الذي يتم إنجازه وبحسب طلب العامل. وبهذا يحتاج العمال إلى متابعة التعليمات المفصلة فقط والظاهرة أمامهم مباشرة للانتقال عبر سلسلة من التعليمات والخطوات حتى إتمام العملية. وإذا واجهوا مشكلة خلال العمل، يمكنهم الاستعانة بمقاطع فيديو تدريبية أو الاتصال عبر الفيديو مع خبراء عن بُعد لمشاركتهم بما يرونه عبر النظارات الذكية والحصول على مساعدة فورية.

كحالة تركيب أسلاك محرك الرياح في الفيديو أعلاه، أثبت دراسة أجرتها شركة بوينغ (Boeing) أنّ تقنيات الواقع المعزز حسّنت من إنتاجية عملية تجميع الأسلاك بنسبة 25 في المئة. وأيضاً في شركة جينرال إلكتريك للرعاية الصحية استطاع عامل المخزن، والذي يستقبل الأوامر الجديدة عن طريق هذه التقنية، إكمال المهمة أسرع بنسبة 46 في المئة من استخدام الطريقة العادية التي تعتمد على القائمة الورقية والبحث عن المطلوب في محطة العمل (يمكنك مشاهدة الفيديو من هنا). كما أثبتت حالات أخرى من شركة جينرال إلكتريك وشركات أخرى عديدة تحسّناً في الإنتاجية بنسبة 32 في المئة.

نؤمن أنّ تقنيات الواقع المعزز ستكون مفيدة في إغلاق فجوة المهارات المسؤولة عن نقص العمال الخبراء في مجال التصنيع. ولأن هذه التقنيات ستسمح لعدد أكبر من العمال بإنجاز وظائف تتطلب مهارة عالية وستحسن من أدائهم في هذا العمل، نحن متفائلون بنمو الإنتاجية الصناعية، وأنه ستتم ترجمة هذا النمو بالحصول على أجور عالية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تكنولوجيا

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz