تمثلت بعض أكبر التطورات الطبية في العقود القليلة الماضية في التصوير الإشعاعي التشخيصي ـ تخطيط الصدى، أشعة الثدي، الأشعة المقطعية (التصوير المقطعي المحوسب CT، أشعة الرنين المغناطيسي MRI)، وغير ذلك. إنّ ذات القوى التي دفعت تطوير التقنية في مجالات أخرى ـ الكاميرات بالغة الصغر، المعالجات الأصغر حجماً والأكبر سرعة، بث البيانات في الزمن الحقيقي ـ هي التي أحدثت ثورة في طريقة استخدام الأطباء للتصوير الإشعاعي في إنجاز الإجراءات الطبية. ولا تكاد أي عملية جراحية تقريباً تخلو من نوع أو آخر من المسح الطبي قبل أن يستخدم الجراح مشرط الجراحة في جسد المريض. حتى في حالات الطوارئ، يجب أن يتوافر لدى الجراح أشعة موجات فوق صوتية أو أشعة مقطعية للمساعدة في توجيه الإجراء الجراحي أو العلاجي. يمكن حالياً إنجاز التصوير الإشعاعي في الزمن الحقيقي ضمن موقع الرعاية الصحية خلال الإجراءات الطبية، بصرف النظر عن كون تلك الإجراءات الطبية كبيرة أو صغيرة.

بيد أنه، في حين أنّ التصوير الإشعاعي قد تطور تطوراً جذرياً، إلا أنّ طريقة عرض الصور ما تزال هي نفسها تماماً كما كانت عليه في العام 1950. تظهر البيانات المرئية دائماً على شاشات مسطحة ثنائية الأبعاد، وعلى شاشات عرض تُجبر الذين يقدمون خدمات الرعاية الصحية الالتفات بعيداً عن المريض، بل وحتى بعيداً عن يدي الطبيب المعالج نفسه. علاوة على ذلك، لا يتم عرض الصور من منظور المشاهد، بل من منظور جهاز التصوير نفسه: يجب على الأطباء استخدام ما لديهم من مهارة وخيال لفهم الصور ونقلها بشكل تصوري وعقلي إلى المريض أثناء قيامهم بالإجراءات الطبية. أخيراً، يتم عرض الأنواع المختلفة من البيانات المرئية بشكل منفصل، ولذلك يجب على الأطباء إيلاء المزيد من الاهتمام والانتباه إلى دمج العديد من أنواع الصور المتنوعة داخل عقولهم، مثل تصوير الأوعية الدموية والأشعة المقطعية، بحيث يكوّنون صورة متكاملة تمثل حالة المريض. ولكن اكتساب تلك المهارة يتطلب سنين كثيرة من التدريب.

الواقع المعزز (Augmented Reality)، وهو مجموعة التقنيات القائمة على إسقاط المعلومات الرقمية في العالم المادي الحقيقي، لديه القدرة على تغيير كل هذا. في بحثنا الذي أجريناه في مختبر "أوغمينتيريم" (Augmentarium) التابع لمركز ميريلاند بليند (Maryland Blended Reality Center) في جامعة ميريلاند (University of Maryland)، قمنا بوضع نماذج أولية لتطبيقات الواقع المعزز في الطب، تماماً مثلما فعلت الفرق في جامعة ستانفورد (Stanford University)، وجامعة ديوك (Duke University)، وجامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins University). في التطبيق المتصور، فإنّ الجراح الذي يستخدم سماعة الواقع المعزز مثل منصة مايكروسوفت هولولنز (Microsoft HoloLens) سيكون بإمكانه رؤية الصور الرقمية وغيرها من البيانات متراكبة فوق بعضها البعض في مجال رؤيته المباشرة. في ذلك السيناريو، قد تعرض سماعة الواقع المعزز صورة مرئية لتخطيط صدى القلب (Echocardiogram) مع علامات وبيانات حيوية حول السمات المتعلقة بتمدد الأوعية الدموية لدى المريض؛ بحيث تظهر هذه الصور المرئية فوق منطقة الجراحة مباشرة؛ وهكذا لا يحتاج الجراح بالضرورة إلى النظر بعيداً عن المريض إلى شاشات عرض مختلفة حتى يجمع ويفسر هذه المعلومات.



إنّ القدرة التي يتمتع بها الواقع المعزز والمتمثلة في إمكانية أن يعرض بشكل متزامن بيانات التصوير الإشعاعي وغيرها من المعلومات الأخرى الخاصة بالمريض، قد تتمكن من إنقاذ حياة المريض وتقليل الأخطاء الطبية. ويصدق هذا على وجه الخصوص بالنسبة للإجراءات التي تتم خارج غرفة العمليات. فغرفة العمليات هي أكثر الأماكن أماناً في المستشفى، حيث يتوفر للمريض الواحد فريق كامل مكون من 4 إلى 8 أطباء وممرضين مخصصين له. ونظراً لأن كل مريض تتوفر له عمليات التصوير الإشعاعي اللازمة التي تسبق الجراحة، فإنّ الإجراءات تكون مخططة جيداً على وجه العموم. يقوم أطباء التخدير بمراقبة فسيولوجية المريض، ووصف الأدوية التي تسيطر على الألم وكذلك تلك التي تنقذ حياة المريض. يحرص ممرضو الجراحة على التأكد من توافر جميع المعدات اللازمة على الفور. فالطيب الجراح يكون مستغرقاً تماماً في العملية الجراحية التي يقوم بها. ولكن الوقت في غرفة العمليات يكون بالغ التكلفة، وتكون غرفة العمليات محجوزة بكثافة بحالات انتقائية. فالعمليات الانتقائية ضرورية كمصدر أساسي للموارد لكل المستشفيات، ولذلك، هناك ضغط هائل للإبقاء على غرف العمليات مشغولة على الدوام ومتدفقة بالحالات. ولا تتلاءم الإجراءات الصغيرة الطارئة مع هذه الحقيقة بسهولة. نتيجة لذلك، فإنّ الكثير من هذه الإجراءات تتم خارج غرفة العمليات في وحدات العناية المركزة وأقسام الطوارئ. وقد يكون المرضى أكثر عرضة للخطر إلى أبعد الحدود خلال هذه "الإجراءات السريرية خارج غرفة العمليات"، وهنا يأتي دور الواقع المعزز، حيث يمكن أن يقدم بعضاً من أعظم المنافع والمزايا للمرضى.

على العكس من العمليات الجراحية في غرفة العمليات، فإنّ الإجراءات السريرية تحظى بالحد الأدنى من الدعم. هناك في العادة طبيب واحد وممرض واحد، كلاهما يقع على عاتقه مسؤوليات أخرى. وفي أغلب الأحوال يكون المرضى في حالة عدم ثبات واستقرار من الناحية الفسيولوجية. وفي الأوقات المتأخرة من الليل، فإنّ الطبيب الذي يقوم بإجراء العمليات قد يكون طبيباً متدرباً، ويقوم في هذه الحالة بدور طبيب التخدير والطبيب الجراح. ليست الغرف العادية مصممة خصيصاً لتلك لإجراءات، وعلى وجه الخصوص الإجراءات التي تنطوي على إجراء تصوير بالأشعة. ويزداد الموقف سوءاً في حالة وجود كم كبير من أجهزة وشاشات المراقبة التي يخضع لها المريض. في تتبع شاشات العرض المتعددة التي تعرض صور الأشعة والبيانات المختلفة، من السهل أن يسقط من حسابك بعض إشارات بالغة الأهمية في ما يتصل بحالة المريض. وهنا تلعب شاشة الواقع المعزز دوراً هاماً، حيث تضم كل صور الأشعة والبيانات المتعلقة بالمريض في شاشة عرض واحدة، وهو ما يتيح للأطباء أن تظل أعينهم على المريض على الدوام؛ كما تتمتع شاشة الواقع المعزز هذه بالقدرة على تحسين الجودة والسلامة، والحد من التكلفة التي تنتج عن التعقيدات المتعلقة بالإجراءات.

بالإضافة إلى الحد من التكلفة الذي ينتج عن جعل بعض الإجراءات أكثر أماناً، هناك أيضاً احتمالية الحد من التكلفة عن طريق التخلص من الحاجة إلى شاشات العرض الزائدة عن الحاجة. في الوقت الحالي، تتطلب كل من الموجات فوق الصوتية (ultrasound)، والفحص بالمناظير الباطنية (endoscopy)، والفحص بمناظير القصبات الهوائية (bronchoscopy) من المستشفيات شراء أنظمة كاملة، كل منها له شاشة عرضه الخاصة. يمكن أن تصل تكلفة كل نظام من تلك الأنظمة إلى مئات الآلاف من الدولارات. الأمر ليس أنّ الأساليب المختلفة من التصوير الإشعاعي تتطلب شاشات عرض مختلفة، إنما يتمثل في أنّ النموذج الاقتصادي الحالي يتمركز حول بيع الأنظمة كاملة مع أجهزة تصوير إشعاعي غير متوافقة. فنظام السجل الطبي الإلكتروني له شاشة العرض الخاصة به. كما أنّ أجهزة قياس الدورة الدموية وأجهزة التنفس الاصطناعي كل منها لها شاشات عرض منفصلة خاصة بها؛ وهكذا لا يمكن دمج بيانات الأنظمة. يمكن للواقع المعزز توفير شاشة عرض مشتركة، وبهذا يتم الحد من الحاجة إلى شاشة عرض مخصصة لكل نوع من أنواع البيانات الخاصة بالمريض، في حين يوفر هذا مكاناً يمكن أن تندمج فيه البيانات الفسيولوجية من مصادر متنوعة في الزمن الحقيقي.

ما تزال تقنية الواقع المعزز بحاجة إلى التطور بحيث يمكن إدراك وتحقيق ذلك كله، وما يزال على الأطباء التماشي مع ذلك المفهوم والاقتناع به. يجب أن تتلاءم الأجهزة المادية (Hardware) بشكل تام وآمن مع عقلية الطبيب الممارس. وبالنسبة لبعض التطبيقات، سوف يتحتم أن تكون الصور معتمة بقدر الإمكان، بينما في تطبيقات أخرى يجب أن تكون صور الأشعة أكثر شفافية. في حالة استخدام الصور المعروضة في التوجيه في ما يتصل بالعمليات الجراحية، فلا بدّ من وضعها وتوظيفها بدقة متناهية. هناك مجموعة متنوعة من التحديات الفنية، ولكن وإن كانت هذه التحديات صعبة، إلا أنه ليس هناك أي تحدٍ منها يستعصي على تجاوزه والتغلب عليه.

في مركز ميريلاند بليند، إننا ملتزمون بالاستثمار في مستقبل الواقع المعزز كأداة رئيسية لمساعدة مقدمي الرعاية الصحية في إنقاذ حياة المرضى مع العمل في نفس الوقت على الحد من التكاليف الطبية. كما تعمل الفرق والمجموعات في جامعات ستانفورد، وديوك، وجونز هوبكينز، على دمج وتوقع البيانات المرئية، بينما تقوم في نفس الوقت بإنشاء شاشات عرض للواقع المعزز مثالية بالنسبة للرعاية المطلوبة للمرضى.

سوف يتطلب الأمر جهداً كبيراً من جانب علماء الحاسب الآلي الموهوبين والأطباء الذين يتمتعون بقدر هائل من الخيال الخلاق لجعل الواقع المعزز حقيقة فعلية وواقعية في الطب. ولكننا متفائلون وكلنا أمل بشأن المستقبل، حيث سيكون استخدام الواقع المعزز في الرعاية الصحية أمراً عادياً ومألوفاً تماماً مثله مثل استخدام سماعة الطبيب.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!