تابعنا على لينكد إن

سأعطيكم زبدة الكلام.

لنفترض جدلاً بأنّك قرّرت أن تصوم، وبأنّ تجوّع نفسك لمدّة أسبوع كامل. فكيف سيكون شعورك في نهاية الأيام السبعة؟ على الأغلب بأنّك ستتضوّر جوعاً، وربما ستشعر بالضعف نوعاً ما، ومن شبه المؤكد بأنّك ستكون شخصاً أنحف. لكنّك مع ذلك ستكون على ما يُرام بشكل أساسي.

الآن دعنا نفترض بأنّك ستحرم نفسك من النوم لمدّة أسبوع. وهذا أمر سيء جدّاً. فبعد بضعة أيّام، ستكون غير قادر على تأدية أي وظيفة تقريباً. وهذا هو السبب الذي دعا منظمة العفو الدولية إلى إدراج الحرمان من النوم كأحد أشكال التعذيب.

وفيما يلي مقطع من مذكرات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيغن والتي حملت عنوان “الليالي البيضاء” يروي فيه تجربة الحرمان من النوم التي تعرّض لها في سجن المخابرات السوفيتية (الكي جي بي): “تبدأ سحابة ضبابية بالتكوّن في رأس السجين الخاضع للاستجواب. روحه متعبة حتى الموت، ورجلاه ترتجفان، وليس لديه إلا رغبة واحدة، ألا وهي النوم. أي شخص اختبر هذه الرغبة يعرف تماماً بأن لا الجوع ولا العطش حتّى يقارنان بهذا الشعور.”

فلماذا إذن يُعتبرُ النوم هو أوّل الأشياء التي نبدي استعدادنا للتضحية بها مع تزايد المطالب المفروضة علينا في حياتنا؟ فنحن نستمر في العيش وفي بالنا خرافة دائمة مذهلة: إذا نمنا ساعة أقل، فإنّ ذلك سيعطينا ساعة إضافية من الإنتاجية. أمّا في الواقع، فإنّ الأبحاث تشير إلى أنّ حرماناً مهما كان بسيطاً من النوم يمكن أن يترك تبعات كبيرة على صحّتنا، ومزاجنا، وقدراتنا الإدراكية، وإنتاجيتنا.

الكثير من التأثيرات التي نعاني منها غير مرئية. فنيل قسط غير كافٍ من النوم، على سبيل المثال، يؤذي بعمق قدرتنا على ترسيخ ما تعلّمناه خلال فترة صحونا أثناء النهار، ويمنع استقرار هذه المعلومات في دماغنا. بعبارة أخرى، قلّة النوم تتسبّب بحصول فوضى في ذاكرتنا.

فما هي كمية النوم التي نحتاج إليها؟ عندما أخضع الباحثون مجموعة من المتطوّعين لاختبارات علمية حول النوم، ووضعوهم في بيئات تخلو من الساعات والنوافذ، وطلبوا منهم أن يناموا في أي وقت يشعرون فيه بالتعب، تبيّن بأنّ 95% منهم ينامون ما بين 7 و8 ساعات خلال كلّ 24 ساعة. ونسبة إضافية منهم تبلغ 2.5% نامت أكثر من ثماني ساعات. وهذا يعني أنّ 2.5% فقط منا يحتاجون إلى أقل من 7 ساعات من النوم كل ليلة لكي يشعروا بالراحة. أي شخص واحد من أصل كل 40 شخص.

عندما أطرح سؤالاً على الناس الذين يحضرون ندواتي عن عدد الأشخاص الذين ناموا أقل من 7 ساعات لبضعة ليالي خلال الأسبوع السابق، فإنّ الغالبية يرفعون أيديهم. وهذا الأمر يصح سواء كان جمهوري مؤلفاً من مدراء تنفيذيين، أو مدرّسين، أو رجال شرطة، أو موظفين حكوميين. ويمكن القول حرفياً بأننا قد نسينا طعم اليقظة الكاملة.

يشكّل الأشخاص ذوو الأداء العظيم استثناء. وهم عادة ينامون لفترة أطول بكثير من الفترات التي ننامها. ففي دراسة شهيرة أجراها آندريه إيريكسون على عازفي الكمان، تبيّن بأنّ كبار المتفوّقين في العزف ينامون وسطياً 8 ساعات ونصف الساعة في كل 24 ساعة، بما في ذلك أنهم يأخذون قيلولة تتراوح ما بين 20 و30 دقيقة بعد الظهر، وهم ينامون ساعتين إضافيتين يومياً مقارنة مع الأمريكي العادي.

كما أفاد كبار عازفي الكمان أيضاً بأنّ النوم كان ثاني أهم عامل في تحسين أدائهم كعازفي كمان، باستثناء التدرّب على العزف نفسه طبعاً.

بعد أن بدأت بتجميع بعض الأبحاث حول النوم، أخذت أشعر وبصورة متنامية بميل نحو إعطاء أولوية أعلى للنوم في حياتي الشخصية. فأنا اليوم أبذل ما بوسعي لضمان أن أنام لمدّة 8 ساعات على الأقل كلّ ليلة، ومن الناحية المثالية أحصل على 8 ساعات ونصف الساعة إلى 9 ساعات، حتّى لو كنت على سفر.

لازلت استقلّ الطائرة ليلاً من كاليفورنيا إلى نيويورك، ولكن ما أن تبدأ الطائرة بالإقلاع حتّى أكون قد غطّيت في نوم عميق، حتى لو أخذت حبوباً منوّمة. وعندما أصل إلى بيتي في السادسة أو السابعة صباحاً، أذهب مباشرة إلى السرير حتى أكون قد حصلت على الساعات الثماني. وما تعلّمته عن هذه الأيام هو أنني أفضّل أن أعمل بنسبة 100% لمدّة 5 إلى 6 ساعات، على أن أعمل بنسبة 60% لمدّة 8 أو 9 ساعات.

وعندما أنال قسطاً كافياً من النوم، فإنّ شعوري يكون أفضل، وأستطيع التركيز بشكل أكبر، وأتمكّن من التعامل مع عواطفي بشكل أفضل، وهو أمر جيّد لكل المحيطين بي. وأنا أمقت أن تمرّ ولو ليلة واحدة لا أحصل فيها على قسط كافٍ من النوم، لأن التأثير سيكون فوريّاً ولا مفرّ منه. وفي الأيام النادرة التي لا أحصل فيها على ما يكفي من النوم، أحاول أن أستلقي في قيلولة ولو لمدّة 20 إلى 30 دقيقة في فترة بعد الظهر، لأنّ ذلك يساعدني كثيراً.

وإليك هذه النصائح الثلاث لتساعدك في تحسين كمية النوم التي تحصل عليها ونوعيتها:

أخلد إلى السرير في وقت أبكر، وفي وقت محدّد. يبدو الأمر واضحاً، أليس كذلك؟ المشكلة هي أنّه ليس هناك من بديل. فأنت أصلاً تستيقظ في أأخر وقت تعتبره مقبولاً. وإذا لم تضع طقوساً محدّدة للذهاب إلى السرير، فإنّك ستظل تعثر على حجج لتسهر لفترة أطول، تماماً كما تفعل الآن.

حاول الاسترخاء استعداداً للنوم قبل 45 دقيقة على الأقل من إطفاء النور. فأنت لن تخلد إلى النوم إذا لم تكن قد استرخيت بعد الرد على الرسائل الإلكترونية أو القيام بعمل آخر. حاول أن تحدد طقوساً معيّنة كأن تشرب كوباً من شاي الأعشاب، أو أن تصغي إلى الموسيقى التي تساعدك في الاسترخاء، أو أن تقرأ كتاباً مملاً.

اكتب ما يدور في ذهنك، وخاصّة المهام غير المنجزة والقضايا غير المحلولة، قبل أن تخلد إلى السرير بلحظات. لأنّك إذا تركت بنوداً معلقة في ذاكرتك العاملة، فإنّها ستصعّب عليك النوم، وسينتهي بك المطاف وقد هلوست بها في حال استيقظت ليلاً.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz