تابعنا على لينكد إن

لماذا ينجح بعض الناس أكثر من غيرهم؟ دع الحظ جانباً، والذي يعادل الاعتراف بأننا لا نعرف الإجابة على وجه الدقة، إذاً، يبقى هناك تفسيران فقط: الموهبة والاجتهاد. تتعلق الموهبة بالمقدرات والخبرات التي تحدد ما بإمكان الشخص أن يفعله. أما الاجتهاد فيتعلق بالدرجة التي يوظف فيها الشخص مواهبه.

هناك أناس لديهم الموهبة والاجتهاد بالطبع، لكن وجودهما معاً ينجم عنه عادة شدّ وجذب بين الاثنين. تجعل الموهبة الأشخاص كسالى، لحاجتهم بذل جهد أقل من أجل تحقيق الهدف ذاته الذي يسعى إليه غيرهم. من ناحية أخرى يساعد الاجتهاد الناس في تعويض ما ينقصهم من الموهبة، وهو ما يفسر أهمية أن يدرك الإنسان حدود إمكاناته. (يمكن بالطبع أن تفتقر للموهبة والاجتهاد معاً وعندها يحتاج نجاحك للكثير من الحظ).

لكن إلى أي حد تُعتبر الموهبة مهمة حقاً؟، على الرغم من مرور 20 عاماً تقريباً على تقديم شركة ماكنزي لفكرة الصراع على المواهب، يبدو أنّ أغلب الشركات لا زالت تعاني في ممارساتها لإدارة المواهب. مثلاً، أشارت دراسة نشرتها ديلويت اعتماداً على 2,500 قائد من 90 بلداً إلى أنّ معظم أصحاب العمل غير مستعدين للتعامل مع التحديات الأساسية المتعلقة باكتشاف المواهب.

بالإضافة لهذا، دعا باحثون إلى أسلوب جماعي أكثر في إدارة المواهب مقترحين أنّ الموظفين اللامعين أقل أهمية مما كان يُعتقد سابقاً، وأنّ دفع رواتب أعلى لهم يؤذي أداء الفريق. وفي الواقع، يرى كثيرون أن إدارة فريق من الموظفين النجوم أمر صعب، وأنه على الأغلب سيُفتقد “التعاضد” بين أفراده وسينجم عن ذلك مجموعة من الأشخاص الذين يُعتبروا مرتفعي التكلفة إضافة إلى أنهم متعالون على بعضهم.

إذاً، هل يجب أن تتوقف الشركات عن التركيز على المواهب؟ وهل هناك مبالغة في تقدير الموهبة؟

ليس تماماً. إليك هذه الحقائق:

يكفي وجود عدد قليل من الموهوبين لصنع الفرق

تُعتبر هذه النتيجة من أكثر النتائج تكرراً للظهور في الدراسات الإدارية. في أي شركة أو مجموعة يساهم عدد قليل من الموظفين إسهاماً غير متناسب في الناتج الجماعي، فقد تبيّن أنّ حوالي 20 في المئة من الأفراد مسؤولون عن حوالي 80 في المئة من النتائج وبالعكس. يسمى هذا “تأثير باريتو“. ولُوحظ أثره في كل مجالات الأداء تقريباً. أظهرت المراجعات الأكاديمية أنّ “أثر باريتو” يُفسر توزع الاكتشافات والمنشورات والاقتباسات العلمية، والنجاح في الابتكار والمشاريع الريادية، ونسب الإنتاجية. وفي جميع هذه المجالات، ظهر أنّ 20 في المئة من الأفراد (أو أقل) مسؤولون عما بين 80 في المئة إلى 98 في المئة من الأداء.

على هذا الأساس فإنّ الموهوبين (الأقلية الحيوية) هم المحرك الأهم لنجاح الشركة، وستحقق الشركات عائدات أكبر على استثماراتها إذا خصصت موارداً للقلة القليلة من الأفراد القادرين على إحداث فرق كبير في مقابل محاولة رفع إنتاجية “الأكثرية متواضعة الأداء”.

قياس الموهبة والتنبؤ بها أمر سهل

يعود علم اكتشاف المواهب إلى ما لا يقل عن 100 عام، وهناك الكثير من الطرق الموثوقة والمشروعة قانونياً لاكتشاف أصحاب الإمكانات والتنبؤ بالمشهد المستقبلي للمواهب. لكن معظم الشركات تضيّع الكثير من الوقت في تصميم نماذجها الخاصة للتعامل مع المواهب (يصبح الجمل حصاناً إن تركته بيد اللجان) وهم بهذا يبالغون في تعقيد الأمور. كان الأحرى بهم الرجوع إلى الكم الكبير من الأدلة العلمية في هذا المجال.

مثلاً، تُظهر دراسات التحليل الوصفي أنّ هناك مجموعة سمات شخصية مشتركة تجمع بين أصحاب الأداء الأفضل في مختلف المجالات والصناعات، من أهمها أنّ الموظفين الأعلى أداء في الشركات لديهم غالباً مستويات أعلى من المقدرة، والجاذبية، والدافع.

تُعتبر المقدرة إلى حد ما تخصصية في مجال معين بما أنها تتضمن المعرفة والخبرة التقنية التي يكتسبها الناس في ذلك المجال، ومع هذا يبقى العنصر الأهم في المقدرة هو الرغبة بالتعلم أو القدرة على تعلم أشياء جديدة (أحد وظائف الذكاء والفضول). بدورها تتعلق الجاذبية بشكل أساسي بالذكاء العاطفي ومهارات التعامل مع الناس، وهي عوامل محورية للنجاح في أي مجال عمل. وأخيراً، يُعتبر الدافع أحد المستويات الفطرية من الطموح (رغبة عامة لدى الشخص للمنافسة وقدرة على عدم الاكتفاء بالإنجازات). وإذا اعتقدت أنّ المكون الأخير هذا يمكن تعليمه أو تطويره فتابع القراءة.

حتى التحفيز يمكن اعتباره جزءاً من الموهبة

كثير ما ينظر للتحفيز على أنه الممهد للموهبة (حالة مرنة يمكن تطويعها وتعزيزها فور توفر الرغبة)، لكن من المهم فهم أنّ له أساساً وراثياً وفطرياً. مثلاً، الخصائص الشخصية الثابتة كالتحفز العصبي وانشراح النفس ويقظة الضمير مسؤولة عن 50 في المئة من قابلية التغيير الممكن قياسها في التحفيز، هذا يعني أنّ بالإمكان التنبؤ إلى حد كبير بأي تغيّر ملحوظ في تحفيز الناس من عمر مبكر جداً. يضاف لهذا أنّ دراسات كبرى في التحليل الوصفي للجينات السلوكية ترى أنّ حوالي 50 في المئة من قابلية التغيير في نفس هذه الصفات الشخصية تُعزى إلى أسباب وراثية (يمكنك مقارنة هذا مع 80 في المئة لوزن الإنسان و90 في المئة لطوله). على هذا الأساس، فإنّ تغيير مستوى طموحك ليس بالسهولة التي يعتقدها الناس، ولو أنه يبقى أسهل من خسارة الوزن. (وكما هو الحال في الوزن، عادة ما يتوصل الناس للتغيير الذي يرغبون به ليعودوا سريعاً إلى حالتهم السابقة بعد فترة).

ومع أن الـ50 في المئة المتبقية من قابلية التغير تُعزى إلى عوامل بيئية، إلا أنّ الكثير منها يحدث في فترة مبكرة من الحياة ولم نستطع بعد تحديد تماماً كيفية التأثير في هذه العوامل للدفع نحو سلوك معين (بما في ذلك في مرحلة الرشد). وعليه، فإنّ من الصعوبة بمكان تحويل شخص كسول غير طموح إلى فرد منافس ومجتهد، تماماً كما من الصعب جداً إخماد جذوة الطموح لدى شخص مندفع جداً بطبيعته. لا يعني هذا أنّ من غير الممكن تدريب أو تطوير الناس كي يتحسن أداؤهم، لكن تبقى أفضل المحاولات هي تلك التي تركز على مساعدة الأشخاص كي يعملوا خلافاً لطبيعتهم باستبدال عاداتهم السيئة بعادات أكثر فعالية.

باختصار، المواهب أهم بكثير مما يعتقد الناس. ويمكن القول أنّ هناك تقليلاً أو مبالغة في تقدير شأنها. الجزء الوحيد الذي فيه الكثير من المبالغة في ما يتعلق بالمواهب هو تقييم الناس لمواهبهم الخاصة، فأكثر الناس لا يتمتعون بالقدر الذي يعتقدونه من الموهبة، خاصة عندما لا يكون لدى بعضهم أية موهبة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz