يُعتبرُ التسويق في العصر الإلكتروني والرقمي الآن أصعب ممّا كان عليه في أيّام وسائل الإعلام الجماهيرية في حقبة ما قبل الانترنت. ففي ذلك الوقت، كانت الموازنات المالية الضخمة والرسائل القوية كافية لجعل المستهلكين يتذكرونك. أمّا اليوم، فقد بات الجمهور مشتّتاً ويحتاج إلى مقاربة أكثر استهدافاً، كما أنّ النشاط الرقمي مُتابع من الجميع – وبالتالي حتى لو نجحت في توعية الناس بعلامتك التجارية، فإنّ منافسيك يستطيعون إعادة استهداف هؤلاء المستهلكين من خلال تقديم عروض منافسة لهم. هذا هو السبب الذي دفع العديد من العلامات التجارية للانتقال إلى المواد الإعلانية التسويقية. فعوضاً عن دفع المال مقابل وضع إعلاناتهم لتضيع بين مجموعة كبيرة من الإعلانات الأخرى أو بين الصفحات الإخبارية، فإنّ المواد الإعلانية التسويقية تسمح للعلامات التجارية بالتواصل مباشرة مع المستهلكين. ولكن للأسف، غالباً ما تكون النتيجة هي عبارة عن نسخ أطول من الإعلانات القديمة ذاتها. وبالتالي فإنّ المسوّقين بحاجة إلى تغيير أسلوبهم. وفيما يلي أربعة أسئلة ستساعدك في وضع استراتيجية قابلة للنجاح: لماذا تحتاج إلى مواد إعلانية تسويقية؟ في مراجعة أجراها "معهد المواد الإعلانية التسويقية" لهذا الموضوع، يقول المعهد بأنّ المسوّقين يحتاجون إلى هذه المواد الإعلانية لأنّ "فعالية التسويق التقليدي باتت تتراجع لحظة بعد لحظة". ربّما يكون هذا الكلام صحيحاً. لكنّه لا يفسّر لنا لماذا تُعتبر هذه المواد الإعلانية هي الحل. بل يمكن القول بصراحة بأنّ طريقة التفكير هذه بالضبط هي ما يجعل نجاح المسوّقين أمراً أصعب. كان التسويق التقليدي، الذي اعتمد اعتماداً كبيراً على وسائل الإعلام الإذاعية والتلفزيونية، ناجحاً لأنّه سمح للمسوّقين بالوصول إلى الكثير من الناس، خلال فترة قصيرة من الزمن، وبتكلفة منخفضة للغاية. أمّا المواد الإعلانية التسويقية فلا تفعل أيّاً ممّا سبق، لذلك من الصعب أن نرى كيف يمكن لأيّ كان أن يستبدل استراتيجيته التسويقية عبر التلفزيون والإذاعة باستراتيجية أخرى قائمة على المواد الإعلانية التسويقية. ومن جهة أخرى، تسمح البيئة التكنولوجية الرقمية السائدة اليوم للمسوّقين بالتواصل مباشرة مع الزبائن، والشركاء، وعامة الناس بطريقة لم تكن ممكنة من قبل. صحيح أن المواد تصل إلى عدد أقل من الناس، وتستغرق وقتاً أطول بالمقارنة مع الاستراتيجية التسويقية عبر التلفزيون والإذاعة، لكنّها تمنح أيضاً إمكانات مثيرة وجديدة لتحقيق قدر أكبر من التفاعل مع الجمهور المستهدف. من الواضح بأنّ إعلاناً تلفزيونياً غير فعّال مدّته 30 ثانية لا يجب أن يُستبدل بأفلام فيديو غير فعّالة مدّتها 10 دقائق. لذلك، لا تتعامل مع المواد الإعلانية التسويقية بوصفها نسخة أطول من الحملة الإعلانية. بل يجب أن تفكّر جدّياً فيما تريد تحقيقه. فإذا كان السبب الوحيد الذي يدفعك إلى نشر المواد الإعلانية التسويقية هو لجعلها تحلّ مكان عمليات التسويقية القديمة، فإن فشلك في هذه الحالة سيكون شبه مؤكّد. ما هي القيمة التي تقدّمها في المقابل؟ تكمن الميزة الرئيسية للمواد الإعلانية التسويقية، إذا ما طُبِّقت بأسلوب فعّال، في أنّ الناس ينظرون إليها على أنّها "مصدر للقيمة" وليست مواداً مشوشة. فهي تضع الموارد والخبرات المتاحة لدى الشركة في خدمة الزبائن والشركاء بطريقة تجذب انتباههم وتبني على العلاقة المستمرّة معهم. فعلى سبيل المثال، تستفيد شركة نايكي من علاقتها مع كبار النجوم الرياضيين، وتقوم بتصوير أفلام فيديو جذابة تنشرها على ملايين الناس الذين يحبّون مشاهدتها ويتشاركونها مع أصدقائهم. كما تقدّم أميركان إكسبرس لزبائنها نصائح تجارية مبنية على رأي الخبراء عبر خدمة "المنتدى المفتوح". أمّا "معهد الدراسات المتقدّمة" (The Institute For Advanced Study) فيدعوا بعضاً من كبار الباحثين في العالم لعرض تجاربهم الشخصية مع أعمالهم التي تشكّل خرقاً أو فتحاً في مجال نشاطهم. لذلك فإنّ المبدأ الأوّل لأي استراتيجية فعّالة للمواد الإعلانية التسويقية يجب أن يكون: امتلاك تصوّر واضح تماماً للقيمة التي تقدّمها للزبائن. هل هناك علاقات يمكنك الاستفادة منها كما هو حال شركة نايكي؟ أم أنك تقدّم النصائح، كما تفعل أميركان إكسبرس؟ أمّ أنّ بوسعك إعطاء الناس الفرصة للتواصل مع خبراء عالميين، كما يفعل "معهد الدراسات المتقدّمة"؟ لاحظ مدى الاختلاف الجذري بين هذه المقاربة والاستراتيجية التسويقية التقليدية. فالمسوّقون كان قد تلقّوا تدريباتهم التي تنصّ على "التركيز على الزبون". لكن المنتجين والناشرين الناجحين أصبحوا "يركّزون على المهمّة المطلوبة" وهنا يكمن كل الفرق! حدّد رسالتك الثابتة التي ترتكز إليها في نشر موادك. إنّ لأي حملة إعلانية تقليدية بداية ونهاية محدّدتين. وعندما تنتهي الحملة، ما عليك سوى أن تقارن النتائج مع أهدافك الأساسية لتقرّر ما إذا كانت الحملة ناجحة أم لا. أمّا نجاح جهود نشر المواد الإعلانية التسويقية، من جهة أخرى، فهو عملية مستمرة وتمتد غالباً على مدار سنوات. وهي يجب أن تكون من النوع الذي يتجاوز أي تغييرات يمكن أن تطرأ على السوق، أو على الجمهور، أو حتى على الموظفين الذين يعدّون هذه المواد الإعلانية. لذلك من الضروري أن يكون لديك مفهوم ثابت وراسخ تروّج له. يقول تشيب ودان هيث في كتاب بعنوان "صُنِع ليبقى" بأنّ أفلام هوليود ترسّخ حضورها من خلال رسائل ثابتة ومعروفة مثل شعار "الموت القاسي على متن الحافلة" الذي يطرحه فيلم "سبيد" (Speed)، أو "فكّان في مركبة فضائية" الذي يطرحه فيلم "آلين"(Alien). وبأسلوب مشابه تماماً، نجد مجلّة "لايف" (Life ) تطرح شعار "ألبوم العالم" بينما تطرح مجلة "كوزموبوليتان" (Cosmopolitan) لنفسها شعار "ممتعة، وجريئة، وأنثوية". لاحظ كيف أن المستهلكين المُستَهْدَفين مأخوذين بعين الاعتبار ضمناً – فأنت بالتأكيد لن تسوّق شعار "فكّان في مركبة فضائية" بين صفوف الأطفال الرضّع – لكنهم ليسوا النقطة الأساسية التي يجري التركيز عليها. وإنّما الأمر الأساسي هو الأسلوب التحريري والإبداعي. فشعار مثل "الموت القاسي على متن الحافلة" يسعى إلى تحقيق الإثارة، أمّا شعار "ألبوم العالم" فيوحي بفهم الدنيا من خلال الصور، بينما يوحي شعار "ممتعة، وجريئة، وأنثوية" بالثقة. فمن خلال إيجاد مفهوم ثابت وراسخ فقط يمكنك أن تخلق لدى جمهورك تجربة ثابتة يستطيع تذكرها على الدوام. وهذه هي الطريقة التي تسمح لك بجذب انتباهه. ما نوع التجربة التي ترغب بمنحها لجمهورك؟ تعتمد حملات التسويق التقليدية على البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي تحظى بشعبية كبيرة من أجل بناء الجمهور. أمّا الناشرون المسوّقون للعلامات التجارية، من جهة أخرى، فهم بحاجة إلى لفت انتباه جمهورهم بقدراتهم الذاتية. فإذا ما أراد المسوّقون صنع مواد يريدون من الناس قراءتها ومشاهدتها، فإنّهم يجب أن ينتقلوا من التركيز على "صياغة الرسائل" إلى التركيز على "خلق التجارب التي يرغبون للجمهور بأن يشعر بها." لقد بات معظم المسوّقين يدركون أهمية التجربة التي يشعر به المستخدم عند استعماله للمنتجات أو المواقع الإلكترونية، لكنهم يتجاهلونها عندما يتعلّق الأمر بنشر المواد الإعلانية وإنتاجها، حيث يعود هؤلاء المسوّقون غالباً إلى أساليب التسويق التقليدية مثل الاستهداف المباشر وبعث الرسائل. قد يكون هذا الأسلوب ناجحاً في حالة الإعلانات التي يستغرق عرضها 30 ثانية أو في حالة إعلان يشغل نصف صفحة في مجلّة، لكنّه أقل نجاعة في خلق تجربة جذّابة لدى المتلقي. أمّا الناشرون الناجحون فإنّهم يولون اهتماماً وثيقاً للتفاصيل الفنية مثل الشكل والأسلوب والصياغة. فمن نافل القول بأنّ المقالة المنشورة في صحيفة يومية يجب أن تكتب بأسلوب مختلف عن المقالة المعدّة للنشر في مجلة، تماماً كما هو حال الاختلاف بين حلقة تلفزيونية تجريبية وفيلم طويل. فتوفير تجربة ثابتة هو أمر هام، كما أنّ الجهات الناجحة في نشر المواد الإعلانية التسويقية تبذل جهداً كبيراً في وضع معايير دقيقة للعمل وتوثيقها. لكل وسيلة إعلامية أسلوبها في العمل. فالمجلات تمتلك هيكلية وقواعد واضحة لنشر المواد وترتيبها. والمحطات الإذاعية تعمل على الساعة. والبرامج التلفزيونية لديها تقسيمات دقيقة، ومسارات واضحة للشخصيات، وهكذا دواليك. ولا يقتصر دور هذه القواعد على تحديد توقعات الجمهور، ومساعدته أيضاً على استيعاب المضمون والتمتّع به، وإنمّا تشكّل أيضاً العوائق والمحدّدات الأساسية التي يمكن للإبداع أن يزدهر ضمنها. وبالتالي، عوضاً عن النظر إلى المواد الإعلانية التسويقية بوصفها حيلة أخرى من الحيل التسويقية، فكّر جدّياً في التجربة التي ترغب بمنحها إلى جمهورك، تماماً كما لو أنّك تحاول أن توجّه دعوة إلى الزبائن ليصبحوا جزءاً من عملياتك. فالتجربة التي ستخلقها لدى جمهورك هي ما سيعلق في ذاكرته، وهي التي ستقرّر ما إذا كان جمهورك سيرغب في العودة إليك مجدّداً أم لا.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!