في أعقاب الحادث المأساوي الذي أدّى إلى تحطّم الطائرة التابعة لشركة جرمان وينغز الألمانية، نجد أنفسنا مجدداً في مواجهة السؤال المتعلّق بمدى فهمنا الحقيقي لكيفية التعامل مع الأمراض النفيسة في مكان العمل، ولاسيما في المهن التي تفرض على المشتغلين فيها ضغوطاً هائلة.

هل يجب أن نسمح للطيّارين الذين لديهم تاريخ في الاكتئاب بأن يقودوا طائرات الركّاب؟ وهل يجب أن يُشرف المدراء الذي يتعاطون الأدوية على العمليات الحساسة أو المعقدة؟ وهل ينبغي ترقية الموظفين الذين يرتادون عيادات الطب النفسي إلى مناصب قيادية عليا؟ نجد أنفسنا منخرطين في حوار غريب حول هذه الأسئلة، ومع ذلك فإن للإجابات عنها تبعات هائلة على الطريقة التي ندير بها شركاتنا، وعلى الأشخاص الذين نوظفهم وكيف نوظفهم.

ليس ثمّة إجابات بسيطة تشفي غليل المؤسسات. ولكن بصفتي شخصاً عانى لأكثر من 30 عاماً من مرض نفسي، وأحياناً بصمت، بوسعي أن أتحدّث من تجربة شخصية حول كيفية إدارة هذا الأمر في سياق العمل. فقد عملت مع شركات استشارية ودور نشر عالمية مرموقة، في كل من أوروبا وأمريكا. والحياة في الشركات الكبرى ذات ضغوط العمل الهائلة قد لا تنطوي على مسؤوليات تشكّل الحد الفاصل بين الحياة والموت، كتلك المسؤوليات التي تقع على عاتق الطيّارين الذين يقودون الطائرات المدنية التجارية، لكنها قد تتسبّب بذات القدر من التوتّر والشدّة.

أنا واحدة من القليلين المحظوظين: فوفقاً للتحالف الوطني للأمراض النفسية، 20% إلى 40% فقط من الأشخاص الذين لديهم أمراض نفسية يعملون في وظائف منتجة. فما الذي يميّز هذه النسبة من الأشخاص عن غيرهم؟ إليكم ما توصّلت إليه بحسب تجربتي.

ليست المشكلة في الدواء بحدّ ذاته. فجميع الناس، سواء في النقابات المهنية، أو حتّى الرجال والنساء العاديين في الشارع، يقولون أنه لا يجب السماح للطيارين الذين يتعاطون الأدوية قيادة الطائرات. في الحقيقة، الأدوية النفسية يمكن أن تنقذ الناس من الاكتئاب وغيره من أشكال الأمراض النفسية، وتسمح لنا أن نعيش حياة عادية. وليست المشكلة هي أن أداء الناس يكون سيّئاً عندما يتعاطون الأدوية، وإنما تكمن في أنهم لا يستمرّون في تعاطيها. وهذا التخلّي عن العلاج هو جزء من المرض الذي يعاني منه الكثيرون. فحتى أفراد لامعين مثل عالم النفس كاي جيمسون والمحامية إلين ساكس – وكلاهما من الحائزين على “منحة ماك آرثر للعباقرة” – كتبا كلاماً مذهلاً عن عدم قدرتهما على الاستمرار في تعاطي الأدوية النفسية في المراحل الأولى من مرضهما على الرغم من النوبات النفسية التي كانا يتعرّضان لها.

وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل العلاج في غاية الأهمية. فالعلاج يجعل الناس أقدر على تقبّل واقع المرض النفسي، لذلك فهم على الأرجح لن يتخلّوا عن أدويتهم عندما يشعرون بإحساس جميل. كما أن العلاج يسهم أيضاً في جعلهم يتفهّمون وبشكل أفضل الأسباب التي تحفّز حصول النوبات النفسية لديهم. وأنا شخصياً، مثلي مثل الأشخاص الذين لديهم أمراض نفسية، لا أجيد التعامل مع الشدّة والتوتّر. فقد بدأت حياتي المهنية مراسلة أجنبية لصحيفة الوول ستريت جورنال في أوروبا ولمجلّة التايم، ولكن بعد ساعات عديدة – ولسنوات – من العلاج النفسي بالكلام، استبدلت تلك الحياة بحياة أخرى فانتقلت للعمل كمديرة للتواصل مع الزبائن في شركة عالمية للاستشارات. فهل أشعر بالحنين إلى الأيام التي كنت أعمل فيها مراسلة أجنبية؟ في بعض الأحيان أشتاق إلى تلك اللحظات. هل أشعر بالندم على بعض الأشياء التي اضطررت للتخلّي عنها؟ بالطبع. هل أنا أكثر سعادة الآن؟ بكل تأكيد. فأنا لم أشعر بالمعاناة أبداً كما كنت أعاني عندما كنت أكابد الاكتئاب اللعين الذي كان ينتابني نتيجة للتوتّر الشديد الذي كنت أقاسيه. فقد ساعدني العلاج في تعديل توقعاتي الشخصية من نفسي؛ وقد نضَجْتُ نتيجة ارتيادي لعيادة طبيبي النفسي. وسأظل أصرّ على إنجاز عملي بجودة رفيعة – فهذه هي طبيعتي الشخصية – لكنني الآن أعمل في بيئة تتّصف بقدر أكبر من المرونة ولا تتضمّن العدد ذاته من المواعيد النهائية لتسليم الأعمال كما كان الحال من قبل. وفي ضوء نقاط الضعف الموجودة لدي، يعتبر هذا الخيار أكثر حكمة، لكنني بحاجة إلى العلاج لأتبنّى هذا الخيار بوصفه شيئاً أكثر من “ضروري”.

توفّر أماكن العمل الذكية الكثير من الدعم. والعلاج يكلف المال، لا بل الكثير من المال. والنقّاد الذين ينصحون المرضى النفسيين أن “يصلحوا أنفسهم” من خلال الحصول على المساعدة النفسية يعيشون حالة إنكار حول مدى انهيار نظام الرعاية الصحية (على الأقل في الولايات المتّحدة الأميركية). فحتى مع وجود تأمين صحّي، لا يحصل الناس على المساعدة التي يحتاجون إليها. والكثير من الأطباء النفسيين يرفضون قبول التأمين الصحي لأنه أبعد ما يكون عن الأتعاب التي يتقاضونها عن كل ساعة يقدّمونها لمرضاهم. وأنا شخصياً أمتلك تأميناً صحياً يُعتبر فخماً بكل المعايير، ومع ذلك اضطر لأن أدفع جزءاً من تكاليف العلاج من جيبي. وغالباً ما يظل العلاج في أمريكا ترفاً لا يتاح التمتع به إلا للأغنياء. ولهذا السبب، يتعين على المجتمع أن يؤدي دور العكاز الذي يستند إليه المريض النفسي. وفي عصر يتناقص فيه اعتماد الناس على الأسرة وعلى المؤسسات الدينية وغيرها من هذه المؤسسات، فإنهم يحاولون التوجه نحو مكان العمل بحثاً عن الدعم والمغزى في هذه الحياة. وبالتالي يتعين على الشركات أن تبدأ بأداء هذا الدور المطلوب منها بالطريقة الصحيحة. وفيما يلي بعض مقترحين محدّدين.

أولاً، ابدؤوا بالحديث مع الناس. فالمرض النفسي هو من الأمور التي تظل مخفية وراء الأبواب الموصدة في العديد من المؤسسات. اطرحوا على أنفسكم السؤال التالي: “ما مدى شعور أحد المرؤوسين – أو حتى أحد المرداء الآخرين – في شركتكم بالأمان في أن يُعلن أنه يتعاطى الأدوية المضادّة للاكتئاب أو أنه يزور معالجاً نفسياً؟” فمعالجة قضية المرض النفسي في مكان العمل يجب أن تبدأ بالإقرار بوجوده وبالحاجة إلى مناقشته بانفتاح. والعديد من الشركات لديها سياسات لاستيعاب الموظفين الذين لديهم قضايا تخص صحتهم النفسية، غير أن الموظفين غالباً لا يدركون وجود هكذا سياسات أو يخشون الاستفادة منها.

ثانياً، حاولوا الترويج لثقافة تقوم على الاحترام. فغالباً ما لا تأخذ المساعدة الأكبر التي يحصل عليها الموظفون الذين لديهم مرض نفسي شكل استيعاب الشركة لوضعهم، وإنما هم يحصلون على هذه المساعدة من زملائهم أو مدرائهم المستعدّين للإصغاء إليهم. وبحسب تجربتي الشخصية، لا أحد منّا محصّن من المرض النفسي. فإذا لم نكن نحن المتأثّرين، فإن إخوتنا، أو أهلنا، أو أطفالنا، أو أصدقاءنا المقرّبين، أو جيراننا هم من يعاني من المرض النفسي. وبوسع الشركات فعل المزيد لتعمّم الإحساس لدى الموظفين أن زملاء العمل ينتمون إلى تلك القائمة من الأشخاص أيضاً. فنحن لا يجب أن نعتبر المرض النفسي لزميلنا بوصفه مشكلته “هو” بل بوصفها مشكلتنا “نحن”. وسيساعد الحوار المنفتح في تعزيز هذه الثقافة، ولكن ترسيخها يتطلّب من كبار المدراء في المؤسسة إيلاء اهتمام خاص ليقدّموا هم أنفسهم مثالاً يُحتذى لهذا النوع من الدعم عندما يكون بمقدورهم ذلك.

أخيراً، يجب أن تفهموا أن كشف المرء لذاته هو أمر محفوف بالمخاطر. فنتيجة لتحطم الطائرة التابعة لشركة جرمان وينغز، خرجت صرخة قوية في أوساط الرأي العام تطالب الموظفين بأن يواجهوا مدرائهم صراحة وأن يخبروهم بما لديهم من اكتئاب أو غير ذلك من أشكال المرض النفسي. وخلال لقائي الأول مع الرئيس التنفيذي للشركة الحالية التي أعمل فيها، أخبرته فعلياً أنني أصارع مع المرض النفسي. وقد شكرني على صراحتي، ومضينا قدماً. لكن شركتي تبدي قدراً غير معتاد من التعاطف مع الموظفين، كما أنني دخلت إلى ذلك الاجتماع وفي جعبتي قائمة طويلة من المؤهلات. لكن معظم الناس لا يمتلكون هذه الجوائز – أو لم يحالفهم الحظ ربما – ومن غير الواقعي أن نتوقّع منهم الكشف عن ذاتهم. لا بل أكثر من ذلك. عند التوظيف والترقية، ليس من المنطقي سؤال الشخص المعني عن مرضه النفسي علانية – فهذا الأمر ليس مخالفاً للقانون في بعض البلدان فحسب، وإنما الأشخاص الذين يقرّون أن لديهم مرضاً نفسياً خلال مقابلة العمل هم على الأغلب لن يتسبّبوا بكوارث كبيرة. وإنما الناس الذين لا ينبسون ببنت شفة عن الموضوع هم من قد تحتاجون إلى البحث عنهم، والمأساوي في الأمر هو أن هؤلاء الأشخاص هم من يُوّظفون غالباً. وبالتالي فإن نصيحتي للمسؤولين عن التعيين والتوظيف هي أن يتأكّدوا من تحلّي الشخص ذي الإنجازات العظيمة بشيء من التواضع. ودعوني أشرح لكم ما الذي أعنيه بذلك. فقرار المرء بعدم قيادة طائرة وهو في مزاج انتحاري ليس مجرّد مسألة سلامة في القوى العقلية؛ وإنما هو مسألة تواضع ومعرفة بالذات. فأفضل الموظفين يعرفون كيف يغرّدون خارج السرب، لكنهم يعلمون حدودهم أيضاً.

ولا يمكنني مهما قلت أن أؤكّد على أهمية تقديم الدعم. فالأدوية التي أتعاطاها تنفعني، لكنني أتعاون وبشكل وثيق مع طبيب نفسي فذّ متخصّص بالأدوية النفسية ومع معالج نفسي أكثر من رائع. وهذا يشبه الغوص في كومة القش التي يتحدّث عنها المثل الشائع والعثور على إبرتين اثنتين. كما أنني كنت محظوظة بأرباب عمل مذهلين وقفوا جميعهم ودون استثناء إلى جانبي ولم يتخلّوا عنّي.

وقد تمكّنت شخصياً – ربما من خلال دعم عائلتي وأصدقائي، واستناداً إلى خلفيتي الدينية، أو ربما من المطالعة فقط – من تطوير القدرة على المعاناة. وقد كان هذا هو أكبر حظ يحالفني. فقد تعلّمت بأن هناك معنىً ومغزىً في المعاناة، وقد أسهم هذا الاعتقاد في التقليل من الاكتئاب وانعدام الأمل اللذين يقودان غالباً إلى ممارسة العنف ضد الذات، أو في الحالات المتطرّفة، ضد الآخرين.

لا يسعني هنا إلا أن أتوجّه بالتعازي الحارة إلى أهالي ضحايا تحطّم طائرة شركة جرمان وينغز وكذلك إلى أقارب مساعد الطيار. وفي الأيام المقبلة، سيُكتب الكثير حول المرض النفسي في مكان العمل، ومن المفهوم أن بعضه سيكون مشوّهاً جرّاء المآسي والأحزان وحالات الإرباك التي حلّت بنا خلال الأسبوع الماضي. فالخسائر التي يتكبّدها الناس الآن والمعاناة التي يمرّون بها هي بالتأكيد هائلة وجمّة. ومع ذلك فإنني أحلم بأن نخوض يوماً ما نقاشاً هادئاً حول المرض النفسي يتّسم بالتعاطف والتعاون. فقد سبق وقلت مراراً وتكراراً، والأمر يستحق الإعادة: المرض النفسي يتعلّق بنا “نحن” وليس فقط بهم “هم”، وإدراك هذه الحقيقة هو نقطة البداية الضرورية لنا جميعاً للشروع في هذه المحادثات الصعبة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!