لطالما كانت الولايات المتحدة "أمة مهاجرة" (A nation of immigrants) كما وصفها جون كينيدي في كتابه الذي حمل ذات العبارة. لكن مؤخراً، بات دور المهاجرين في قدرة الولايات المتحدة التنافسية مثار خلاف متزايد، لا سيما في ضوء الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وتحاول أبحاثنا تسليط الضوء على هذه المناقشة عبر التركيز على تاريخ المهاجرين على اعتبارهم مبتكرين للتكنولوجيا. بهدف دراسة دور المبتكرين المهاجرين وما قدموه من اختراعات للولايات المتحدة، قمنا بربط مكان ولادة الملايين من المخترعين الأميركيين بين عامي 1880 و1940 بملايين الاختراعات المذكورة ضمن سجلات براءات الاختراع. كما استخدمنا معلومات الدخل من تعداد عام 1940 لمعرفة كيف تم تعويض المخترعين سواء المهاجرين منهم أم المولودين في الولايات المتحدة. كما سمحت لنا البيانات واسعة النطاق التي جمعناها من سجلات براءات الاختراع والتعداد الأميركية بدراسة ما هو أبعد من قصص نجاح المخترعين المهاجرين. فعلى سبيل المثال، وُلد ألكسندر غراهام بيل، الذي لعب دوراً أساسياً في اختراع الهاتف، في إسكتلندا؛ أما ديفيد ليندكويست الذي ساهم في تطوير المصعد الكهربائي فوُلد في السويد؛ كما كان الكيميائي هيرمان فراشش الذي عمل في فيلادلفيا وكليفلاند في التنقيب عن المعادن واستخلاصها ألماني الجنسية، والقائمة تطول. تُبيّن دراستنا أنه من بين جميع المخترعين خلال الفترة ما بين العام 1880 و1940، كانت نسبة المهاجرين 19.6%، (وصلت في أيامنا هذه إلى 30%). ويُظهر الرسم البياني أدناه نسبة المخترعين المولودين في الخارج لكل ولاية، حيث نرى كيف كان المخترعون المهاجرون موجودين بشكل كبير فيما ندعوه "نطاق الصدأ" (rust-belt)، أي المناطق الأعلى إنتاجية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، مع غيابهم الملحوظ من الولايات الجنوبية، ويعود ذلك ربما لاحتمالية مواجهتهم هناك فرصاً اقتصادية أقل أو عوائق ثقافية تحول دون اندماجهم. نظرنا أيضاً إلى المجالات التكنولوجية التي ينشط فيها المخترعون المهاجرون، وتبين أنّ الحصة الأكبر منهم كانت مشتركة في تطوير اختراعات تكنولوجية طبية مثل الغرز الجراحية. إلا أنّ نسبة براءات اختراع التكنولوجيا الطبية بمجملها لا تزيد عن 1% من مجمل براءات الاختراع الأميركية. وكانت نسبة المهاجرين في المجالات التي لها تأثير أكبر بكثير على الاقتصاد الأميركي (الكهرباء والمواد الكيميائية) هي 13.9% للكهرباء و12.6% للمواد الكيميائية من مجمل براءات الاختراع الأميركية في هذين المجالين. كما كان للمهاجرين أيضاً تمثيلاً قوياً في المجال التكنولوجي، حيث شكّلوا 16% على الأقل من براءات الاختراع في كل مجال من مجالات التكنولوجيا. وكان أغلب المخترعين المهاجرين من الأوروبيين، مع تميز للألمان. وقمنا بقياس الخبرة القادمة من المولودين في الخارج لدراسة العلاقة بين المخترعين المهاجرين والتنمية التكنولوجية الأميركية على المدى الطويل، كما يمكن لهذا المقياس تحديد مدى إمكانية نقل الخبرة الابتكارية في مجال تكنولوجي معين عبر المخترعين الأجانب إلى الولايات المتحدة. كما شهدت مجالات التكنولوجيا التي ضمت مهاجرين غير أميركيين نمواً أسرع بكثير في الفترة ما بين عام 1940 و2000 مقارنة بباقي المجالات، سواء من حيث عدد براءات الاختراع أو من حيث جودتها. قد لا يوجد رابط بالضرورة بين الأمرين، لكن تقدم نتائجنا يُعتبر دليلاً مقنعاً على لعب المخترعين المهاجرين دوراً رئيسياً في تطوير التقدم التكنولوجي الأميركي. يمكن أن يملك المخترعون المهاجرون تأثيراً كبيراً على الابتكار لسببين رئيسيين. أولاً، أنّ المخترعين المهاجرين (مثل نيكولا تيسلا المولود في صربيا) يقومون بتطوير أفكار مهمة في حد ذاتها. إضافة إلى ذلك، قد تعزز رؤاهم مهارات المخترعين المحليين من خلال التعاون. فعلى سبيل المثال، طور المهاجر الكندي جيمس هيلر في العام 1940 أول مجهر إلكتروني قابل للتطوير التجاري في شركة راديو أميركا (Radio Corporation of America) إلى جانب لاديسلوس مارتون، المخترع البلجيكي وفلاديمير زوريكين، المخترع الروسي، ومهندسين مولودين على الأراضي الأميركية. وتبين دراستنا أيضاً أنّ المهاجرين تلقوا أجوراً أقل في المتوسط ​​مقارنة بالمخترعين المحليين، على الرغم من أنهم أكثر إنتاجية فيما يتعلق بتسجيل براءات الاختراع. ومن الصعب تحديد المصدر الدقيق لقلة الأجور هذه؛ بيد أنّ المخترعين من الفئات المهمشة الأخرى، مثل المخترعين السود والإناث، يتلقون أجوراً أقل مقارنة بنظرائهم من الذكور البيض. بالتالي، يتسق دليلنا مع المفاهيم التقليدية للتمييز، حيث يكون دخل أجور أنواع معينة من الأفراد في السوق أقل بسبب عوامل لا علاقة لها بالإنتاجية. في المحصلة، تشير دراستنا إلى أنّ المخترعين المهاجرين كانوا حيويين للقدرة التنافسية للولايات المتحدة رغم انخفاض أجورهم. صحيح أنّ هجرة المهارات العالية مكلفة، لكن من المحتمل أن يكون المخترعون المهاجرون قد حلّوا محل المخترعين المحليين، على سبيل المثال - قد يؤدي تدفق المواهب الأجنبية إلى تحقيق فوائد إيجابية من خلال تحسين المهارات والابتكار وغير ذلك من التداعيات. كما يمثل الابتكار التكنولوجي عاملاً محدداً رئيسياً للنمو الاقتصادي على المدى الطويل، والوصول إلى أفضل المسائل المتعلقة بالمخترعين، بغض النظر عن بلدهم الأصلي.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!