ملخص: يستكشف المنتدى السعودي للإعلام 2026 في نسخته الخامسة تقاطع الإعلام مع الاقتصاد السلوكي والتحولات الرقمية، بصفته منصة استراتيجية لصناعة القيمة وتشكيل الوعي في عالم يتشكل. ويجمع الحدث نخبة من الخبراء الدوليين لمناقشة آفاق الاستثمار وحوكمة الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على تحويل الأفكار الإبداعية إلى مشاريع مستدامة تدعم الدبلوماسية العامة. كما يؤكد رئيس المنتدى محمد الحارثي على دور هذه النسخة في بناء شراكات فاعلة وتطوير السياسات الإعلامية التي تعزز التكامل بين القطاع المحلي والمشهد العالمي المتسارع. وتأتي هذه التحولات كتجسيد حي للقوة الناعمة السعودية، محققةً مستهدفات رؤية 2030 في تمكين الكفاءات الوطنية وبناء مستقبل إعلامي يوازن بين التأثير الأخلاقي والنمو الاقتصادي.
لطالما كان الإعلام أداة تأثير تتطلب فهماً عميقاً لسلوك المتلقي، من خلال توظيف مبادئ الاقتصاد السلوكي وعلم النفس. وقد أصبح من الضروري مراعاة المسؤولية الاجتماعية تجاه الرسائل التي يقدمها. لا سيما أنه لم يعد مجرد وسيط لنقل الأخبار في ظل التحولات الرقمية التي تلقي بظلالها على القطاع. لذا، أصبح الإعلام محوراً للابتكار وصانعاً للقيمة في الاقتصاد المعرفي الرقمي، إذ تتقاطع الفرص التكنولوجية مع تحديات جديدة تفرض التفكير الاستراتيجي.
في هذا السياق، انطلق المنتدى السعودي للإعلام 2026 في نسخته الخامسة بوصفه منصة استراتيجية تعكس التحولات العميقة التي تشهدها صناعة الإعلام عالمياً من تداخل المحتوى مع التقنية، والرسالة مع الاقتصاد، والتأثير مع الحوكمة. وتحت شعار "الإعلام في عالم يتشكل"، يسعى المنتدى إلى تسليط الضوء على دور الإعلام في تشكيل الوعي، وصناعة القيمة.
يمتد المنتدى على مدار 3 أيام، جامعاً ما يتجاوز 300 متحدث من أكثر من 20 دولة، ويقدم 150 جلسة حوارية تناقش اقتصاد الإعلام، وآفاق الاستثمار، والتحالفات الإعلامية والدبلوماسية العامة. كما يركز على تحويل الأفكار الإعلامية الإبداعية إلى مشاريع قابلة للنمو، ويخصص مساحة مهمة لمناقشة دور الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، مؤكداً أهمية الحوكمة والأطر الأخلاقية لضمان توظيف التقنيات الذكية بما يخدم المصداقية والاستدامة. وحول هذه النسخة، قال رئيس المنتدى، محمد بن فهد الحارثي: "إن المنتدى السعودي للإعلام أصبح منصة استراتيجية تسهم في استشراف مستقبل الإعلام، وتعزيز التكامل بين الإعلام المحلي والعالمي، ودعم تطوير السياسات الإعلامية، وتمكين الكفاءات، وبناء شراكات فاعلة ترسخ تجربة إعلامية رائدة ومستدامة".
ولتجسيد هذا الدور الاستراتيجي، أطلق المنتدى عدة مبادرات نوعية وذلك في إطار اهتمام المملكة العربية السعودية بقطاع الإعلام باعتباره من أدوات القوة الناعمة ومنصات التأثير العالمية، وركيزة أساسية في مسيرة التحول الوطني ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، خاصة بالتزامن مع مرور 10 سنوات على إطلاقها. كما استهدف استشراف مستقبل القطاع وأبرز التحديات التي قد يواجهها، مع تعزيز دوره في دعم النمو الاقتصادي والكفاءات الوطنية المبدعة.
مبادرات تتماشى مع رؤية السعودية 2030: نحو تنمية الابتكار وتمكين الكفاءات
شهد افتتاح المنتدى السعودي للإعلام إطلاق 12 مبادرة متعددة تضمنت مبادرة معسكر الابتكار الإعلامي بالشراكة مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي "سدايا" بهدف تمكين المواهب ودعم الأفكار المبتكرة في مجالات المحتوى الذكي، والصحافة المعززة بالذكاء الاصطناعي، والمذيع الافتراضي؛ بما يعزز التحول الرقمي في قطاع الإعلام.
في حين تهتم مبادرة "نمو"، بالشراكة مع برنامج ضمان التمويل للمنشآت الصغيرة والمتوسطة "كفالة"، بدعم الشركات الإعلامية الناشئة، وتحويل الأفكار الإبداعية إلى مشاريع قابلة للنمو والاستدامة، ما يسهم في بناء قاعدة قوية من المؤسسات القادرة على المنافسة محلياً ودولياً. في الوقت نفسه، تعمل مبادرة "ضوء المنتدى السعودي للإعلام" على تعزيز الحضور الوطني للمنتدى من خلال تنظيم لقاءات ممتدة تغطي مناطق المملكة كافة، فيما تسهم مبادرة "تواصل" باعتبارها ذراعاً إعلامية دولية في تعزيز الحوار العالمي وتبادل الخبرات. كما شهد إطلاق موسوعة سعوديبيديا بـ 5 لغات مختلفة، وبرامج ابتعاث إعلام بإتاحة 100 مقعد لهذا العام، ما يجسد منظومة إعلامية حيوية تستند إلى الابتكار والاحترافية وتحقيق أثر مستدام ودعم الكوادر. وتقدم جائزة المنتدى السعودي للإعلام تكريماً للمتميزين في مجالات العمل الإعلامي المختلفة، سواء على مستوى الأفراد أم المؤسسات. وتهدف الجائزة إلى الاحتفاء بالإبداع والتميز في الإعلام، وتعزيز جودة المحتوى، وتحفيز التطور المهني والإبداعي في القطاع الإعلامي داخل المملكة وخارجها، من خلال مسارات واسعة تشمل الصحافة، والإعلام المرئي والسمعي، والمحتوى الرقمي، والعلاقات العامة والتواصل المؤسسي.
وتتكامل هذه المبادرات مع دور معرض مستقبل الإعلام "فومكس" بوصفه محركاً اقتصادياً للقطاع، والذي استقطب أكثر من 250 شركة محلية وعالمية بمشاركة أكثر من 200 عارض اختاروا إطلاق منتجات جديدة ضمن فعاليات المعرض. وبالتالي، أصبح "فومكس" منصة لاستشراف مستقبل صناعة الإعلام وتقنياته في المملكة. ويجمع المعرض أبرز الشركات المحلية والدولية لعرض أحدث الحلول الإعلامية، بما يعزز إسهامات صناعة الإعلام في الناتج المحلي الإجمالي، ويحفز الاستثمارات، ويمكن الشركات الوطنية. وللمرة الأولى، جرى إطلاق "بوليفارد 2030" وهي مساحة بجانب المعرض تتيح للزوار فرصة التعرف على أبرز المشاريع الكبرى، مثل نيوم، وبوابة الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية، التي تسهم في تنويع روافد الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وتعزيز الجاذبية الاستثمارية والسياحية، ما يعكس واقع التنمية وزخم الابتكار في المملكة.
استشراف مستقبل الإعلام في عصر التطورات
تشهد غرف الأخبار تحولات عميقة لا يمكن تجاهلها بسبب هيمنة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبرز فرصاً يمكن أن تضمن استمرارية الصحافة التقليدية مع تعزيز جودتها. وقد أشار تقرير معهد رويترز للصحافة السنوي للأخبار الرقمية إلى أن الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يجري استخدامها باعتبارها مصدراً للأخبار خاصة بين الشباب، على الرغم من أن الجمهور لا يزال يفضل التغطية البشرية التقليدية لتمتعها بمستويات أعلى من الثقة والمصداقية. كما حللت "مراجعة منهجية لتأثير الذكاء الاصطناعي على الصحافة" 127 دراسة أصلية حول الذكاء الاصطناعي في الإعلام، ووجدت أن أكثر من 73% من المؤسسات الإخبارية تستخدمه لأتمتة كتابة الأخبار، و68% تستخدمه في تحليل البيانات، و62% في تخصيص المحتوى ما يحسن الكفاءة والسرعة، في حين أشارت إلى ضرورة رفع مستوى الثقافة التقنية ومهارات العاملين في قطاع الإعلام لضمان موازنة السبق الصحفي بين السرعة وإدارة الأثر.
من هنا، خصص المنتدى السعودي للإعلام عدة جلسات لمناقشة تأثير الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار والقطاع الإعلامي بأكمله، إضافة إلى تشكيل مستقبل السرد القصصي للعلامات التجارية. وقد أشار إلى أن التضليل الإعلامي وسوء الفهم وانتشار البروباغندا تشكل تحديات حقيقية أمام قطاع الأعمال، وتؤدي إلى غياب الصورة الدقيقة والواضحة، وينعكس على ثقة المستثمرين ما يعوق بناء علاقات اقتصادية مستدامة.
وأكد المنتدى أن الإعلام العربي يواجه اليوم فرصة استراتيجية لإعادة ترتيب أولوياته من خلال توظيف التقنية في خدمة بناء الدول، ودعم التنمية، وتعزيز صناعة الوعي، إضافة إلى مواءمة الوسائل مع الأهداف والقيم الأساسية.
الاقتصاد الإعلامي وتعزيز آفاق الاستثمار
يعكس التحول نحو الرقمنة في الصناعة الإعلامية توجهاً استراتيجياً أصبحت فيه البيانات والأدوات التقنية مثل الذكاء الاصطناعي محور القيمة الاقتصادية، خاصة أنها تستخدم لفهم سلوك الجمهور، وتحسين استهداف الإعلانات، وتطوير خدمات إعلامية مبتكرة تتماشى مع توقعات المستهلكين في القرن الحادي والعشرين. وقد لفتت تقارير عالمية إلى ارتفاع عائدات الإعلانات المرتبطة بالمبدعين على منصات مثل يوتيوب وتيك توك وإنستغرام بما يتجاوز إيرادات الإعلانات في الوسائل التقليدية للمرة الأولى، مع توقعات بوصول الدخل من محتوى المبدعين إلى أكثر من 376.6 مليار دولار بحلول 2030، ما يعكس تحول المستهلكين نحو المحتوى المتخصص.
وفي المملكة العربية السعودية، تشهد إسهامات قطاع الإعلام في الناتج المحلي الإجمالي نمواً متزايداً، وحسب تقديرات الهيئة العامة لتنظيم الإعلام بلغت إسهاماته 0.57%، ما يعادل 16 مليار ريال في عام 2024، مقابل 0.52% في العام الذي سبقه. واستناداً إلى ذلك، يستهدف المنتدى السعودي للإعلام والمخططون الاقتصاديون رفع هذه النسبة إلى 0.8% بحلول عام 2030، وذلك من خلال دعم نماذج أعمال مستدامة، وتوسيع سلاسل القيمة الرقمية، وتحفيز الاستثمار في المواهب والتقنيات الحديثة.
وقد تجلى الدور الاقتصادي للمنتدى في ربط الإعلام بالاستثمار والتنمية؛ إذ يوفر أطراً للحوار حول التشريعات المحفزة وجذب رؤوس الأموال، ويربط بين تطور البيئة التنظيمية وفرص النمو التجاري للمؤسسات الإعلامية، ما يعزز ثقة المستثمرين ويضع خريطة طريق واضحة للفرص التجارية في السوق الإعلامية.
من خلال جمع المبادرات، والمعارض، والتركيز على الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الاقتصاد الإعلامي، يظهر المنتدى السعودي للإعلام محركاً رئيسياً للابتكار والاستثمار، ليس فقط في الإعلام المحلي، بل أصبح جزءاً من استراتيجية المملكة لتعزيز القوة الناعمة وبناء مستقبل معرفي متقدم ومسؤول. وأصبح نموذجاً لكيفية توظيف الإعلام في صناعة الوعي، وتحريك الاستثمار، ودعم التنمية المستدامة، بما يتماشى مع رؤية السعودية 2030 وطموحات المملكة على الصعيد العالمي.