بلغت صفقات الاندماج والاستحواذ (M&A) وصفقات الشراكة في الوقت الحالي أعلى مستوياتها على الإطلاق. لكن ماذا عن المنافسة بين الشركات؟ تريد وزارة العدل الأميركية أن تعرف عن هذا الأمر أيضاً. لذلك تقوم بمراجعة أو مناقشة هذه المسألة في المحكمة لعدد من عمليات الدمج المقترحة مثل آي تي اند تي، وتايم وارنر، وتي موبيل وسبرينت، سي في إس وأيتنا، إكسبرس سكريبتس وسيغنا على سبيل المثال لا الحصر. ومن المنتظر صدور قرار محكمة بشأن صفقة آي تي اند تي وتايم وارنر قريباً، والذي من المحتمل أن يؤثر على احتمالات العديد من الحالات الأخرى.

كما هو معتاد، بحث قانون مكافحة الاحتكار فيما إذا كان الدمج سيؤدي إلى زيادة أو انخفاض المنافسة في سوق معين. على هذا النحو، تبدو المنافسة وكأنها شيء يمكن قياسه، مثلها مثل الكتلة أو الحجم، يمكن أن يكون هناك الكثير أو القليل منها.

في بعض الأحيان يناسب هذا النموذج ما يحدث فعلياً على أرض الواقع. ففي حالة دمج شركة بيكر هيوز وشركة هاليبرتون التي حدثت قبل بضع سنوات، أوضحت وزارة العدل تفصيلياً كيف سيرتفع أو سينخفض حجم المنافسة (في الغالب سيشهد هبوطاً) في 30 قطاعاً في السوق. على إثر هذا، تم إلغاء عملية الدمج لتوقع الشركات أنها ستخسر في المحكمة.

لكن عمليات دمج أخرى تشير إلى أنّ المنافسة غالباً ما تكون أكثر تعقيداً من ذلك. قد يكون من الصعب قياس المنافسة كقيمة أو مبلغ يرتفع أو يهبط. في بعض الأحيان، تؤثر هذه العمليات على طبيعة المنافسة نفسها: كيف تتصرف الشركات؟ كيف تتم هيكلة الأسواق؟ وحتى كيف تتطور المنافسات بمرور الوقت؟

هناك 5 أنواع من المنافسة الشائعة في مجال الأعمال اليوم. كل نوع منها يُثمر نوعاً معيناً من الصفقات، وهذه الصفقات بدورها يمكنها إعادة تشكيل نمط المنافسة.

التنافس الأفقي

يحدث عند تنافس الشركات في السوق نفسه، وهذا النوع من المنافسة هو الذي يتبادر إلى الذهن في أغلب الأحيان. فكّر في بيكر هيوز وهاليبرتون في مجال الخدمات النفطية، أو ستابلس وأوفيس ديبوت في مجال الأدوات المكتبية، أو تي موبيل وسبرينت في مجال الاتصالات. إنّ مسألة مكافحة الاحتكار في عمليات الدمج المذكورة هذه هي المسألة القياسية التي سبق رصدها: هل ستزيد الصفقة من المنافسة أو تقللها في السوق ذات الصلة، كما تم بحثها وقياسها من قبل حصص السوق في الكيان الجديد ومن قبل السلوك التنافسي المحتمل؟

غالباً ما يقود هذا النوع من المنافسة إلى عمليات الدمج التي تجمع إنتاج ومبيعات شركتين اثنين. قد تستفيد الشركة المشتركة من وفورات الحجم عند القيام بذلك، حيث تؤدي الزيادات المطردة في الإنتاج إلى انخفاض متوسط التكاليف، ولكن قد ينتج عنها أيضاً زيادة في القوة السوقية.

التنافس الرأسي

يحدث عندما تتنافس الشركات في سوق المصب مع المشترين أو في سوق المنبع مع الموردين حول الفائض الناتج عن معاملتهم. يُنظر عادة لهذا كوسيلة للتفاوض مع المورد أو المشتري. على سبيل المثال، كانت شركتا إكسبرس سكريبتس وأنثيم شريكان في سلسلة التوريدات الطبية. وانتهت شراكتهما مؤخراً في المحكمة، حيث رفعت أنثيم دعوى قضائية تطالب بـ15 مليار دولار تزعم أنها مستحقة من المدخرات التي حققتها شريكتها دون مشاركتها الثمار.

قد يهدف الدمج في هذا السياق إلى تنسيق أفضل لسلسلة التوريدات عن طريق تقليل عنصر المنافسة في علاقة الموردين. بينما لم تلجأ شركتا إكسبرس سكريبتس وأنثيم إلى هذا الحل في نزاعهما، فإنّ عمليات الدمج الأخرى التي وقعت في نفس النطاق تمت لهذا الغرض (سي في إس-أيتنا وإكسبرس سكريبتس-سيغنا).

ويعتبر قياس التأثير على التنافس في النوع الرأسي أصعب من النوع الأفقي. وتتمثل القضية الرئيسية فيما إذا كان الدمج يقلل المنافسة في سوق المنبع أو المصب، أو ما إذا كان امتلاك مورد أو مشتر يمنح الشركة قوة سوقية أكبر في صناعتها الخاصة. وفي كلتا الحالتين، تغيّر عمليات الدمج هذه التي تمتد عبر الأسواق والمترابطة من نمط المنافسة، لأن الشركات التي تتنافس مع بعضها البعض تعمل الآن تحت سقف واحد: لن تحتاج سي في إس إلى المساومة على الفائض مع أيتنا وكذلك إكسبرس سكريبتس مع سيغنا.

التنافس المزعزع

هو شكل آخر من أشكال التنافس التجاري لا يتبادر إلى الذهن عادة في سياق عمليات الدمج وتطبيقات مكافحة الاحتكار. الشائع أننا نُفكر في التنافس المزعزع كصعود نموذج تقني أو تجاري يعمل على تغيير نظام معمول به في صناعة ما. هذا النوع من المنافسة يُنظر إليه باعتباره أمر جيد للمستهلكين، ولكنه ليس كذلك بالنسبة لشاغلي المناصب بالطبع.

يمكن أن يتأثر أيضاً هذا النوع من المنافسة بعمليات الدمج وقد يؤدي في حد ذاته إلى عقد صفقات. في العام 2011، عارضت وزارة العدل الأميركية عملية الدمج التي أرادتها كل من شركتي آي تي اند تي وتي موبيل خشية أن يؤدي الدمج إلى وقف دور الثانية في تقديم عروض (un-carrier) والتي هي نظام تعاقدي مزعزع في صناعة الاتصالات قدم بموجبها اتصالات مدعومة عابرة للحدود. كما يمكن لشاغلي المناصب عقد صفقات للتعامل مع الزعزعة الحادثة، كما هو الحال اليوم عندما تستثمر شركات السيارات في خدمات مشاركة السيارات وتكنولوجيا المركبات ذاتية القيادة. في بعض الحالات، قد تتوصل الشركات لشراكات بديلة عن الدمج في سبيل زعزعة الصناعة - وهذا ما تفعله شركات أمازون وبيركشير هاثاواي وجيه بي مورغان تشيس كما يقولون في تحالف الرعاية الصحية الجديد الخاص بهم.

التنافس المدعوم من الدولة

هو النوع الرابع من المنافسة التي تغيّر قواعد اللعبة في العديد من الصناعات. في بعض الأحيان، تكون رعاية الدولة من خلال شركات مملوكة لها، أو من خلال سياسات صناعية تدعم الأبطال الوطنيين. وفي كلتا الحالتين، فإنّ هذه الشركات الوطنية تتنافس بشكل مختلف عن الشركات الخاصة في الاقتصادات الأقل تنظيماً، وذلك بسبب الدعم المالي للدولة والحماية التي تمنحها السياسات الصناعية الوطنية. هذا النوع من المنافسة ليس جديداً، على الرغم من أنّ صعود الصين قد أتى به إلى كل بلد وشركة كبرى.

في الآونة الأخيرة، تمت عرقلة مجموعة من صفقات الاستحواذ الصينية في الولايات المتحدة الأميركية من قبل لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، وهي لجنة مشتركة بين الوكالات ترأسها وزارة الخزانة الأميركية. لم تتمحور حجة اللجنة في هذه الحالات حول زيادة أو انخفاض المنافسة بالمستوى القياسي، وإنما قالت إنّ هذه الصفقات ستضر بالمصلحة الوطنية الأميركية لتهديدها بتسريب التكنولوجيا أو تقويض قدرات المنافسين الأميركيين. على سبيل المثال، منعت اللجنة عملية استحواذ شركة آنت فاينانشال الصينية المملوكة لجاك ما، الشريك المؤسس لشركة "علي بابا"، على شركة ماني جرام الأميركية بسبب مخاوف متعلقة بأمن البيانات.

التنافس الجماعي

هو النوع الخامس من أنواع التنافس المعروفة اليوم رغم أنه كان موجوداً منذ سنوات. في هذا النموذج، تتعاون الشركات مع بعضها البعض في مجموعات للتنافس ضد شركات أخرى أو مجموعات أخرى. يتم استخدام التحالفات التي ينقصها الدمج لتنسيق أعمال الشركات الأعضاء في هذه المجموعات.

يتعاون أعضاء هذه المجموعات مع بعضهم البعض داخلياً، وبالتالي يقضون على المنافسة فيما بينهم. لكن المجموعات عادة ما تستمر في التنافس خارجياً مع المجموعات الأخرى. أوضح مثال على هذا النمط نجده في شركات الطيران، إذ تتنافس شركات تحالف ستار وعالم واحد وسكاي تيم ضد بعضهم البعض كمجموعات من الشركات المتحالفة. مثال آخر حول شركات الهواتف الذكية إذ يتعاون أعضاء معسكر أندرويد مع بعضهم البعض للتنافس مع معسكر آبل.

وحتى عندما لا تستخدم هذه التجمعات عمليات الدمج لإدارة المنافسة، فإنّ الشركاء قد ينتهكوا قواعد مكافحة الاحتكار إذا أدى تعاونهم للقضاء على المنافسة في الصناعة بشكل أكثر من اللازم. (كارتلات مثل منظمة أوبك هي مثال متطرف على هذا التنافس الجماعي). لهذا السبب، حرصت تحالفات شركات الطيران على طلب حصانة لمكافحة الاحتكار قبل التعاون مع النظراء في التسعير. وحصلت بعض الشراكات بين شركات الطيران على هذه الحصانة بدعوى أنّ أسواق السفر الخاصة بها ستظل محتفظة بوضعها التنافسي حتى مع التعاون.

وبسبب هذا التنوع في كيفية تنافس الشركات اليوم، فإنه يصعب في كثير من الأحيان تقييم تأثير السوق على عمليات الدمج والشراكات. وترجع هذه الصعوبة بشكل جزئي إلى عدم القدرة على التنبؤ بسلوك الشركات في المستقبل وهو ما لن يحدث أبداً. ولكن السبب الأكبر هو وجود العديد من المقاييس والأبعاد للتقييم وليس مقياساً أو بعداً واحداً. ويبقى هنا السؤال الرئيسي هو كيف تؤثر هذه الصفقة على شكل المنافسة، وليس فقط على شدتها؟

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!