في الوقت الذي كانت تجري فيه الهجمات الإرهابية في باريس، وخلال الفترة التي تبعتها مباشرة، وجدت نفسي ملتصقة بموقع تويتر. تماماً كما كان حالي خلال ما لا يعدّ ولا يُحصى من الكوارث الأخرى السابقة، سواء الطبيعية منها أو تلك التي من صنع الإنسان. ربما يكون تويتر موقعاً جديداً من مواقع التواصل الاجتماعي، لكن هذه الاندفاعة التي أصفها هي بحد ذاتها قديمة، ففي الأوقات العصيبة، نجد أنفسنا نمد أيدينا إلى غيرنا من البشر. ثم نذهب معاً إلى ساحة الضيعة. ونبقى سوياً.

وقد دفعني الفضول إلى التساؤل عن طبيعة هذه الاندفاع، وما الذي يعنيه بالنسبة لكل المستخدمين الذين يضغطون على زر “التحديث” (Refresh) على صفحاتهم، وبالنسبة للمدراء المسؤولين عن التجاوب مع الأزمات، والذين يقومون ببث المعلومات إلى الناس، ويذيعون الإعلانات المهمة لهم. وتحدثت إلى جانيت سوتون، الأستاذة المساعدة في قسم التواصل، ومديرة مركز التواصل خلال المخاطر والأزمات في جامعة كينتاكي. وهي باحثة رئيسية في مشروعين ممولين من المؤسسة الوطنية للعلوم معنيين بالتواصل مع عامة الناس خلال فترات الأزمات. وفيما يلي نص اللقاء الذي دار بيننا.

هارفارد بزنس ريفيو: ما الذي نأمل بالعثور عليه في شبكات التواصل الاجتماعي عندما نلجأ إليها خلال تلك الأوقات العصيبة؟

سوتون: لقد قضى فريق الأبحاث الذي أعمل معه معظم الوقت في تحليل الرسائل الصادرة عن المسؤولين الحكوميين والمنشورة على موقع تويتر – أي الرسائل الرسمية التي أرسلت خلال فترة التهديد. ونحن نبحث عن أكثر الأشياء أهمية في نظر الناس في هذه الرسائل، مستعملين التغريدات بوصفها مؤشراً غير مباشر على الأشياء التي تُعتبرُ هامّة في نظر هؤلاء الناس. وباستعمال هذا المقياس، فإنّ المعلومات التي يجدها الناس بأنّها الأهم هي عادة المعلومات ذات الصلة بالآثار التي يتسبّب بها الخطر، والمعلومات المتعلقة بالإرشادات والتوجيهات والمشورة المقدّمة إلى الناس. أي بعبارة أخرى، الأمور التي يجب على الناس القيام بها أو عدم القيام بها لتوفير الحماية لأنفسهم.

هل ترون بأنّ هناك اختلافاً ما بين الفترات التي تعقب الهجمات الإرهابية والفترات التي تعقب الكوارث الطبيعية؟

في حالة الهجمات الإرهابية، كما كان الوضع في أعقاب تفجيرات ماراثون بوسطن، وجدنا أنّ الناس كانوا يتبادلون رسائل التضامن والصمود في وجه الأزمة من قبيل “هم لا يستطيعون هزيمة أرواحنا”، و”سوف نتجاوز هذه المحنة”، وما شابه ذلك من الرسائل.

ماذا عن المعلومات الخاطئة والمضللة؟ لأن ذلك يبدو بمثابة خطر حقيقي. فالمعلومات المضللة تنتشر بسرعة أكبر على شبكات التواصل الاجتماعي وكذلك خلال فترات الأزمات.

نعم. هناك معلومات خاطئة ومضللة. وفي بعض الحالات، تحاول الحسابات الرسمية على شبكات التواصل الاجتماعي تصحيح هذه المعلومات، ولكن في حالات أخرى لا يكون لدى الجهات الرسمية هذه الموظفين القادرين على التعامل مع الوضع. فقد أنشأت الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ التي تعرف اختصاراً باسم (FEMA) صفحة للشائعات خلال العاصفة “ساندي”، مشابهة لموقع (Snopes.com) المتخصص بتكذيب الشائعات، لتنشط في تصحيح المعلومات الخاطئة عند ظهورها. وقد كلّفت فريقاً بمراقبة تويتر، حيث قام الفريق بأخذ عيّنات من التغريدات والتدقيق في الحقائق، وتحديث الصفحة بشكل دائم. لكنّ ذلك يستهلك الكثير من الموارد.

وفي المناطق الأصغر حجماً، واحدة من المشاكل التي نسمعها من المدراء المعنيين بالاستجابة للحالات الطارئة هي أنّ فحص شبكات التواصل الاجتماعي خلال فترات الأزمات يشبه شرب الماء من خرطوم إطفاء الحريق. حيث أنّ كم المعلومات المتدفقة يكون كبيراً جداً، ومحاولة تحديد المعلومات الخاطئة وسط هذا التدفق الهائل من المعلومات هو مهمة في غاية الصعوبة.

ما الذي يمكن للمدراء المسؤولين عن إدارة الأزمات فعله لمحاولة تصحيح المعلومات الخاطئة، ومساعدة الناس، في هذا النوع من الحالات التي يشبه فيها البحث عن المعلومات الخاطئة “الشرب من خرطوم إطفاء الحرائق كما تصفينه”؟

خلال الأزمات هذه يكون الناس في حالة تعطش للمعلومات. وبالتالي فإنّ السيناريو المثالي لأي شخص مسؤول عن إدارة الطوارئ هو أن يظل جالساً أمام تيار المعلومات المتدفق وأن يبث المعلومات الدقيقة والصادقة. فالمشاركة في المحادثة الجارية وتوفير معلومات من مصدر مسؤول يساعد في الحيلولة دون لجوء الناس إلى تأليف الأشياء غير الصحيحة لأنهم غير قادرين على العثور على ما يبحثون عنه، لأن تلك هي البيئة الخصبة لانتشار الشائعات والتخمينات. وهذا يعني أنك يجب أن تكون موجوداً على شبكات التواصل الاجتماعي، وإلا فإنّك ستخسر المعركة.

ألا تدرك كل المؤسسات المعنية بإدارة الطوارئ أصلاً بأنها يجب أن تكون موجودة على شبكات التواصل الاجتماعي؟

رغم أنّ موقع تويتر، وغيره من شبكات التواصل الاجتماعي، مستعملة منذ أكثر من عقد من الزمن تقريباً في التجاوب مع الكوارث والأزمات، إلا أنّ هناك “تصوراً” لا زال سائداً بأنه مجرد واحدة من شبكات “التواصل الاجتماعي”، وبالتالي فإنّه لا يستحق عناء قضاء الوقت عليه، أو أنه مجرد وسيلة للتواصل بين الشباب فقط. والكثير من المؤسسات تكلّف الشباب الأصغر سناً ضمن فرقها بإدارة صفحاتها، أو حتّى قد تلجأ إلى تكليف الشخص المتدرب في المنظمة بهذه المهمة. ولكن عندما تضع هؤلاء الأشخاص في هذا الموقع فإنّك بذلك تعهد إليهم بمهمّة إطلاع الناس على آخر المستجدّات في قضايا في غاية الحيوية.

في بعض الأحيان، قد تعتقد بعض المؤسسات بأنّ هذه المهمّة يسيرة لأنّ الرسائل قصيرة للغاية. لكنّ الرسائل الأقصر، لا تعني بأنّها رسائل أفضل أو أبسط أو أسهل.

أعتقد أنّ الكاتبة جين أوستن كانت أوّل من قال: “أنا آسفة، لأنّه ليس لديّ وقت لكتابة رسالة قصيرة، لذلك سأكتب لك عوضاً عنها رسالة طويلة”. وبوصفي كاتبة، فإنّني أعلم بأنّ كتابة نصوص قصيرة هي أمر صعب.

هذا صحيح تماماً. ناهيك عن أنّ شبكات تبادل الرسائل باتت تتجه أكثر فأكثر نحو الرسائل الأقصر. فقد حاولت إحدى الدراسات التي شاركت فيها استقصاء مدى فعالية إنذارات الطوارئ المرسلة عبر الهواتف المحمولة والتي لا يزيد طول الرسالة الواحدة منها على 90 حرفاً. فهي قصيرة للغاية بشكل لا يصدق. وهي توصف بأنها مجرد وسيلة “لدق ناقوس الخطر”، أي أنها شيء ينبّه الناس إلى ضرورة البحث عن المعلومات. فهي لا تعطي الناس ما يكفي من المعلومات ليعرفوا ما الذي يجب عليهم فعله. وهذا الأمر يمثّل مشكلة لأنّ الناس عندئذ سيتساءلون: “من أرسل هذه الرسالة؟ وهل بوسعي أن أثق بها؟” وبالتالي هناك مشكلة ضخمة في هذا النوع من الرسائل القصيرة. فهي تقود الناس إلى طرح الكثير من الأسئلة التي لا يمتلكون إجابة عنها.

هل هناك حلول لذلك؟

نعم، هناك حلول. لكن الناس قد لا يحبونها. واحد من هذه الحلول هو إرسال سلسلة متتابعة من الرسائل وليس واحدة فقط. بعض الناس لا يحبذون تلقي سلسلة من الرسائل. ونحن نبحث أيضاً في مدى فعالية إضافة رسم بياني أو صورة مرفقة مع التغريدة بحيث تعطي المزيد من المعلومات. أما الخيار الثالث فهو إضافة رابط إلى شبكة الإنترنت، لكننا اكتشفنا أنه عندما يضاف إلى تغريدة تويتر رابط يقود إلى موقع على الانترنت، فإنّ ذلك يقلل من احتمال تمرير الناس للرسالة إلى أشخاص آخرين.

لماذا سيقل احتمال إعادة تغريد الناس لرسالة إذا كانت تتضمّن رابطاً إلى موقع على الإنترنت؟

لسنا واثقين من السبب بعد.

هل هذا يعني بأنّهم لا يعتبرون الرسالة أو الرابط مفيدين؟ أم أنهم يفتحون الرابط ومن ثمّ ينسون تمرير الرسالة إلى الآخرين؟

من الناحية الإحصائية، نجد تزايداً في أعداد الناس الذين يعيشون بمفردهم، ولكن في هذا النوع من الأوضاع، لا أحد يحبّ بأن يكون وحيداً. أعلم أنّ سؤالي هذا ذا طابع فلسفي نوعاً ما، ولكن إلى أيّ حد يعود تفاعلنا عبر شبكة الانترنت إلى أننا لا نريد أن نكون وحيدين؟

أعتقد أنّ ذلك احتمال وارد. ليس لدي البيانات التي تدعم هذا القول، لكنه أحد التفسيرات المطروحة للسبب الذي يدفع الناس إلى تمرير الرسائل التي تعبّر عن التضامن. وقد أخذنا هذا الأمر قليلاً بعين الاعتبار خلال أبحاثنا المتعلّقة بتفجيرات ماراثون بوسطن. قد يكون جزء من السبب هو أنّ المدينة كانت مغلقة، الأمر الذي أعطى الناس ببساطة المزيد من الوقت للحضور على شبكة الإنترنت. ولكن قد يكون السبب أيضاً هو أنّ ذلك الأمر كان أكثر ما جعلهم يشعرون بالارتباط مع الآخرين. وبطبيعة الحال، هم يرون بأنّ قادتهم كانوا ينشرون هذا النوع من الرسائل أيضاً.

في جامعة كولورادو في بولدير، أجرينا أبحاثاً على حادثة إطلاق النار في جامعة فيرجينا للتكنولوجيا. وقد لاحظنا بأنّ المجموعات التي نمت بشكل أسرع على موقع فيسبوك هي “صلوات من أجل جامعة فيرجينا تيك” (Prayers for Virginia Tech) و”كلّنا فيرجينا تيك” (We Are Virginia Tech)، وأمثالها من المجموعات التضامنية. لقد كان الناس يقولون بأنهم مهتمّون ببعضهم البعض، ويصلّون لسلامة بعضهم البعض، ويعزّون بعضهم البعض. والشيء ذاته حصل بعد حادثة إطلاق النار في ساندي هوك. وهي ذات السلوكيات التي نراها في عالم الانترنت وخارج هذا العالم. لكن الانترنت تُبْرِزُ هذه السلوكيات بشكل أكبر وأمام عدد أكبر من الناس.

هل يساعد ذلك على تلبية حاجة عاطفية؟ أم هل أنّ الناس يفعلون أشياء ملموسة وعملية أيضاً للمساعدة؟

لطالما كان المتطوعون يظهرون دائماً بعد وقوع الكوارث. وهناك دائماً مجموعة الناس الراغبين في تقديم يد العون كجزء من الجهود الرامية إلى التجاوب مع الكارثة. والآن، نحن نرى ما يمكن تسميته “المتطوّع الافتراضي” أو “المتطوّع الإلكتروني”. فالناس بوسعهم أن يتطوّعوا من خلال تقديم معارفهم لإنشاء التطبيقات الإلكترونية، أو المساعدة في الأنشطة الرامية إلى رسم الخرائط، أو المساعدة في ترميز المعلومات، أو تقديم التبرعات عبر إرسال الرسائل النصية القصيرة من خلال الهاتف المحمول، أو من خلال المشاركة في حملات إلكترونية باستعمال “الوسم” (الذي يسمّى أيضاً الهاشتاغ أو الهاشتاق #) مثل وسم (#bostonstrong) الذي استعمل خلال تفجيرات ماراثون بوسطن (وهو يعني بأنّ #بوسطن_قوية).

هل هناك ربما جوانب سلبية؟ فعلى سبيل المثال، أظهرت بعض الأبحاث بأنّ الناس الذين شاهدوا الكثير من التغطية الإخبارية التلفزيونية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول ازداد احتمال تشخيص أمراض مثل الربو الصدري أو ارتفاع ضغط الدم لديهم بعد مرور ثلاث سنوات. فهل هناك من سبب لنقلق من أننا سنرى تأثيراً مشابهاً يظهر نتيجة التفاعل مع شبكات التواصل الاجتماعي؟

نعم وبكل تأكيد. هناك العديد من الدراسات النفسية التي بحثت في تأثير الأحداث الصادمة، وهناك الكثير من الدراسات التي ركّزت على أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. فالناس الذين يستعرضون هذه الصور من الأحداث الصادمة مراراً وتكراراً تظهر لديهم آثار على المدى البعيد. وبالنسبة للأشخاص الذين يتطوّعون للمشاركة في رسم الخرائط أو ترميز المعلومات فهم بحاجة إلى توخّي الحذر فعلياً حفاظاً على صحّتهم النفسية. فهم يرون رسائل وصوراً لأناس على الأرض، لكنّهم ليسوا من الأشخاص الذين تلقّوا تدريبات مشابهة لتلك التي يتلقاها الأشخاص المعنيون بالتجاوب الفوري مع الكوارث، والذين يمرّون بالكثير لكنّهم يخضعون للتدريب ويصبحون أقسى نوعاً ما في مواجهة الظروف الخارجية.

أنا أدرّس مادّة لطلاب السنوات الجامعية الأولى وقد تحدّثنا عن هذا الأمر الأسبوع الماضي. فإذا كنت من الأشخاص المعنيين بالتواصل مع الناس خلال حالات الكوارث، فإنّك تصنّفين عمليّاً ضمن فئة الأشخاص المعنيين بالتجاوب الفوري مع الكارثة. وأنت ترين الأشياء، فقد تجرين مقابلات مع عائلات الضحايا، أو مع الضحايا أنفسهم، أو مع آخرين قد يكونون من شهود العيان. والأمر ذاته ينطبق على أي شخص يرى هذه الصور بشكل متكرّر على شبكات التواصل الاجتماعي.

إنّ هذا الموضوع يستحقّ أن يحظى بدراسة إضافية. فبما أننا لا نقطع الاتصال مع الانترنت أبداً – ولاسيما أنّ الناس باتوا ملتصقين جدّا بأجهزتهم إلى درجة أنّ تفقّدها هو اوّل شيء يفعلونه لحظة استيقاظهم وقبيل خلودهم إلى النوم – فهل يزيد ذلك من احتمال وقوع هذه المشاكل؟

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!