تواجه العديد من المؤسسات معضلة في إيجاد المواهب المتميزة التي تُغني فرق العمل لديها. فتراها في حالة بحث دائمة عن الأشخاص "الأفضل والأكثر إبداعاً" الذين يمكن أن يتميّزوا ويتفوّقوا على أقرانهم. وتنفق هذه المؤسسات الكثير من إيراداتها لجذب هؤلاء الأشخاص والاحتفاظ بأصحاب الأداء المرتفع. كما تسعى إلى دمج هذه المواهب بفرق العمل لرفع سويّة الأداء دون الاهتمام بمعاينة الأضرار التي قد تنتج عن دمجهم بتلك الفرق، ما قد يتمخض عن تخريب فريق العمل وأحياناً استبعاد بعض المواهب.

تدفع العواقب الاجتماعية السلبية السابقة البعض من ذوي الأداء المرتفع إلى مغادرة المؤسسة، في حين يتابع بعضهم الآخر عمله في المؤسسة لكن دون تقديم الدعم للزملاء. تشير الأبحاث إلى أنّ أكثر من 30% من أصحاب الأداء المرتفع يشعرون بانعدام مشاركة الزملاء في العمل، في حين يتوقع 25% منهم أن يبدؤوا العمل في مكان آخر خلال عام واحد.

تزداد هذه المشكلة سوءاً كلما زادت حاجة الفريق للعمل مع بعضه أكثر. وفي بحث سيصدر قريباً في نشرة "علم النفس التطبيقي" (Journal of Applied Psychology)، نشير إلى أنّ تركيز المؤسسات على العمل الجماعي في مكان العمل قد ضاعف من المخاطر التي يواجهها أصحاب الأداء المرتفع. ويعود ذلك إلى أنّ الأداء المرتفع هو أمر نسبي ويقوم على المقارنة مع الغير، والتي تزداد في الفرق المتفاعلة فيما بينها طوال الوقت.

لقد استخلصنا نتائج بحثنا من دراسة ميدانية شملت 414 مصفف شعر يعملون في 120 صالون تجميل في تايوان، تلتها تجربة ضمت 284 طالباً من طلّاب الماجستير في مجال إدارة الأعمال في الولايات المتحدة. وقدمت صالونات التجميل السياق الذي يعكس العديد من خصائص مجموعات العمل نظراً لكونها بيئة ديناميكية اجتماعية يعمل فيها مصففو الشعر بشكل فردي ولكن ضمن منظومة جماعية. إذ حُددت المكافآت على أساس المساهمة الفردية والنجاح الجماعي. ثم اخترنا بعد ذلك، نهجاً تكميلياً للتحقق من صحة النتائج المستمدة من الدراسة الميدانية قمنا فيه بإجراء تجربة منضبطة العوامل طبقناها على طلاب الماجستير في إدارة الأعمال بطريقة نكون قادرين فيها على التحكم بالمتغيّرات والشروط (أي جعل الفرق مثلاً أكثر تعاونية أو زيادة التنافسية بين الأقران)، ثم ندرس ملاحظات كل فرد بعد أداء المهام. تشير الدلائل التي لاحظناها من الدراسة الميدانية والتجربة المنضبطة إلى هبوط اجتماعي واضح لأصحاب الإنجاز المرتفع، إذ قام أقرانهم، في كثير من الأحيان، بالتقليل من سمعتهم وإهانتهم وحتى إلحاق الضرر بهم. إضافة إلى ذلك، وجدنا أنّ مستوى العقوبة الاجتماعية ضد أصحاب الأداء المرتفع يزداد طرداً مع مقدار التعاون المطلوب من الفريق ككل.

ولعل الحسد كان السبب الأكثر بروزاً لتصرفات الأقران السلبية تجاه أصحاب الأداء المرتفع، فضلاً عن الشماتة من أي ضرر يصيبهم. إضافة إلى ذلك، كان هناك مظاهر أخرى أكثر شراً ضد أصحاب الأداء المرتفع تمثلت في محاولة أقرانهم العمل على إفشالهم من خلال اتباع بعض الخطط الاستراتيجية.  

تزداد احتمالية حصول أصحاب الأداء المرتفع على الموارد النادرة (مثل القيام بالمهام رفيعة المستوى أو التواصل مع العملاء المميزين)، وهو ما يؤدي إلى شعور الأقران بالخطر والتهديد. كما يميل أصحاب الأداء المرتفع إلى تحطيم معايير الأداء وخلق المزيد من العمل ورفع التوقعات الخاصة بالمجموعة، وهو أمر غير مستحب لدى الأقران، إذ لا أحد يحب "من يشذ عن المألوف" في الشركة، أو ذاك "المخالف" الذي يتحدى كل الأعراف والتقاليد المتبعة. ويزداد هذا التوتر في الفرق التعاونية، حيث قد يرى بعض الموظفين ذوي الأداء المرتفع، أنهم يتصرفون بالنيابة عن الفريق وبطريقة قد تهدد التضامن بين أفراد المجموعة.

وعلى الرغم من الجانب المظلم الذي أظهرته أبحاثنا أعلاه، إلا أنّ جانباً معاكساً يظهر أحياناً وهو قيام الأقران في بعض الأحيان بتغييب مصلحتهم الذاتية ودعم أصحاب الأداء المرتفع ممن هم معهم في الفريق. ويحدث ذلك عندما يخلق أصحاب الأداء المرتفع الامتيازات لفرقهم (كزيادة فرص وصولهم إلى الموارد وزيادة رضا الرؤساء عنهم).

صحيح أنّ أصحاب الأداء المرتفع قد ينالون المكافآت أكثر من الآخرين (كما هو الحال عندما يقوم الطلاب المتفوقون بالحديث في احتفالات التخرج أو عندما يتسبب الرياضيون النجوم في فوز فرقهم)، إلا أنّ الجالسين على مقاعد الاحتياط لن يشتكوا أو يغضبوا إن نالوا ميداليات البطولة بسبب تميز أصحاب الأداء المرتفع.

يشير ما سبق إلى مفارقة مهمة: وهي امتلاك الأقران مشاعر بغض تدفعهم إلى أذية أصحاب الأداء المرتفع الذين يقومون بتقديم الامتيازات التي تدفع الأقران لدعمهم. أي أننا نرى مزيجاً من الحب والكراهية يتعايشان داخل فريق العمل، حيث يشكل أصحاب الأداء المرتفع تهديداً مهنياً وفائدة لأقرانهم في آن واحد.

تشير البحوث إلى أنّ تعرض الفرد لاستجابات ودية وعدائية من نفس المصدر يمكن أن يؤدي إلى إصابته بالتشوّش، كما أنّ هذا التعرض أكثر ضرراً على العمل والصحة من العِداء وحده وذلك لأن الرسائل غير المتناسقة تزيد من عدم اليقين لديه وتزيد من الأعباء المعرفية والعاطفية.

يتعين على المدراء الراغبين في الحفاظ على عائدات مرتفعة إلى جانب مواصلة الاعتماد على أصحاب الأداء المرتفع توقع مواجهة الكثير من المشاكل. ويتوجب عليهم توضيح أنّ تقويض أصحاب الأداء المرتفع غير مقبول إطلاقاً، والاستعداد لتقديم الدعم والتشجيع المرتفع عند الحاجة.

علاوة على ذلك، أشارت دراستنا إلى أنّه على المدراء التدّخل لمساعدة أصحاب الأداء المرتفع في مواجهة ما يتعرضون له، وتعريفهم بحقيقة أنّ معاملة أقرانهم لهم تنبع من تقييماتهم العقلانية الداخلية للتهديدات والمنافع.

أولاً، يمكن للمدراء معالجة مخاوف الأقران من تهديدات أصحاب الأداء المرتفع لرفاههم ومواردهم عبر طرق عدة، منها: إنشاء نظام أكثر توازناً لاستعراض الأداء يقدّر مساهمات أعضاء الفريق بالكامل بعد إنجاز المهمة، (وهو أيضاً نظام مناسب لأصحاب الأداء المرتفع).

تساهم السلوكيات التنظيمية الصحية (مثل مساعدة الآخرين وتقديم الاقتراحات البنّاءة وخلق الروح الرياضية) بشكل كبير في مجال الأعمال، وهو ما يساعد على خلق المرونة في الوضع الاجتماعي في المؤسسة. علماً أنّ أصحاب الأداء المرتفع قد ينسون أحياناً هذه الأبعاد، إذ يركزون على المهام ويتجاهلون الأشخاص.

ثانياً، زرع مفهوم الجميع فائز في حالة أداء الفريق بشكل مرتفع، على الرغم من حقيقة أنّ المساواة في تخصيص الموارد داخل مجموعة ليست دائماً ممكنة أو عادلة. يمكن للمدراء التأكيد على الاتجاه الخاص بالمكاسب للجميع لدى محاولتهم معالجة قابلية الأقران لتهديد أصحاب الأداء المرتفع.

على سبيل المثال، يجلب أصحاب الأداء المرتفع خبرات وتجارب وروابط تُترجم غالباً إلى تحسين سمعة الفريق بالمجمل وتحقق الهدف وتطوّر الأداء العام، وهو ما يعود بالفائدة على جميع الأعضاء. يمكن للمدراء أيضاً تسهيل نقل المنافع من الأفراد الأكثر موهبة وقدرة إلى الأفراد الأقل من خلال جعل أصحاب الأداء المرتفع مرشدين لأقرانهم الأقل أداء، وهو ما يسمح للآخرين بالتعلم والتحسّن.

على نفس المنوال، يمكن للمدراء دفع أصحاب الأداء المرتفع على مساعدة أنفسهم من خلال تدريبهم على إظهار القيم والسلوكيات الاجتماعية الإيجابية. عندما يهتم أصحاب الأداء المرتفع بمصالح الآخرين بشكل أصيل، يصبحون أقل احتمالية لنيل الفضل الفردي وأكثر احتمالية إلى نسب النجاح إلى كامل الفريق، وهو ما يقلل من احتمالات النظر إليهم على أنهم يشكلون تهديداً للفريق.

ينبغي على المدراء أن يولوا اهتماماً خاصاً بهذه القضايا عند وضع ثقافة مكان العمل مع التأكيد على أهمية الانسجام والتعاون. إذ يكمن مفتاح مساعدة الفريق في جعل أعضاء الفريق يدركون أنّ فوائد التعاون مع أصحاب الأداء المرتفع ستفوق التهديدات المحتملة.

يمكن لأصحاب الأداء المرتفع تحقيق نتائج ذات قيمة مرتفعة. لكن في نفس الوقت ليس من السهل المحافظة عليهم في الشركة ومن المكلف البحث عن بدائل لهم. بالتالي يجب على المدراء المسؤولين عن أصحاب الأداء المرتفع البقاء متيقظين، ومشاهدة علامات العزلة والعمل على حلها، والتدخل في وقت مبكر لحماية نجومهم. كما أنّ عليهم دائماً أخذ الحكمة التالية بعين الاعتبار: "الشجرة المثمرة دائماً ما تُرمى بالحجارة".

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!