تابعنا على لينكد إن

لماذا نجد أنفسنا مرهقين دائماً في نهاية يوم العمل؟ لماذا نصل إلى بيوتنا منهكين تماماً، ونكاد لا نمتلك من الطاقة ما يكفينا لتحضير العشاء قبل أن نهوي إلى الفراش ليلاً؟

عادة، عندما نفكر في التعب، نرجع الأمر إلى أسباب بدنية مثل قلة النوم، ممارسة الرياضة بكثافة، أو العمل المُتعِب لأيام طويلة. إضافة لذلك، أشار لي إليوت بيركمان، وهو أستاذ علم النفس في جامعة ولاية أوريغون، في مقابلة أنه في عصرنا هذا تقِلُّ الوظائف التي تتطلب جهداً بدنياً، إلا أن العوامل النفسية هي ما يضنينا فعلاً.

في الواقع، إن الجهد البدني الذي نبذله في وظائفنا لا يبرّر التعب الذي يكون قد حلَ بنا عندما نصل إلى المنزل. صحيح أن الارهاق البدني قد يُتعِبُك إذا كنت عامل بناء، أو مزارعاً يكدح في حقله، أو طبيباً متمرّناً يغطي ورديات ليلية ونهارية، لكن عدا عن ذلك، كما يشير بيركمان، فإن تعبك في الغالب نفسي. “هل يصبح جسدك مُنهَكاً لدرجة أنك لا تستطيع فعل أي شيء على الإطلاق؟” يسأل بيركمان . “في الواقع، إن الوصول إلى هذه النقطة من الإرهاق البدني الكامل يستغرق وقتاً طويلاً”.

نعم، إن أحد الأسباب الرئيسية وراء استنفاذنا عقلياً هو العواطف الشديدة الحدة.

ويميّز علماء النفس بُعْدَين من العواطف وهما: عواطف إيجابية / سلبية وعواطف عالية الحدة / منخفضة الحدة. أي بعبارة أخرى، هل هي عاطفة إيجابية (مثل الابتهاج أو الهدوء) أو سلبية (مثل الغضب أو الحزن)؟ وهل هي عاطفة عالية الحدة (مثل الابتهاج أو الغضب) أو ذات حدة منخفضة (مثل الهدوء أو الحزن)؟


هارفارد-بزنس-ريفيو-المشاعر-العالية-الحدة


 

من السهل أن نلمس تأثير المشاعر السلبية العالية الحِدّة علينا، فهي لا تسبب لنا الإحباط والغضب فحسب وإنما ترهقنا منذ بداية النهار حتى نهايته أيضاً. في الواقع إن الكثير منا يعتمد على عامل الضغط النفسي لإنجاز الأمور . فنحن نزوّد أنفسنا بالأدرينالين والكافيين ثم نجعل جداولنا الزمنيّة مكتظة ولا ننجز مشاريعنا حتى اللحظة الأخيرة، مقتنعين بحاجتنا إلى نسبة معينة من الإجهاد كي نكون منتجين.

لكن المشاعر الإيجابية ذات الحدة العالية يمكن أيضا أن تكون مُرهِقة. وتُظهر الأبحاث أن الإنسان – وخاصة الغربيين، والأميركيين على وجه الخصوص – يعتمد بشكل كبير على المشاعر الإيجابية العالية الحدة. قامت بهذا البحث جين تساي من جامعة ستانفورد، وقد أجريتُ العديد من الدراسات معها، وتَبيّن أنه عندما يُسأَلُ الأميركيون عن المشاعر التي يرغبون أن يشعروا بها في وضعٍ مثالي، فهم يُفَضِلون المشاعر الإيجابية العالية الحدة مثل الابتهاج والغِبطة على المشاعر الإيجابية المنخفضة الحدة مثل الاسترخاء أو الرِضا. وبعبارة أخرى، فإن السعادة لدى الأميركيين مرتبطة بالحدة العالية. أما في ثقافات شرق آسيا، فيفضلون المشاعر الإيجابية المنخفضة الحدة، مثل الهدوء والسكينة.

عندما قمت بهذه الدراسة مع جين لمعرفة السبب وراء تقدير الأميركيين للمشاعر الإيجابية العالية الحدة، وجدنا أنهم يؤمنون بحاجتهم إلى العواطف العالية الحدة للنجاح – وخاصة في أدوار القيادة أو التأثير على الآخرين. وفي دراسة أجريناها، على سبيل المثال، وجدنا أن الناس أظهروا حاجة للمشاعر الإيجابية العالية الحدة، مثل الإثارة، عندما كانوا في مراكزٍ تتطلّب القيادة أو التأثير على شخص آخر. وبطبيعة الحال تنعكس هذا الحدة على اللغة التي نستخدمها لمناقشة أهدافنا: نشعر بالحماسة الشديدة، يُلهِبُنا الحماس، تتملّكنا الطاقة لإذهال الناس وتنفيذ المشاريع على أتم وجه، أو انتاج كم هائل من العروض كالماكينات – هذه التعبيرات تعكِس حاجتنا لأن نكون في وضعية الهجوم الحاد. كن شديد الحيوية، حقِّق أكثر من المُتوقع، ابذل جهداً دؤوباً.

ولكن المشكلة هي أن ضريبة العواطف العالية الحِدّة تُدفَع على المستوى الفيزيولوجي. ذلك لأن “الإثارة الفيزيولوجية” كما يسميها علماء النفس تشمل كل أنواع الإثارة، حتى تلك المتعلقة بالمتعة منها. وهي تُفَعِّل جهازنا العصبي السمبتاوي، المسؤول عن جعلنا في وضعيّة تُعرَف باستجابة “الكرّ أو الفرّ”. فالمشاعر الإيجابية العالية الحِدّة تُحرِّك نفس الإثارة الفيزيولوجية كما العواطف السلبية ذات الحدة العالية، مثل القلق أو الغضب. مما يؤدّي إلى زيادة معدّل ضربات القلب وتنشيط الغدد العَرَقية لدينا، فنَجفل بسهولة. ذلك لأن الإثارة تُنشّط استجابة أجسامنا للإجهاد، كما يمكن لها أن تستنزف نظامنا في حال استمرّت لفترات طويلة – فالإجهاد المزمن يُهدِّد جهاز المناعة لدينا، والذاكرة، وكذلك سعة انتباهنا. يمكننا القول إذاً، إن المشاعر ذات الحدة العالية – سواء كانت سلبية مثل القلق أو إيجابية مثل الإثارة – تفرض علينا ضرائب جسدية.

للمستوى العقلي نصيبٌ من الضريبة أيضاً. فمِن الصعب التركيز على أمرٍ ما عندما نكون مُثارين جسديّاً أو نشعر بزيادة في نشاطنا. وقد أظهرت أبحاث التصوير الدماغي أننا عندما نشعر بالعواطف القوية، يتم تنشيط الأميغدالا أو اللوزة، وهي كتلة من المادة الرمادية داخل المخ متعلّقة باختبارنا للمشاعر- وهذه المنطقة نفسها تضيء عندما نكون في حالة استجابة “الكرّ أو الفرّ”. كما أننا بحاجة إلى جهد وإلى استخدام استراتيجيات تنظيم العاطفة من جزء مختلف من الدماغ، في قشرة الفص الجبهي، لتهدئة أنفسنا بما فيه الكفاية لإنهاء أعمالنا. تنظيم العاطفة هذا في حد ذاته يتطلب جهداً إضافياً.

إذا ما هي النتيجة؟ العواطف العالية الحدة تُتعِبنا بسهولة. سواء أكانت تملؤنا طاقة ممزوجة بالقلق أو بالإثارة، فنحن بذلك نستنزف انفسنا من أهم الموارد ألا وهي الطاقة.

بالطبع، يمكن أن تكون الإثارة عاطفة إيجابية والشعور بها بالتأكيد أفضل بكثير من الشعور بالإجهاد. ولكن مثلها مثل ارتفاع مستوى السكر الذي يمنحك شعوراً جيداً لبعض الوقت، إلا أنه يرسل جسمك إلى مستوى فيزيولوجي عالٍ يمكن أن يؤدي إلى انهيار مفاجئ. وكذلك الأمر، أنت لا بد أن تشعر بالتعب في وقت أقل مما إذا كنت قد بقيت في حالة الهدوء.

هذا لا يعني أنك لا ينبغي أن تشعر بالتوتر أو الإثارة بعد الآن – وكذلك لا يجب أن تفقد حماسك لعملك. إلا أنني أقترح عليك تخصيص المزيد من الوقت للقيام بأنشطة هادئة في حياتك، وتعلم كيفية الاستفادة من الجانب الآخر من الجهاز العصبي – الجانب الباراسمبتاوي حيث “استجابة الراحة والهضم” المُعاكسة لاستجابة “الكرّ أو الفرّ”. إن الجهاز الباراسمبتاوي يساعدك على استعادة صحتك وعافيتك وهنائك، مما يجعلك شخصاً أكثر مرونة وقدرة على تخطي الصعاب على المدى البعيد. وبذلك سوف توفر طاقتك لوقت لاحق، حين تكون بأمسّ الحاجة إليها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "مشاعرك العالية الحدّة قد تكون وراء استنفاذ طاقتك"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
yaz
Member
yaz
1 سنة 5 شهور منذ

مقال رائع حقا يجب الحفاظ على التوازن الانفعالى ومستوى الحماس والاثارة فى العمل لكى لا يتم إستنزاف طاقتنا والاحتفاظ بها لأطول فترة ممكنة لمتابعة العمل وحل المشاكل وجودة التخطيط

wpDiscuz