عندما يعلن رئيس تنفيذي عن مبادرة كبرى لتحفيز الابتكار، تذكر تاريخ هذا الإعلان جيداً. فبعد مرور ثلاث سنوات، ستنتهي صلاحية العديد من هذه المشاريع الطموحة دون تنفيذها أو الاستفادة منها. واجهت العديد من الشركات العالمية خلال الأشهر الأخيرة هذا المصير ومنها: تارغيت وطيران آلاسكا وكوكاكولا ونيويورك تايمز وتشاب (Chubb).

المشكلة ليست في افتقار الشركات الكبرى إلى الأفكار الجيدة، ففي معظم الحالات التي درسناها عبر منصة "إنوفايشن ليدر" ( Innovation Leader)، الإلكترونية والمعنية بالمسؤولين عن الابتكار والبحث والتطوير في الشركات، اكتشفنا أن هناك فائضاً في الأفكار الجيدة للمنتجات والخدمات ونماذج الأعمال الجديدة. وفي كثير من الأحيان، هناك بيانات مبكرة تشير إلى أنّ العملاء يعتزمون الشراء.

إلا أنّ المشاكل تنشأ عندما تحين مرحلة نقل المشاريع إلى وحدات العمل لتدشينها على نطاق واسع. وهنا تلوح في الأفق أسئلة ملحة منها: هل هناك اتصالات كافية؟ هل يشعر العاملون في وحدة الأعمال أن لهم دوراً في صياغة وبلورة المشروع – أم أن المشروع بالنسبة لهم مثل حزمة من المقتنيات القابلة للتلف تركت على عتبة المنزل؟ هل ينتقل فريق العمل من مختبر الابتكار، حيث الاختبار التجريبي للمساعدة في بدء التشغيل؟ هل هناك موارد كافية مخصصة لحل المشكلات التي قد تطرأ مع التوسع؟ هل هناك أي مسؤول عن ضمان ألا تقع هذه المشروعات في براثن الفشل، أو تنخفض قيمتها ضمن قائمة أولويات فريق المبيعات؟

في استبانة حديثة شملت 164 من المسؤولين التنفيذيين في الشركات التي تبلغ أرباحها ما يربو على مليار دولار سنوياً، أفاد نحو 26% من المشاركين إن الانتقال من مرحلة الابتكار أو البحث والتطوير إلى وحدة الأعمال "يحتاج إلى عمل جاد ودؤوب" في الشركة التي يعملون بها. ووصفها 16% آخرون أنها "رائعة"، وقالوا إنهم لمسوا مشروعات متعددة تفقد قيمتها بعد التسليم إلى وحدة الأعمال. واعترف معظم المشاركين في الاستبانة أنه كانت هناك فرصة للتحسين والتطوير وفقاً للمستجدات.

إذن، كيف السبيل إلى تطوير وتحسين منظومة الابتكار ؟

في العديد من الشركات، تحظى مبادرات الابتكار الجديدة بمباركة الرئيس التنفيذي – لكنها لا تحظى بالاهتمام نفسه من وحدات الأعمال. وهكذا تصبح كل مبادرة مثل قمر صناعي يدور حول الأرض، مع إبقاء وسيلة اتصال بين الحين والآخر فقط مع عدد قليل من كبار المسؤولين التنفيذيين على الأرض.

من المهم منح الحرية لاستكشاف الأفكار طويلة الأجل والتقنيات الناشئة، لكن معظم هذه الفرق الجديدة ستحتاج إلى مساعدة من وحدات الأعمال لإحياء تلك الأفكار وتحويلها إلى "عالم حقيقي"، وبالتالي تحقيق إيرادات هائلة.

وحتى تتمكن الشركات من تشكيل تحالف لإنجاز المهمة بنجاح، تُوجه الدعوة إلى وحدات العمل من أجل الوقوف على المشاكل والعقبات التي تواجه مجموعة البحث والتطوير والابتكار، لتوفير التمويل المناسب من خلال ضخ الاستثمارات وشراء الأسهم لضمان استمرارية المشروع.

أفاد 46% من المشاركين في الاستبانة أن جزءاً من التمويل كان مصدره وحدات الأعمال؛ بينما أفاد 24% آخرون أن وحدات الأعمال وفرت الجانب الأكبر من التمويل اللازم. كما أكد معظم المشاركين أن قادة وحدة الأعمال إما "شاركوا إلى حد ما" (59%) أو "شاركوا بقوة" (26%) في وضع جدول أعمال جهود الابتكار في الشركة.

نعم، قد تؤدي المشاركة بهذا الكم الهائل من الزخم إلى تثبيت التحسينات المتزايدة التي يمكن توجيهها إلى السوق بسرعة، للتأثير على نتائج الربع المقبل من العام. ولكنها تضمن أيضاً ألا تنجرف مجموعة الابتكار إلى الفضاء السحيق، فتضيع جهودهم هباء.

تتحدث أبريل بيرترام، مديرة تطوير الأعمال، والتي تعكف على تطوير أحد الشركات الناشئة ضمن مجموعة "جوجو" (GOJO)، وهي الشركة المصنعة لمنتجات "بيوريل"(Purell)، التي  تتخذ من أوهايو مقراً لها، عن السماح لقادة وحدة الأعمال بتصميم "قضبان الحماية". أردفت بيرترام قائلة: "أنت لا تريد كبح جماح الإبداع، ولكنك في الوقت نفسه تريد من فريق الابتكار التركيز على الأشياء التي يمكن تسويقها بشكل واقعي.

في شركة آيون هيلث (Aon Health)، وهي جزء من شركة آيون هيويت (Aon Hewitt)، التي تدر أرباحاُ بقيمة 11,7 مليار دولار أميركي، يقول جيم وينكلر، كبير مسؤولي قطاع الابتكار بالشركة، إنه كجزء من عملية إعداد الموازنة السنوية، "لدينا جلسة نقاشية عن الابتكار، على مدار يوم كامل، مع مجموعة من قادة الأعمال والعديد من المختصين بتصميم وتطوير المنتج ومحترفي تقنية المعلومات، وغيرهم من كافة القطاعات بالشركة، لدراسة المشهد التنافسي والتطور المذهل الذي يشهده السوق، وهنا نؤكد أن قادة الأعمال يشاركون بقوة في هذه الجلسة النقاشية".

قررت شركة كلوروكس (Clorox) العملاقة للبضائع الاستهلاكية المعبأة نقل معظم أدوار الابتكار إلى وحدات الأعمال على مدار السنوات الخمس الماضية. ويركز فريق مركزي بالشركة على التدريب وتحسين العمليات، ولكن وكما يقول باتريك أولوغلين، قائد أعمال الابتكار في كلوروكس: "لكل علامة تجارية فريق ابتكار يتألف من عدد من موظفي قطاعات التسويق والبحث والتطوير، وتكون مهمة هذا الفريق وضع خطة عمل لمدة تتراوح من سنة إلى خمس سنوات".

وتسعى الشركات الثلاث للوصول إلى ما يمكن أن يُسمى "الابتكار المتشابك"، حيث تُدمج اهتمامات واحتياجات وحدات الأعمال بأفكار ومتطلبات فريق الابتكار أو الموظفين المخولين بصلاحيات البحث عن فرص جديدة للنمو. (العكس أو النقيض يُسمى "الابتكار المعزول"، حيث يتركز الاعتماد على فريق العمليات المتطورة "سكونك ووركس" أو مجموعة من الباحثين ذوي الكفاءة العالية، دون المشاركة مع وحدات الأعمال. ويُعد قسم (X) من جوجل مثالاً جيداً على هذا النموذج، كما هو الحال بالنسبة للشبكة العالمية لمختبرات الابتكار التي أنشأتها شركة لوز (Lowe’s)، الشركة الرائدة عالمياً في مجال البيع بالتجزئة لخدمات تحسين وتجديد المنازل).

يقول سكوت بيرنز، رئيس وحدة تجربة العملاء في شركة ريليانت إنيرجي (Reliant Energy)، أحد مزودي خدمات الطاقة في مدينة هيوستن الأميركية: "في مجال عملي، من الثابت أن أسلوب التعاون وتضافر الجهود في العمل هو الأسلوب الأكثر فاعلية من انعزال فريق العمليات المتطورة  أو "سكونك ووركس" والذين يبتعدون ويغلقون على أنفسهم ويصنعون صندوقاً سحرياً، ثم يعودون به لعالم الأعمال لتقديم وعرض ابتكاراتهم، وبعدها يبحثون عن كيفية الاستفادة من تلك الابتكارات بشكل أفضل".

ومن أجل نجاح تجربة النموذج المتشابك، تتعاون بعض الشركات مع رجال الأعمال من خلال مجموعة الابتكار – غالباً لتوفير الخبرة التجارية، أو المساعدة في تقديم الابتكارات المستحدثة للعملاء الراغبين في تجربة منتج جديد وإبداء رأيهم فيه. أو أنهم يصدرون أعضاء فريق الابتكار إلى وحدة الأعمال التي ستكون مسؤولة عن طرح مشروع ما، لذلك هناك شخص ما لديه دراية وشغف بالمشروع. وهنا ينصح أحد المشاركين في الاستبانة قائلاً: "لا تسميها عملية تسليم، بل عملية تحول".

ولكن مع هذا التحول، تولي قليل من الشركات اهتماماً كافياً باستحداث وتطبيق مبدأ المحاسبة ووضع الحوافز التي تضمن نجاحه. وتُعد مرحلة الانتقال من أكثر مراحل الابتكار ضعفاً وتضرراً. فهل ينتبه الرئيس التنفيذي أو أي مسؤول تنفيذي آخر إلى الأهداف المحددة التي من المتوقع تحقيقها، ويسأل عما إذا كان أعضاء فريق الابتكار يواصلون دعم عملية هذه المرحلة كما وعدوا أم لا؟ هل تخضع وحدة الأعمال للتقييم ليس فقط بحسب حجم الإيرادات التي تحققها من المنتجات الجديدة، ولكن بحسب عدد المرات التي ارتكبوا فيها أخطاء وأهدروا فرصاً سانحة أو أساءوا استغلال الموارد التي تم تطويرها لهم؟ هذه المنطقة هي الثقب الأسود للابتكار – بغض النظر عن الأموال التي تُنفق على الموظفين، والتدريب، والأدوات والبرامج الجديدة، ومراكز الابتكار الأنيقة، فإن الكثير من الجوانب والعوامل ذات القيمة يُمكن أن تضيع هباء في هذه المرحلة.

يجتهد المبتكرون لاكتشاف ورعاية أفكار جديدة، ويميل المشغلون بشغف في وحدات الأعمال إلى تحقيق الأهداف واستقطاب كفاءات جديدة. وعلى الرغم من أن دوافعهم مختلفة تماماً، فقد حان الوقت للاعتراف بأنهم بحاجة إلى بعضهم البعض للنجاح في السوق. ويحتاج الرؤساء التنفيذيون إلى تعزيز التواصل الإيجابي بين المجموعتين إذا كانوا يتطلعون بالفعل إلى هدف أسمى وهو أن يعكس الابتكار تأثيراً حقيقياً بعد البيان الصحفي الأولي.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!