تابعنا على لينكد إن

في عام 1980، نشر جيم بارون، وهو الآن أستاذ في كلية “ييل” لإدارة الأعمال، وويليام بيلبي، وهو الآن أستاذ في جامعة “إلينوي”، مقالاً مهماً عن الشركات وعدم المساواة، حيث قدم المؤلفان، وكلاهما علماء اجتماع، حجة مقنعة فحواها: أنه لفهم نتائج سوق العمل مثل عدم المساواة، لم يكن النظر في العرض والطلب على مهارات الأفراد أمراً كافياً. إنما ينبغي النظر أيضاً في القرارات التي تتخذها الشركات.

ضمن مقاله الأخير في هارفارد بزنس ريفيو، يعرض نيكولاس بلوم من ستانفورد أبحاثاً حول الدور الذي تلعبه الشركات في تفسير تزايد التفاوت في الأجور ضمن الولايات المتحدة. كل من المقال والبحث يكشفان الحقائق من عدة جوانب، وأشيد بجهود بلوم لإعادة الشركات إلى حوار عدم المساواة. كما أنني أتفق مع العديد من الحجج التي يقدمها. ومع ذلك، يجب لأي مناقشة حول الشركات وعدم المساواة في الأجور ألا تقتصر على مناقشة قوى السوق، وإنما يجب الأخذ بعين الاعتبار القرارات التي يتخذها المدراء التنفيذيون في تلك الشركات.

ومن خلال الاستدلال على الأفكار الأساسية التي قدمها بارون وبيلبي، فضلاً عن باحثين آخرين مثل جيري ديفيس (Jerry Davis) وآرنا كاليبرغ (Arne Kalleberg) وجيف فيفر (Jeff Pfeffer)، يؤكد بحثي أنه على الرغم من أنّ قوى السوق تلعب دوراً هاماً في تفاقم عدم المساواة بالأجور، فإنّ الشركات ليست مستقبلاً حيادياً لهذه القوى. في الواقع، يتّخذ المدراء التنفيذيّون قرارات حول كيفية تنظيم العمل، وكيفية مكافأة الأفراد على عملهم، وأين ينبغي أن تكون حدود شركتهم. وإجمالاً، تلعب هذه القرارات دوراً هاماً في تحديد مقدار ما يجنيه كل منّا.

يمكن تقسيم الشركات إلى نوعين، من حيث كيفية التوظيف والتعويض: المتمحورة حول البنية التنظيمية والمتمحورة حول السوق. والفرق الرئيسي بين هذين النوعين هو مدى اعتماد الشركة على المعايير الداخلية (التنظيمية) أو الخارجية (السوق) في هيكلة علاقات التوظيف. ويرتبط التركيز التنظيمي بالتوظيف المستقر مع انخفاض معدل دورة المبيعات (رأس المال)، والاستخدام الكبير للتدريب، وهيمنة الاعتبارات الداخلية، مثل الرغبة في الإنصاف بالأجور. وبهذا النظام، يحمي أرباب العمل العمّال من تقلّبات قوى السوق، فهي تمتلك منظوراً أطول أجلاً حول أداء الشركة، وتؤيد استراتيجيات الشركات التي تستلزم قوى عاملة مستقرة ومدربة جيّداً ومخلصة.

ومن ناحية أُخرى، يتميز التركيز على السوق بعلاقات عمل مرنة ذات معدل دوران وظيفيّ أعلى، وفرص أقل للتدريب، كما تستند فيه قرارات الدفع والتخصيص على قوى السوق. فالتوجّه قصير الأجل لا يشجّع أرباب العمل على تحمّل المخاطر نيابة عن عمّالهم وإنما يشجعهم على استخدام ممارسات العمالة التي تخفض التكاليف المباشرة وتزيد المرونة.

في الممارسة العملية، تقع الشركات على المدى في المجال بين هذين النوعين المثاليين. فعندما يحتوي مجتمع ما على عدد أكبر من الشركات ذات التوجه التنظيمي، سيكون عدم المساواة في الأجور ضمن ذلك البلد أقل. ويميل مثل هذا التوجه إلى رفع أجور العمال ذوي المهارات المنخفضة والمتوسطة بالتناسب مع ذوي المهارات العالية، ما يزيد الضغط على توزيع الأجور داخل الشركة مقارنة بالمتوقع من قوى السوق وحدها.

إجمالاً، تعمل هذه الديناميات بطريقة مماثلة لعمل للنقابات، الأمر الذي يؤدّي إلى رفع أجور العمال ذوي الدخل المنخفض والمتوسط ​​بشكل منتظم مقارنة بالأجور المرتفعة، بحيث يتم تقليص الفجوات في الأجور بينهم، ما يقلل التفاوت في الأجور. في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى أواخر السبعينيات، كانت أنظمة التوظيف في الولايات المتحدة توصف غالباً بأنها أكثر تنظيماً، إلّا أنّ الولايات المتحدة انتقلت منذ ذلك الوقت إلى نظام العمل المتمحور حول السوق.

وقَدّم علماء من عدة مجالات تفسيرات لهذا التحوّل، بما في ذلك العولمة والتغير التكنولوجي، وانخفاض عدد النقابات، وارتفاع المنافسة في سوق المنتجات، والتمويل. ومن المحتمل أن يؤدّي كلّ عامل من هذه العوامل دوراً هاماً في التحول من نظام التوظيف المتمحور حول البنية التنظيمية في الغالب إلى نظام قائم على السوق. الآن، وعلى الرغم من هذه القوى السوقية والمؤسساتية المتغيرة، ما زلنا نلاحظ تبايناً هاماً وكبيراً بين الشركات من حيث ممارساتها واستراتيجياتها في مجال العمالة.

على سبيل المثال، تُعتبر شركة “كوسكو” منذ فترة طويلة شركة “الطريق السريع” في دفع أجور أكثر من السوق، وتقدم منافع جيدة، كما توفر لعمالها فرصاً للتقدم. وعلى الرغم من هذه الاستثمارات الكبيرة في العمالة، فقد ارتفع سعر سهم “كوسكو” إلى أكثر من 200%، وهو ما يفوق النمو العام في مؤشر (S&P 500) بنسبة 58% وتلك التي حققها المنافسون مثل “وول مارت” (45%) و”تارغت” (26%)، المعروفان بدفع أجور منخفضة للعمال وتقديم مزايا ضئيلة نسبيّاً. طبعاً هذا مثال واحد لا أكثر، وهناك العديد من الأسباب التي أدّت إلى تباين أداء هذه الشركات خلال هذه الفترة.

مع ذلك، فقد أظهرت الأبحاث أنّ الشركات التي تدفع أجوراً أعلى للعمال وتقدّم ميزات أفضل وتوفّر ساعات عمل ثابتة تجتذب العمال الأكثر إنتاجية والتزاماً. ويعوّض تحسّن إنتاجية العمال وانخفاض معدل دورانهم في كثير من الأحيان زيادة الأجور المرتفعة في هذه الشركات.

علاوة على ذلك، وجدت البحوث أنه فيما ما إذا كانت التكنولوجيا “منحازة للمهارات”، سواء كانت تستفيد في الغالب من العمال ذوي المهارات العالية أم لا، فهي تعتمد إلى حد كبير على كيفية تنفيذها واستخدامها من قبل الشركات. ومثالاً على ذلك، برامج التصميم بمساعدة الكمبيوتر التي أحدثت تحوّلاً كبيراً في سير عمل العديد من الصناعات. وتفاوتت الشركات في مدى مسؤولية مُشغلي الخطوط الأماميّة عن برمجة هذه الآلات، مقارنة بالمهندسين الذين يحافظون على السيطرة. وكان هنالك أيضاً خلاف فيما إذا كانت هذه الاستثمارات الرأسمالية أدّت إلى تخفيضات في القوى العاملة. وهكذا، عندما تواجه الشركات الفردية نفس القيود والفرص في السوق، فإنّها تتخذ خيارات مختلفة في كثير من الأحيان بشأن أفضل طريقة لتنظيم العمل ومكافأة موظفيها.

ومن الواضح أنّ معظم المدراء التنفيذيين يواجهون تحدّيات في التعامل مع ضغوط العولمة والتغير التكنولوجي والمنافسة المتزايدة وأهداف الأداء المالي. ومع ذلك، فإنّ الأمثلة أعلاه تسلط الضوء على حقيقة أنه عندما تواجه الشركات مجموعة مماثلة من الظروف، فإنّ المدراء التنفيذيين غالباً ما يأتون باستنتاجات مختلفة حول أفضل طريقة لتنظيم العمل في شركاتهم. وعلى وجه الخصوص، فإنهم يتخذون قرارات مختلفة جداً بشأن ما إذا يتوجّب عليهم استخدام نظام عمل أكثر تنظيماً أو أكثر تمحوراً نحو السوق. وبعبارة أُخرى، حتى في ظل الضغوط المفروضة على المدراء التنفيذيين، لديهم المجال لفعل أكثر أو أقل من أجل عمالهم.

وعلى الرغم من تأييدي لفكرة أن يكون كون للمدراء التنفيذيين بعض الحرية في التصرف، إلّا أنه من المنطقي أننا كمجتمع نكون قادرين على تقديم مساعدة مفيدة لهؤلاء المدراء التنفيذيين بحيث يتم تحفيزهم على تنظيم العمل بشكل مختلف وبطرق تقلل من عدم المساواة في الأجور.

في الوقت الراهن، ما تقوم به السياسات العامة ضمن الولايات المتحدة غير كاف لتحفيز الشركات على اتخاذ خطوات استراتيجية من أجل القوى العاملة لديها. فماذا لو قمنا بتغيير بعض هذه الحوافز؟، وكما أدلى مؤخراً زميلي بيتر كابيلي (Peter Capelli)، أنّ تقنيات التشغيل الآلي مربحة، جزئياً، لأنها تعتبر من الأصول في الميزانية العمومية للشركة التي يمكن استهلاكها. هل يمكن أن نعتبر تدريب القوى العاملة والاستثمارات الأُخرى في مهارات الموظف ورفاهيته متساوين؟، هل سيكون المدراء التنفيذيون عندها أكثر استعداداً للقيام بهذه الاستثمارات إذا ما تلقت معاملةً أكثر ملاءمة في سياستنا المحاسبية والضريبية؟

وبالإضافة إلى ذلك، كان هنالك عدد من المقترحات للحد من التأثير الضار لعملية صنع القرار على المدى القصير فيما يتعلق باستراتيجية الشركات. مثلاً، تخفيض الضرائب على أرباح رأس المال للمساهمين على المدى الطويل أو إعطاء المساهمين الأوائل حقوق تصويت أكبر، وهي مبادرة أثارت اهتمام الأوروبيين، الأمر الذي يشجع أصحاب الأسهم على أخذ استراتيجية الشركات على المدى الطويل بعين الاعتبار.

والواقع، أشار زميلي بريان بوشي (Brian Bushee) إلى أنّ الشركات تنخرط في استراتيجيات طويلة الأمد عندما تكون مُلكاً لمؤسسات مستثمرة ذات توجّه طويل الأمد. كما يمكن أيضاً أن تغيّر مجالس الشركات هيكلية تعويضات الرؤساء التنفيذيين وغير التنفيذيين للمكافأة بناء على الأداء بعيد المدى ( ثلاث إلى خمس سنوات مثلاً). ربما يُحفز مطالبة المدراء التنفيذيين بالتمسك بنسبة كبيرة من خيارات الأسهم التي يمارسونها لمدد أطول لتبنّي نظرة أطول أجلاً حول الأداء الثابت.

ومع وجود حوافز للاستثمار في القوى العاملة ضمن الشركة، وعدم وجود ضغوط لخفض التكاليف من أجل تحقيق أهداف الأرباح الفصلية، فقد يتحفّز المدراء التنفيذيّون على الانخراط في استراتيجيات طويلة الأجل. وقد توفر هذه التغيّرات حافزاً قوياً لمؤسسات التشاركية على صياغة التزامات أطول أجلاً مع عمالها. وتكون هذه الممارسات مفيدة بوجه خاص للعمال ذوي الأجور المنخفضة والمتوسطة، الذين تضرروا أكثر من غيرهم بسبب التحوّل من نظام التوظيف المتمحور حول البيئة التنظيمية إلى النظام المتمحور حول السوق.

نعلم أنّ جزءاً كبيراً من الارتفاع في عدم المساواة بالأجور يعزى إلى نمو أعلى في الموظفين، ولن تعالج هذه المقترحات بصورة مباشرة هذا القلق. ولكن كما ذكر بلوم في مقالته، فإنّ زيادة الدخل بالنسبة للعمال ذوي الأجور المنخفضة والمتوسطة، وإيجاد مزيد من المساواة بين العمال الذين يتلقون نسبة 10% وأولئك الذي يتلقون نسبة 80% من الأجور من شأنه أن يعود بالنفع على المجتمع، في الوقت الذي يحقق فيه أيضاً تقدماً نحو خفض التفاوت في الأجور.

ما أقترحه هنا هو مثال عن أحد أنواع المقترحات التي يمكن أن تحفّز الشركات على اتباع نهج تنظيمي أطول أجلاً لعلاقات العمل. ولكن إذا كنا نعتقد أنّ قوى السوق وحدها لا تحدد استراتيجية ثابتة، وأنّ صانعي القرار التنفيذيين لديهم بعض السلطة التقديرية لاتخاذ القرارات حول أشياء مثل من يجب توظيفه (أو من يجب التعاقد معه)، وكم ندفع له، ثم يمكننا تصميم السياسات والحوافز التي تشجع المدراء التنفيذيين على استخدام ممارسات تؤمّن منافع أكبر للعمال، سيؤدّي ذلك إلى الحدّ من عدم المساواة في الأجور. ومما لا شك فيه أنّ الكلام سهل بينما التنفيذ صعب، ولكن تبعات عدم فعل شيء على ما يبدو تستحق الجهد.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz