فوائد العمل الاجتماعي على المسار المهني للموظف ورفاهته

6 دقائق
المساهمة في القضايا الاجتماعية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: يشعر كثير منا برغبة في مقاومة المظالم المنهجية التي سلطت أحداث سنة 2020 الضوء عليها، لكن قد يبدو من الصعب إيقاع أثر حقيقي إذا كنت تقضي معظم وقتك في العمل. إن “وضع الوظيفة في خدمة الأغراض الاجتماعية” هو إحدى الطرق التي تمكنك من تعديل طريقة عملك كي تتمكن من تقديم المساهمة في القضايا الاجتماعية خلال أسبوع العمل وتكون مساهمتك ذات قيمة. يبين عدد كبير من الأبحاث أن وضع الوظيفة في خدمة الأغراض الاجتماعية يعود بفوائد جمّة على مسار الموظف المهني ورفاهته، وأن الموظفين في الشركات الكبيرة والصغيرة على حدّ سواء يتوصلون إلى طرق ابتكارية لتعزيز العدالة الاجتماعية ومساعدة مجتمعاتهم في أثناء تأدية وظائفهم.

 

منذ 20 عاماً تقريباً، كنت أعمل حارسة في دورية تزلج. وفي فترة بعد الظهيرة من أحد الأيام كنت في مكان مرتفع على سفح جبل أساعد رجلاً أربعينياً تعرض لإصابة في ركبته اسمه “آدم”، وعندما كنت أضعه على المزلجة التي سأعود به عليها إلى العيادة بدأ بتوجيه كلام فاحش لي. لم يكن ذلك بسبب الألم، بل لأني امرأة.

فهمست في أذن زميلي الذي كان يساعدني وقلت له: “سامي، بما أن آدم ليس مرتاحاً لقيام امرأة بمرافقة مزلجته إلى الأسفل، هل تقوم بذلك بدلاً عني؟” فأجاب سامي بصوت كان بإمكان آدم سماعه وقال: “على العكس تماماً. فاعتراض آدم لا أساس له، وربما ساعدته كفاءتك في التزلج برفقة المزلجة على تعلم احترام المرأة كما يجب”.

أدت الأحداث التي شهدناها في سنة 2020 إلى تعميق وعينا لمعاناة الناس من المظالم بصورة روتينية، سواء كانت أحكاماً مسبقة أو عنفاً أو عدم القدرة على الحصول على الرعاية الطبية أو غير ذلك من المظالم التي يقعون ضحية لها بسبب النوع الاجتماعي أو الانتماء العرقي أو الموطن الأصلي أو المعتقد الديني أو العمر أو الأمراض النفسية أو المعوقات الجسدية أو غيرها من العوامل التي لا تعد ولا تحصى. يشعر كثير منا برغبة في تعزيز العدالة وغيرها من القضايا الاجتماعية، لكننا ملزمون بتخصيص غالبية أوقاتنا للعمل. لذلك، ماذا لو بحثنا عن طرق لممارسة النشاط في هذا المجال ضمن معاملاتنا اليومية في العمل؟ يتضمن هذا الأسلوب الذي أسميه “وضع الوظيفة في خدمة الأغراض الاجتماعية” (job purposing) تعديل طريقة عملنا كي نتمكن من خدمة الأغراض الاجتماعية، أي تقديم مساهمات ذات قيمة في القضايا الاجتماعية خلال أسبوع العمل. خذ مثلاً سامي، فقد تعمد ممارسة نشاط يخدم العدالة الاجتماعية ضمن تفاعلات العمل استجابة لتعليقات آدم المتحيزة ضد المرأة، إذاً وضَع وظيفته في خدمة الأغراض الاجتماعية.

الفوائد المتعددة لوضع الوظيفة في خدمة الأغراض الاجتماعية

قد يعتبر كثير منا أن ما فعله سامي لخدمة الأغراض الاجتماعية هو عمل نبيل، لكننا قد نتفاجأ لمعرفة أن ممارسة أنشطة تخدم الأغراض الاجتماعية في مكان العمل تعزز النجاح المهني ولا تقوضه. فقد توصلت الأبحاث إلى أن الموظف الذي يضع وظيفته في خدمة الأغراض الاجتماعية يتمتع برضا وظيفي أكبر وأداء أعلى وقد يكون أكثر سعادة ويتمتع بصحة أفضل مقارنة بغيره من الموظفين.

تعزيز الرضا الوظيفي

وثّقت في بحثي زيادة في الرضا الوظيفي بنسبة 13% وسطياً لدى الموظفين الذين وضعوا وظائفهم في خدمة الأغراض الاجتماعية مقارنة بغيرهم من الموظفين الذين لم يفعلوا ذلك. وتوصلت أبحاث أخرى إلى نتائج مماثلة، خذ مثلاً البحث الذي أجراه معهد أبحاث السعادة مع مؤسسة “كريفا” (Krifa) في الدنمارك وتوصل إلى أن افتقار أماكن العمل إلى الهدف هو أكبر مسبب لانعدام الرضا الوظيفي بين الموظفين في الدنمارك. كما توصلت دراسة أوروبية أخرى إلى أن إدماج أنشطة تخدم الأغراض الاجتماعية في العمل عززت الرضا الوظيفي في غضون شهرين. في الحقيقة، تربط دراسات كثيرة بين الأغراض الاجتماعية والرضا الوظيفي لدرجة أن كثيراً من الباحثين الذين عملوا على مراجعة جميع الأدلة على نحو منهجي يقولون إن العلاقة بينهما مثبتة.

تعزيز الأداء

أُجريت إحدى الدراسات على موظفين يعملون على فحص صور عبر الإنترنت بحثاً عن أنماط محددة. وتم اختيار مجموعة فرعية على نحو عشوائي وقيل لهم أنهم يعملون على وسم الخلايا السرطانية للمساعدة في أبحاث طبية، في حين لم تُمنح مجموعة أخرى أي معلومات عن سياق العمل. قام الموظفون الذين كانوا يعرفون أنهم يعملون بهدف دعم صحة الآخرين بمعالجة عدد أكبر من الصور مع الثبات على مستوى الجودة نفسه مقارنة بالموظفين الذين لم يكن لديهم ما يدفعهم للاعتقاد بأن عملهم يعزز غرضاً اجتماعياً. كما توصلت دراسة أخرى إلى أن الموظفين الذين يعرفون أنهم يعملون في خدمة غرض اجتماعي كانوا أسرع بنسبة 24% وكانت مدة توقفهم عن العمل أقل بنسبة 43% مقارنة بمن لم يعرفوا ذلك، من دون أن تتراجع جودة العمل.

يبدو أن الأثر الإيجابي لوضع الوظيفة في خدمة الأغراض الاجتماعية يؤدي إلى تحقيق نجاح مهني أكبر. توصلت الدراسات إلى أن وضع الوظيفة في خدمة الأغراض الاجتماعية يترافق مع زيادة احتمال الحصول على زيادة في الراتب بنسبة 10% وزيادة احتمال الحصول على ترقية بنسبة 40%.

زيادة الهدوء

كشفت صور الدماغ أن القيام بأنشطة تخدم الأغراض الاجتماعية تخفض الإجهاد الناتج عن الضغوط على مستوى الخلية. كما توصلت دراسة أخرى إلى أن ممارسة نشاطات تخدم الأغراض الاجتماعية تخفض درجة تأثر صحة الإنسان سلباً بالمواقف المشحونة بالتوتر كالامتحانات النهائية والمشكلات المالية.

تحسين صحة الإنسان 

قسم الباحثون 73 شخصاً بالغاً ممن يعانون من ارتفاع ضغط الدم إلى مجموعتين بصورة عشوائية، وأعطوا إحدى المجموعات 120 دولاراً وطلبوا من أفرادها إنفاق 40 دولاراً على أنفسهم كل أسبوع على مدى 3 أسابيع، في حين أعطوا أفراد المجموعة الأخرى نفس المبلغ لكن طلبوا منهم إنفاق 40 دولاراً على أشخاص آخرين في كل أسبوع. وفي تتمة التجربة، لم يطرأ أي تغير على مستوى ضغط الدم لدى أفراد المجموعة الذين أنفقوا المال على أنفسهم، بينما انخفض ضغط الدم لدى المشاركين في المجموعة الثانية الذين أنفقوا المال على الآخرين كما لو أنهم تناولوا دواءً أو مارسوا تمريناً رياضياً. وفي دراسة أخرى، قسم الباحثون عدداً من المراهقين إلى مجموعتين على نحو عشوائي، وتطوعت إحداهما في أعمال خيرية. وبعد 4 أشهر كان مستوى الكولسترول لدى المراهقين الذين تطوعوا في الأعمال الخيرية أقل منه لدى المراهقين في المجموعة الأخرى.

زيادة السعادة 

يؤدي العمل في خدمة الأغراض الاجتماعية إلى تنشيط المساحة المسؤولة عن السعادة في الدماغ تماماً كما تنشطها أشياء أخرى مثل تناول الحلوى. تؤكد الدراسات أن الجميع ينتابهم “شعور النشوة الناتج عن تقديم المساعدة” بغض النظر عن اختلاف النوع الاجتماعي والعمر والتركيبة السكانية.

كيف يضع الموظفون وظائفهم في خدمة الأغراض الاجتماعية؟

يمكن لكل الموظفين في المؤسسة على اختلاف مستوياتهم التفاعل مع زملائهم وعملائهم بدرجة أكبر من الإنسانية ويمكنهم جعل اجتماعاتهم ذات مغزى ويمكنهم زيادة الشمول الاجتماعي في عملياتهم والقيام بأعمال التسويق مع مراعاة الأمور الخيرية بشكل أكبر. هذا ما فعله الموظفون في الشركات التي قدمت استشاراتي لها، مثل “بنك أوف أميركا” و”ديزني” و”فيديكس” و”بي دبليو سي” و”تويوتا” و”ويسترن ديجيتال” وغيرها.

إذ تبنت شركات كثيرة سياسات تهدف إلى الحد من التحيز ومكافحة التمييز العرقي. مثلاً، لا تطلب شركتا “ستاربكس” و”وول مارت” وثيقة السجل الإجرامي في طلبات التوظيف حرصاً على ألا تتحيز عمليات اختيار المرشحين الأولية ضد أصحاب السوابق، كما نفذ كثير من أقسام الموارد البشرية برنامج تدريب خاص بالانحياز اللا إرادي من أجل المساعدة على تحديد أنماط التفكير والسلوك التمييزيين. على الرغم من أهمية هذه السياسات، فإن التصرفات الفردية الأصغر قد توقع أثراً كبيراً في تعزيز العدالة الاجتماعية أيضاً. خذ مثلاً الأمثلة الواقعية التالية عن وضع الوظيفة في خدمة الأغراض الاجتماعية:

* في شركة ضيافة مدرجة ضمن قائمة “فورتشن 500″، يطلب أحد المشرفين من الموظفين الذين يلتزمون الصمت دائماً في الاجتماعات أن يشاركوا أفكارهم، وتبين الأدلة أنهم غالباً من النساء وأصحاب البشرة الملونة.

* تجري وسيطة عقارية من ذوي البشرة البيضاء حوارات استباقية حول الانحياز اللا إرادي مع أصحاب العقارات قبل أن يراجعوا الطلبات أو العروض. وتوضح لهم أن معظم الناس يقرّون بأنهم لا يفضلون المتقدمين للشراء من الأقليات، وتقول إن الأمر يحتاج إلى جهود مركزة للتغلب على هذا الانحياز اللا إرادي وتحثهم على بذل الجهد وتزودهم بروابط إلكترونية لمصادر تساعدهم في ذلك.

* تطلب إحدى شركات خدمات المطاعم والتغذية ما لا يقل عن 20% من طعامها من شركات صغيرة يديرها أشخاص ينتمون إلى فئات الأقليات.

* يتبنى عامل على أحد خطوط الإنتاج في معمل تصنيع سياسة ضد العنصرية في حواراته، وإذا استهزأ أحد زملائه بأي عرق يقول له: “هذا ليس لطيفاً. لن أشارك في العنصرية”، ويغادر المحادثة إذا لم يرجع الطرف الآخر عن إساءته.

كما يمكننا الاستفادة من وظائفنا من أجل دعم قضايا اجتماعية أخرى، مثل الاستجابة لجائحة “كوفيد-19” وتقوية المؤسسات غير الربحية المحلية ومساعدة ضحايا العنف المنزلي، كما فعل الموظفون في الأمثلة التالية:

* في شهر مارس/آذار من العام 2020، علمت إحدى المضيفات في أحد مرافق التخزين الذاتي أن المرفق سيغلق أبوابه لفترة من الزمن بسبب الجائحة، فقضت آخر أيام عملها فيه وهي تتصل بالعملاء المسنين واحداً تلو الآخر وتعرض عليهم أن توصل إليهم أي شيء يريدونه من الوحدات التي يخزنون فيها حاجياتهم. وفي طريق عودتها إلى منزلها كانت توصل معدات رياضية أو بطانيات أو كتب أو أشياء أخرى لمساعدة العملاء على تجاوز فترة الإغلاق العام.

* كانت واحدة من المدربين في شركة محاسبة قد أوكلت إلى الموظفين الجدد المتدربين لديها إجراء دراسة حالة مكتوبة، فاستبدلتها بمهمة تقديم استشارات مجانية للمؤسسات غير الربحية المحلية. وهي الآن تعمل على تقوية المؤسسات غير الربحية في كل دورة تدريب تديرها.

* سمعت امرأة تعمل في تصفيف الشعر من بعض زبائنها عن تعرضهم للعنف المنزلي، فتلقت تدريباً على مناصرة الضحايا وتعمل اليوم على مساعدتهم.

* قامت صاحبة عقارات تجارية بإعارة بعض عقاراتها الشاغرة لمؤسسة غير ربحية كي تستخدمها كنقاط تجمع لعمليات تنظيف الحي التي ستجريها على مدى شهر كامل.

بعد عام من حادثة آدم الذي نقلته من الجبل إلى العيادة، حضر إلى مقرّ دوريات التزلج وانتظرني هناك وقدم اعتذاره على ملاحظاته العنصرية، يبدو أن سامي استطاع التأثير فيه وأصبح أقلّ تحيزاً. هذا هو أفضل جزء من وضع الوظيفة في خدمة الأغراض الاجتماعية، إذ ننهي أسبوع العمل سعداء لمعرفة أننا ساعدنا مؤسساتنا وأوقعنا أثراً اجتماعياً إيجابياً وساهمنا في تقديم المساعدة في القضايا الاجتماعية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!