جميعنا يعلم أنّ وجود النساء ضمن القوى العاملة تزايد دراماتيكياً في العقود القليلة الماضية، لكن هل صحيح أنّ جميع النساء أصبحن يعملن أكثر؟ وعلى افتراض أنّ هذا صحيح، فمن هنّ النساء اللواتي سيعملن على الأغلب بدوام كامل طوال سن الرشد؟

عادة ما يجيب الباحثون عن هذه الأسئلة باقتطاع لقطة من حياة النساء في فترة ما من حياتهنّ، للنظر إن كنّ يعملن مقابل أجر أم لا. مع أنّ هذا الأسلوب يُخبر الباحثين الكثير عن التغييرات التي طرأت على التوظيف، إلا أننا تساءلنا عن الشكل الذي يتخذه عمل النساء عبر كامل مسيرتهم في العمل. أردنا أن نحدد ما إذا كانت النساء (وأيّ فئة من النساء) تعملن بدوام كامل مقابل أجر لسنوات عديدة في مراحل متعددة، وتحديد أي النساء يبقين خارج القوة العاملة طوال فترة الرشد.

باستخدام بيانات من الاستبيان الوطني الطويل المدى للشباب (National Longitudinal Survey) لعام 1979، بحثنا عن “مسارات يمكن تصنيفها في مجموعات” (أنماط أوسع تظهر مع الوقت) حول مشاركة النساء في قوة العمل خلال العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من العمر. جاءت البيانات من استبيانات سنوية (ثم أصبحت نصف سنوية) لنساء ولدنّ بين عام 1957 و 1964 وتم تجنيدهنّ لهذه الدراسة في عام 1979. لقد أصبحت هؤلاء النسوة الآن في الخمسينيات من العمر؛ وتمتد قاعدة بياناتنا من 1982 إلى 2010.

كانت النتيجة التي توصلنا إليها، والتي نُشرت في مجلة ديمغرافيا (Demography)، مفاجئة: حيث قضت أكثر من 90 في المئة من النساء اللواتي ولدن في فترة الرخاء (بين 1946 و 1964) أغلب العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من العمر في العمل مقابل أجر. بالإضافة لهذا، سارت 60 في المئة من النساء في ما تعارفنا على تسميته بمسار الحياة “الذكوري” أي أنهنّ عملن بدوام كامل أو انخرطن في العمل لوقت إضافي (أكثر من 50 ساعة في الأسبوع) في منتصف سن الرشد.

كما ترسم نظرتنا البعيدة الأمد صورة مختلفة عن الوقت الذي تقضيه النساء خارج بيئة العمل، حيث تُظهر عينة من الوقت الذي تقضيه النساء في الوظيفة (تم فحصها في أي سنة تقويمية) أنّ 20 في المئة من الأمهات لم تعملن في سنة معينة. لكن دراستنا ترى أنّ مجموعة صغيرة جداً من النساء نسبتها 8 في المئة فقط في عينتنا تابعن في مسار “البقاء في المنزل” أثناء الفترة الأكبر من سنوات هذه الدراسة.

ويبقى عمل النساء متسماً بالتنوع بإعلان حوالي 30 في المئة من النساء أنهنّ عملن إما بدوام جزئي أو متقطع أثناء هذه الفترة. وزادت بعض النساء من ساعات عملهن بمرور الوقت، بينما قللت أُخريات من ساعات العمل، وهناك نساء عملن بدوام كامل طوال فترة العشرينات ثم تركن العمل لفترة ليعدن إلى العمل بدوام كامل في الأربعينيات. يبدو على أنّ معظم هذه الاستراتيجيات كانت تستخدم لتلبية المسؤوليات المتزايدة للحمل ورعاية الأطفال.

يقودنا هذا إلى السؤال الثاني: لماذا تعمل بعض النساء بشكل أكثر انتظاماً من غيرهن؟ لقد تفاجأنا لدى اكتشافنا أنّ النساء اللواتي كن في حاجة أكبر مادياً (اللواتي عشن فقراً في صغرهن، أو كن غير متزوجات ولم يكن لديهن مدخول ثان يدعمهن، أو كنَّ أقل تعليماً) واجهن أكبر الحواجز التي صعّبت عليهنّ متابعة عملهنّ بدوام كامل. ومع أنه من الشائع الاعتقاد أن النساء يعلمن لأنهن “بحاجة” لدعم عائلاتهن، إلا أن بحثنا يدعم النتائج في كتاب ساره الأول الذي يقول أنّ النساء الأكثر حاجة مادياً كنّ أقل قدرة على العثور على عمل متواصل بدوام جزئي. أما النساء اللواتي عملن “كالرجال” (أي بدوام كامل طوال معظم السنوات التي تفحصناها) فقد تمتعن بظروف حياة أفضل أثناء طفولتهن وخلال بدايات سنوات الرشد مقارنة بنظرائهن.

وحتى بعض خيارات العمل بدوام جزئي بدت محدودة للنساء اللواتي عشن بظروف أفضل. كما كان احتمال دخول النساء المتعلمات للعمل ومغادرتهن له ثم العودة إليه ثانية أكبر من احتمال حصول ذلك لدى نظرائهن من النساء الأقل تعليماً. أهم ما يعنيه هذا هو أنّ “خيارات” عمل النساء أكثر محدودية بكثير مما هو متوقع. وفي حين يُنظر للعمل بدوام كامل على أنه حاجة، يُظهر بحثنا أنّ التوظيف المستقر بدوام كامل هو ميزة لا تُكتسب تلقائياً بل تتطلب أن تدخل النساء القوة العاملة باكراً وأن يتمتعن بظروف حياة معينة قد لا تتوفر لجميع النساء.

يمكن الخروج بنتيجتين من بحثنا:

  • أغلبية النساء (بدءاً بالنساء المولودات في فترة الرخاء) عملن بدوام كامل طوال سن الرشد. ومع أنّ نسبة لا يستهان بها من النساء عدن إلى العمل بعد أن أصبح أولادهن أكبر عمراً، إلا أنّ عدداً من البحوث تشكك بقدرة النساء على الالتزام بالعمل مقابل أجر وبشكل خاص عندما يكون لديهن أطفال. وبالنتيجة: يتوجب علينا الابتعاد عن هذه النظرة المتخلفة عن كيفية عمل النساء.
  • للسياسات الداعمة للتوازن بين العمل والحياة دور مهم: تمتعت النساء اللواتي حافظن على عملهن بمميزات عديدة وهذا يعني أنهن على الأغلب سيفضلن العمل في أماكن عمل تتبع سياسات تدعم التوازن بين العمل والحياة. ومن هنا فإن توسيع سياسات إجازة الأمومة المدفوعة وسياسات الغياب المدفوع الأجر عن العمل لظروف صحية، وتوفير الرعاية الصحية العالمية للأطفال لجميع العاملين وليس فقط لمن حالفهم الحظ في العمل في شركات توفر هذه “المزايا” قد يسهم في توسيع القوة العاملة ويساعد النساء والرجال على حد سواء في المحافظة على وظائفهم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!