تبدو السوق الاستهلاكية الصينية، التي تضم أكثر من 1.3 مليار نسمة، هدفاً مغرياً لشركات التكنولوجيا الغربية. وهي بالطبع مكان محفوف بالمخاطر على صعيد القيام بالأعمال. وتسلط الأنباء الأخيرة التي تفيد بأنّ جوجل تفكر في الدخول مجدداً إلى الصين الضوء على توازن مثير للقلق تواجهه شركات التكنولوجيا التي تتطلع إلى القيام بأعمال هناك. وتعود آخر مرة دخلت فيها الشركة الصين إلى العام 2006 وذلك من خلال محرك للبحث خاضع للرقابة، لكنها أوقفت العملية بعد أربع سنوات حين اكتشفت أنّ حسابات بريد “جي ميل” الإلكتروني والخاصة بالناشطين في مجال حقوق الإنسان قد اختُرقت. وفي حين أنّ الفرصة الاقتصادية في العودة إلى الصين قد تكون هائلة بالنسبة إلى الشركة، ثمة مخاطر حقيقية بالنسبة لشركة جوجل أو أي شركة إنترنت، تتمثل في التقليل من شأن التهديد الذي يشكله التدخل الصيني.

فأي شركة لمنصات الإنترنت تعمل في الصين يجب عليها التفاوض على معضلة تجارية وأخلاقية كبرى، حيث تفرض الحكومة الصينية لوائح صلفة تراقب التعبير باسم الأمن القومي، وتنتهك حقوق الإنسان بموجب المفاهيم العامة للأعراف الدولية. وتشير التقارير إلى أنّ جوجل ناقشت بعض خطط إعادة دخولها مع مسؤولين حكوميين صينيين، بما في ذلك تقديم خدمة بحث من شأنها “وضع قائمة سوداء بمواقع الويب وعبارات البحث المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية والدين والاحتجاج السلمي”.

ويُعتبَر القيد المفروض على جوجل شائعاً، فشركة آبل خضعت من جانبها في العام الماضي للائحة تنظيمية صينية جديدة لأمن البيانات، عندما أعلنت أنها ستنشئ مركزاً للبيانات في مدينة جويتشو، وتدخل في شراكة مع شركة صينية مزودة لخدمات سحابية، وتتوافق مع مطالب الحكومة الصينية لفحص البيانات الخاصة التي تحتفظ بها آبل. وكانت الخسارة المحتمل أن تتعرض لها آبل ضخمة لو أنها لم تخضع وتساوم، في نظر كثيرين، على مصالح حقوق الإنسان، فوصولها إلى السوق الصيني الكبير للأجهزة، بالإضافة إلى قاعدتها الصناعية هناك، كان على المحك. وبحسب التقارير، حاولت شركة فيسبوك أيضاً الدخول إلى الصين، على الرغم من أنها واجهت احتجاجاً علنياً هائلاً وصعوبة في القيام بذلك.

ويوضح رحيل جوجل في العام 2006 ومناورات شركات التكنولوجيا الأخرى التي تحاول التفاوض على حقل الألغام هذا الخيارات الصعبة التي يواجهها التنفيذيون. فالشركات تضطر إلى تعظيم قيمة المساهمين؛ فهل على التنفيذيين في الشركة تجاهل المخاوف بشأن حقوق الإنسان واستغلال الفرص الاقتصادية، أم ينبغي عليهم أن يتبعوا المسلك الأخلاقي ويتخلّوا عن الأرباح التي يمكن الحصول عليها؟

وفي حين أنّ الاعتبارات الأخلاقية يجب أن تكون محط اهتمام محوري، هناك مجموعة من التهديدات المحتملة لشركات الإنترنت التي من الحكمة التفكير فيها، بالإضافة إلى السعي إلى موازنة التكاليف والفرص الخاصة بدخول الصين.

  • سرقة الملكية الفكرية. من المعروف أنّ الحكومة الصينية تشارك على نطاق واسع في سرقة الملكية الفكرية. وبالنسبة إلى شركات الإنترنت مثل فيسبوك وجوجل التي تجمع البيانات الشخصية وتستثمرها باستخدام خوارزميات الملكية، فإنّ سرقة الدولة لأسرار الشركات واستغلالها المحتمل من قبل المنافسين الصينيين المرتبطين بالحكومة من شأنه أن يشكل تهديداً خطيراً.
  • المطالب الحكومية المتصاعدة. أصبح من الواضح الآن أنّ الشركات العاملة في الصين تبقى مقيدة جداً حتى عندما تمتثل للمطالب الحكومية. وفي الواقع، يمكن توقع أن تتقدم الحكومة، بمرور الوقت، بمطالب متزايدة. فقد تلقت كوالكوم، على الرغم من امتثالها، غرامات تنظيمية ثقيلة تلتها عراقيل ضخمة أمام بعض عمليات الدمج. وتعرضت آبل، التي امتثلت للوائح الصينية في العام الماضي، لتهديدات بأنّ الحكومة ستوقف وصولها إلى سوق العمل الصيني في حالة تصعيد الحرب التجارية المستمرة مع الولايات المتحدة.
  • الزحف التنظيمي. يتزايد رد الفعل السياسي على منصات الإنترنت الرائدة. ففي العام الماضي، شهدنا خطاباً جديداً ولوائح تنظيمية من السلطات الحكومية في البرازيل والهند والولايات المتحدة وأماكن أخرى. إنّ شركات الإنترنت ترغب في أسواق مفتوحة وخدمة إنترنت غير مقيدة. لكن من خلال تقديم تنازلات للرقابة الصينية والمطالب التنظيمية، ستشجع الشركات بالتأكيد الحكومات الأخرى على فرض قيودها على القطاع. وعندما سأل الكونغرس جوجل عن خططها في الصين، تهربت من الإجابة. لكن مع المضي قدماً، سيتعين على الشركات الأميركية الحفاظ على خطوط تواصل أقوى مع صانعي السياسة لحل المخاوف التنظيمية أولاً بأول.
  • تنفير الموظفين. حتى قبل بضعة أشهر، كانت خطط جوجل المتعلقة بالصين سرية. وعندما علم الموظفون أنّ الشركة كانت تفكر في فرض الرقابة على منصة البحث المخصصة للسوق الصينية، وقع كثيرون على رسالة داخلية مستنكرة لذلك، وهي عريضة رد عليها المدير التنفيذي للشركة بالإشارة فقط إلى أنّ جوجل ليس لديها خطط فورية لإطلاق خدمة بحث صينية خاضعة للرقابة. ويتزايد نفوذ الموظفين داخل شركات التكنولوجيا؛ وبالمثل، فإنّ موظفي فيسبوك الحاليين (بما في ذلك الرئيس السابق شون باركر) أدانوا في شكل علني قيادة الشركة بسبب ممارساتها المتراخية في شأن خصوصية البيانات؛ وفي جوجل، غادر بعض الموظفين الشركة احتجاجاً على سياساتها.

تطبق الصين منذ فترة طويلة نظاماً صارماً للإعلام والمعلومات. ومن غير المحتمل أن يتغير إطار السياسة هذا في أي وقت قريب. وتُعد القضية الأخلاقية لمقاومة اللوائح التنظيمية الصينية واضحة. لكن شركات الإنترنت تحتاج أيضاً إلى التفكير ملياً في التكاليف التي تتكبدها الأعمال بسبب التخلي عن القواعد الصينية. وبالإضافة إلى تهديد سمعتها، هناك مخاطر مادية خطيرة بالقدر نفسه.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!