تحقق الشركات أموراً مذهلة، فهي تقدم المنتجات للزبائن وتحقق عائدات مالية للمستثمرين وتوفّر فرص عمل للموظفين. وفي الوقت نفسه تطور أدوية تعالج أمراضاً فتّاكة، وتطور أيضاً تقنيات توفر الإنترنت في كل بقاع الأرض، كما ترفع من مستوى جودة حياتنا من خلال توفير المزيد من وسائل الراحة والتقنيات بأسعار معقولة.

ولكنّ الشركات تفعل أشياء فظيعة أيضاً، فهي تبني أماكن عمل يموت فيها الموظفون للحصول على أجورهم، وتتسبّب بكوارث بيئية مثل تسرب النفط والتصحر، وتبيع بياناتنا لمن يدفع أكثر وربما تستغلّنا ليس من أجل إغرائنا لشراء منتجاتها وحسب بل من اجل التصويت لمرشحين محددين في الانتخابات أيضاً.

بالنظر إلى سجل الشركات في تحقيق أمور عظيمة، فإنّ السؤال المطروح ليس ما إذا كان يمكن للشركات أن تكون قوة من أجل الخير، بل لماذا لا يقود جميع المدراء التنفيذيين شركاتهم لتكون قوة من أجل الخير؟ بمعنى آخر، لماذا يمتنع بعض المدراء التنفيذيين عن قيادة شركاتهم بطرق مسؤولة اجتماعياً، وما الذي يمكن أن يحفّزهم على الاستثمار في المسؤولية الاجتماعية للشركات (CSR)؟

تكمن الطريقة الفضلى للإجابة عن هذه الأسئلة في استحضار دراسة الجدوى التجارية للمسؤولية الاجتماعية للشركات. بعبارة أخرى، من أجل تحفيز استثمار الشركات في المنتجات الصديقة للبيئة أو ظروف العمل الآمنة، يعتقد مؤيدو فكرة المسؤولية الاجتماعية للشركات أنّه من المهم للغاية تزويد المدراء التنفيذيين في الشركات بأدلّة على أنّ مثل هذه الاستثمارات تعود بالفائدة على شركاتهم. وفي المقابل، تقول الفرضية العامة إنّه إذا لم يستثمر المدراء التنفيذيون في مشاريع المسؤولية الاجتماعية للشركات، فإنّ ما يمنعهم عن ذلك هو عدم إيمانهم بالجدوى التجارية لمثل هذه المشاريع.

يعتمد هذا المنطق على ثلاث فرضيات إشكالية وغير مجرّبة حتى الآن. تتمثّل الفرضية الأولى في أنّ معظم قادة الأعمال لا يؤمنون بمثل هذه الجدوى التجارية، والثانية في أنّهم سيبدؤون في الإيمان بهذه الجدوى التجارية إذا وجدوا أدلّة واقعية على أنّ الجدوى التجارية موجودة بالفعل. أما الفرضية الثالثة فتكمن في أنّهم سيستثمرون في مبادرات مسؤولة اجتماعياً وبيئياً بمجرّد أن يؤمنوا بهذه الجدوى التجارية.

لكن هل هذه الفرضيات مبررة؟ في بحثنا الذي نُشر في الآونة الأخيرة، استعنّا بعدد من العيّنات التي تضمّ مدراء تنفيذيين من جميع أنحاء العالم لاختبارهم بشكل صريح، فوجدنا دليلاً سيغيّر الطريقة التي نتحدث بها عن معتقدات المدراء التنفيذيين تجاه الجدوى التجارية للمسؤولية الاجتماعية للشركات.

للتحقق من الفرضية الأولى، دفعنا المدراء التنفيذيين إلى المشاركة في لعبة يكسبون فيها المال مقابل القيام بتوقّعات صحيحة. تنبّأ المدراء بالأداء المالي لشركات حقيقية بناءً على معلومات عن أدائها المالي السابق وأدائها تجاه المسؤولية الاجتماعية. استنتجنا من هذه التوقعات معتقدات المدراء التنفيذيين تجاه الجدوى التجارية للمسؤولية الاجتماعية. وبناء على الدراسات الأربعة التي أجريناها، وجدنا أنّ 80% من المشاركين يؤمنون بالفعل بهذه الجدوى التجارية – وهو ما يتناقض مع الفرضية القائلة أنّ معظم المدراء التنفيذيين يشكّكون في وجود مثل هذه الجدوى.

لماذا يؤمن الكثير من المدراء التنفيذيين بالجدوى التجارية للمسؤولية الاجتماعية للشركات؟ ثمة فرضية سائدة تقول إنّ الأدلة العلمية على وجود الجدوى التجارية مطلوبة لكي يؤمن المدراء بها. ومع ذلك، خلصت نتائج دراستنا إلى قصّة مختلفة: تُظهر هذه النتائج أنّ المدراء التنفيذيين يعتقدون بالجدوى التجارية هذه عندما يتواءم هذا الاعتقاد مع نظرتهم العامة إلى النظام الاقتصادي. وعلى وجه التحديد، كان المدراء التنفيذيون الذين يمتلكون نظرة أيديولوجية إيجابية إلى اقتصاد السوق (وهو مفهوم يُطلق عليه "الأيديولوجية السوقية العادلة" fair market ideology في الأدبيات الأكاديمية) أكثر ميلاً للاعتقاد بالجدوى التجارية للمسؤولية الاجتماعية للشركات. وبالتالي فهو ليس اعتقاداً يستند إلى البيانات، بل اعتقاد يقوم على الأيديولوجية.

يقودنا هذا إلى الفرضية الثالثة حول المدراء التنفيذيين والمسؤولية الاجتماعية للشركات. عادة ما يُفترض أنّ المدراء التنفيذيين سيتبنّون المسؤولية الاجتماعية للشركات أكثر عندما يعرفون أنّها ستؤتي ثمارها. ولكن هذا ما ظهر عكسه في دراستنا أيضاً. فبعدما دقّقنا في كيفية ارتباط نتائجنا الأولية بنوايا المدراء التنفيذيين لاستثمار الموارد فعلياً في المشاريع التي تهدف إلى حلّ مشاكل اجتماعية أو بيئية، تبيّن على نحو مفاجئ أنّ المدراء التنفيذيين الذين يمتلكون نظرة إيجابية تجاه اقتصاد السوق ربما لم يكونوا ميالين إلى القيام باستثمارات اجتماعية أو بيئية، على الرغم من أنّهم يؤمنون بقوة في الجدوى التجارية أكثر من المدراء التنفيذيين الآخرين. ويمكن تفسير هذا التناقض كما يلي: الأيديولوجية السوقية للمدراء التنفيذيين لا تقودهم فقط إلى الاعتقاد في الجدوى التجارية للمسؤولية الاجتماعية للشركات، ولكنّها تعميهم أيضاً عن إدراك وجود مشاكل اجتماعية أو بيئية محتملة في الاقتصاد. وهذا بالتالي ما يقلّل من تقديرهم للحاجة إلى اتّخاذ إجراءات لمعالجة هذه المشاكل. وبعبارة أخرى، لأنهم يعتقدون أنّ الجدوى التجارية للمسؤولية الاجتماعية للشركات أمر بديهي، ولأنهم يرون الشركات على أنّها جهات فاعلة تسعى إلى مصالحها الذاتية وتبحث عن فرص تجارية، يصبح من غير المرجح أن يروا أنّ ثمّة مشاكل اجتماعية أو بيئية مهملة وغير ملبّاة. ولكنّ الاحتياجات غير الملباة توفّر فرصاً تجارية في نهاية الأمر- وفي عالم تتّضح فيه الجدوى التجارية للمسؤولية الاجتماعية للشركات، لماذا سيرفض المدراء التنفيذيون الأذكياء فرصة تجارية جيدة؟ فإذا كانت الشركات لا تعمل على هذه الشواغل، فيجب ألا ينظر إليها على أنها شواغل على الإطلاق.

باختصار، كان المدراء التنفيذيون يشكّكون في المسؤولية الاجتماعية للشركات. ولكنّ شكوكهم لم تنبع من عدم الإيمان بالجدوى التجارية، بل إنّ العملية النفسية ذاتها التي دفعتهم إلى الاعتقاد في الجدوى التجارية للمسؤولية الاجتماعية للشركات (نظرتهم العامة/الأيديولوجية السوقية العادلة) كانت تمنعهم من رؤية المشاكل الاجتماعية التي تسببها الأنشطة التجارية – وهذا ما يمكن معالجته من خلال الاستثمار في مشاريع المسؤولية الاجتماعية للشركات.

لا يزال الكثير من الأكاديميين وقادة المؤسسات غير الربحية والاستشاريين يحاولون إقناع المدراء التنفيذيين بالاستثمار أكثر في المسؤولية الاجتماعية للشركات، وذلك من خلال إظهار التأثير الإيجابي لهذا المفهوم على الأرباح النهائية لشركاتهم. ومع ذلك، تشير نتائج أبحاثنا الأخيرة إلى أنّ مثل هذه المحاولات لإقناع المدراء التنفيذيين بوجود جدوى تجارية، قد لا تؤتي ثمارها المرجوة المتمثلة في قيام الشركات بالمزيد من المبادرات المسؤولة والمستدامة اجتماعياً، وذلك لسببين: الأول، وجدنا أنّ أغلب المدراء التنفيذيين يعتقدون بالفعل بالجدوى التجارية للمسؤولية الاجتماعية للشركات، وبالتالي لا حاجة لإقناعهم بوجودها. والثاني، أشارت نتائج دراستنا إلى أنّ المدراء التنفيذيين الذين يؤمنون بالجدوى التجارية للمسؤولية الاجتماعية للشركات، هم أيضاً أولئك الذين يجدون صعوبة في رؤية المشاكل التي يُفترض أن تحلّها مبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات. وعلى اعتبار أنهم لا يستطيعون رؤية المشاكل، فهم لن يقوموا برعاية مبادرات المسؤولية الاجتماعية المخصصة لحلّ هذه المشاكل.

بدلاً من التحدّث إلى المدراء التنفيذيين حول الفوائد المالية للمسؤولية الاجتماعية للشركات، يمكن للمؤيدين للفكرة أن يُحدثوا تأثيراً أكبر عن طريق التركيز على مساعدة المدراء التنفيذيين على التخلّص من الأحكام المسبقة والتغلّب على قناعاتهم الأيديولوجية، وبهذه الطريقة يصبحون أكثر مراعاة للمشاكل الاجتماعية والبيئية في محيطهم.

بالنسبة للمدراء التنفيذيين الذين يؤمنون بالفعل بالجدوى التجارية، ثمة أمران رئيسان: أولاً، على الرغم من المحاولات المستمرة لإقناعهم بشيء يؤمنون به بالفعل، فهم ليسوا وحدهم بل الأغلبية كذلك. ومع علمهم أنّ معتقداتهم ليست بعيدة عن معتقدات زملائهم، فهذا قد يسمح لهم أن يكونوا أكثر جرأة ويحثهم على اتّخاذ المزيد من الإجراءات وفقاً لمعتقداتهم. وثانياً، قد تنبع معتقداتهم من وجهات نظرهم الأيديولوجية العامة والتي قد تجعلهم يغفلون عن بعض الأمور. وبالتالي، فإنّ إدراك هذه الأمور قد يكون خطوة أولى نحو اتخاذ قرارات متبصرة أكثر فيما يخص المسؤولية الاجتماعية للشركات والكثير من المجالات ذات الصلة بأعمالهم أيضاً.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!