تابعنا على لينكد إن

كاستشاري سابق، لدي حب ثابت لاستخدام مصفوفة (2×2) في استراتيجية الأعمال. وتُعتبر الاستراتيجية المفضلة لدي هي تلك التي تسلط الضوء على عاملين يبدوان للوهلة الأولى متعارضين. أنا أجدها استراتيجية مرتبطة بشكل خاص بالتطوير الشخصي، حيث يحتاج الأفراد عادة لحل مشكلة التوتر بين القيم والخصال المتعارضة، والتأكد من مراقبة مكامن قوتهم جيداً كي لا تهوي لتصبح ضعفاً.

كنت أفكر مؤخراً في هذا الأمر من حيث الطريقة التي تُمكّن القادة من أن يصبحوا استراتيجيين أكثر، وقادرين على تنفيذ جوهر عملهم مع المحافظة في الوقت ذاته على انفتاحهم في آخر صيحات السوق والتكيف معها. ولقد بدأت أرى أنّ تحقيق هذا يتطلب امتلاك سمتين اثنتين تحديداً بشكل متوازن وهما: الاتساق والمرونة. يمكنك تصور الأمر بهذا الشكل:

إنّ أصحاب الأداء الأفضل متسقون بالطبع. والقادة المتسقون يعملون بجد ويوفون بوعودهم. يضعون أهدافاً لأنفسهم ولموظفيهم ويحققونها. يواظبون على التخطيط وينتجون في كل مرة منتجات وتجارب ممتازة للعملاء. هم مواظبون ويتحلون بالرونة والعزيمة. إنّ المستهلكين يتوقعون منتجات متسقة، والأفراد يقدرون الإدارة المتسقة.

لكن القادة المتسقين على الدوام يخاطرون بأن يكونوا متعنتين. فقد يعانون من مشاكل في التأقلم ضمن البيئات المتغيرة، وقد يتشبثون بالعادات والممارسات القديمة إلى أن تعود عليهم بمردود سلبي وهو الأمر الذي يشتت تركيزهم عن العمل الجديد الأكثر أهمية الذي عليهم فعلاً القيام به.

من ناحية أخرى، القادة العظماء مرنون. فالأسواق تتطلب من الشركات والأفراد التأقلم مع المتغيرات باستمرار. أظهر أحد التحليلات أنّ 88% من الشركات التي ظهرت في قائمة فورتشن 500 لعام 1955 لم تعد للظهور فيها في عام 2014 (بعد اندماجها أو إفلاسها أو خروجها من القائمة). ومثلما تحتّم على الشركات التي تصنّع منتجات بائدة (كعربات الأحصنة أو التلغراف) التطور أو الفناء، كذلك يتحتم على أنجح المدراء التغيير مع اضطلاعهم بمسؤوليات إضافية أو جديدة عبر مسيرتهم المهنية ومع انتقال أحدهم من مدير للمبيعات إلى رئيس لشؤون العمليات أو من رئيس للشؤون المالية إلى رئيس تنفيذي. على هؤلاء القادة تغيير مسارهم عند الحاجة، كما أنّ المرونة تتطلب منهم التحلي بفضول فكري ورغبة بالتغيير واستعداد للتعلم من الآخرين والتواصل والتعاون معهم.

لكن مثلما قد يصبح الاتساق تعّنتاً، قد تصبح المرونة افتقاراً للتركيز إن لم تُخفف بالاتساق. صحيح أنّ المرونة البحتة تُكسب القادة رؤية وتجعلهم وكلاء للتغيير لكنها قد تتسبب بافتقارهم للعقلية المتفردة والالتزام بالتنفيذ على أساس رؤاهم. يلتفتون إلى مشاريع جديدة قبل إنهاء المشاريع السابقة، ويُرغمون فرقهم ومؤسساتهم، في حالات متطرفة، على ولوج الفوضى وعدم الاستقرار.

إنه المزج بين الاتساق والمرونة ما يجعل القادة استراتيجيين، يتفوقون في تنفيذ غاية المؤسسة لكن أيضاً يغيرون الاتجاه إن تطلبت الظروف. لدى هؤلاء القادة معايير عالية للجودة، يحققون الأهداف ويتوقعون الاتساق، لكنهم أيضاً منفتحون على التغيير، يبقون عيناً على البيئة الخارجية ويفهمون متى لا تعود طرق العمل القديمة صالحة للسوق التي ينافسون فيها. يلتزمون مسارهم إلى حين يجدون أنّ ما يفعلونه لم يعد منطقياً ويجمعون باستمرار بين التحسينات وبين والأفكار الجديدة والاستراتيجية.

بالطبع، قلّة فقط من الأفراد متسقون ومرنون، تماماً كما أنّ قلة من الأشخاص عسر. كيف إذاً يمكن للقادة الحصول على قدر متوازن من هذه السمات؟

أولاً، لنُعد صياغة عبارة سقراط “اعرف نفسك”. هل أنت أقرب للاتساق أم للمرونة؟ هل لديك قدرة طبيعية على التركيز العميق أو الإتيان بأفكار جديدة؟ هل تزدهر في مواقف الفوضى والتغيّر المستمر أو في الفترات التي تتطلب سعياً لا يكل لبلوغ هدف محدد بوضوح؟ إن كنت في شك، اسأل زوجتك أو أفضل أصدقائك أو أقرب زملائك. وتذكر أنّ معرفة وفهم ميولنا أساس تطورنا.

متسلحاً بهذا الفهم، احط نفسك بأشخاص يكمّلون خصالك. بالنسبة للمدير، من الحكمة إيجاد شخص قوي يكون “الرقم اثنان” يتحقق على الدوام من أسوأ اندفاعاتك ويعزز من قواك. إن كنت حقاً شخصاً مرناً ورؤيوياً، فاعثر على نائب أو زميل منظم ومنهجي وملتزم. وإن كنت شخصاً يثبت على ما يعمل عليه، فاعثر على صوت قوي للمرونة في فريقك أو مرشداً يحفزك على الابتكار مهما صاحب ذلك من إحباط. ومكّن الأشخاص الذي يرفعون صوتهم ويتحدونك.

كمّل هذا النموذج التنظيمي بنظام عملياتي. كي تضمن الاتساق، طوّر لوحات تحكم قوية وبطاقات للأداء المتوازن (balanced scorecards) كي تتأكد من اتساق النتائج المحققة واستمرار تحسينها. كي تضمن المرونة، طور نموذج تخطيط مرن يسمح للشركة بالتغيير خارج عمليات التخطيط السنوي الرسمية وخلق عملية سنوية للتخطيط الاستراتيجي تنظر للأمام خارج البيئة المحيطة وتفرض على المؤسسة التأمل في الأفكار الكبرى. أما كفرد، فافعل الشي نفسه من أجل مصلحتك، كتمرين تجريه في نهاية السنة ربما كي تتأكد من دقة توجهك نحو الأهداف والطموحات الصحيحة كقائد.

وأخيراً، بعد أن أصبح هؤلاء الأشخاص وهذه الأنظمة كل في مكانه، اسع للتعلم والنمو. إن كنت مفكراً مرناً بالفطرة، قد لا تكون مدير العمليات الأكثر اتساقاً (ترى دراسة ألا تحاول عكس ذلك)، لكن بإمكانك أن تصبح أفضل. يمكنك عادة فعل ذلك ببساطة بالملاحظة الواعية لما يجري حولك ومن ثمّ إجبار نفسك على التعلم والتطور. دوّن ملاحظاتك حول السمات التي تقدرها في الآخرين – تلك التي تكمّل ما لديك- واعثر على طرق للتمرن عليها.

كقادة، جميعنا مجبرون على موازنة الاتساق مع المرونة في حياتنا المهنية وفي مؤسساتنا التي نخدمها. هل تفعل هذا اليوم؟ إن لم تكن، فهل تفهم نفسك وهل تفكر في ما حولك من أشخاص وأنظمة يمكنها مساعدتك للانتقال نحو توازن أكبر؟

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz