لاجتياز الأزمة الحالية ينبغي لك ولفريقك التحلي بالمرونة. والخبر الجيد هو أن بإمكان القادة المساعدة في تهيئة الظروف التي تجعل تحقيق ذلك ممكناً. فقد أجرينا عدة دراسات على مجندين في البحرية الأميركية وعلمنا من خلالها أفضل طريقة للقيام بذلك. ومؤخراً، من خلال دراسة كيفية استجابة القادة للأزمة، تعرفنا على قصص قيّمة حول كيفية تحقيق ذلك حتى إن كان أعضاء الفريق يعملون عن بُعد. فالسبيل إلى تحقيق ذلك هو التركيز على أمرين: أعضاء الفريق ووجهات النظر.

خلال شهر رمضان المبارك فقط: استفد من خصم 30% على الاشتراكات الرقمية السنوية والنصف سنوية

فيما يتعلق بأعضاء الفريق، اعرف عوامل المرونة الخاصة بفريقك

هناك ثلاثة "عوامل حماية أو عوامل تيسيرية" (كما يسميها علماء النفس) تتنبأ بما إذا كان الأشخاص سيتحلون بالمرونة والقدرة على التحمل في وجه الأزمات، وهي: وجود مستويات عالية من الثقة في قدراتهم، واتباع روتين منضبط في عملهم، وتوافر الدعم الاجتماعي والأسري. من الناحية المثالية، يجب أن يكون لديك بالفعل معرفة جيدة بحال فريقك فيما يتعلق بتلك العوامل، وخاصة العاملَين الأولين. ولكن قد تغدو بعض العوامل ضعيفة أثناء تلك الأزمة. لذا من أول الأشياء التي يمكنك القيام بها هي بناء "آلية لمتابعة مخزون المرونة" من خلال الاطمئنان على مرؤوسيك كل على حدة مع سؤالهم بشكل مباشر عن مدى ارتياحهم للعمل عن بُعد وكيف يخططون لجدولة المواعيد في أيام العمل وكيف يمكنك دعمهم للوفاء بأي التزامات تتعلق بالحياة أو الأسرة. لتقديم الدعم فيما يتعلق بتلك الالتزامات، تحدث مؤخراً الشريك الإداري في إحدى شركات المحاماة مع جميع المحامين في الشركة كل على حدة لسؤالهم عن أوضاعهم، وسألهم بوجه خاص عما إذا كانوا بحاجة إلى رعاية أي شخص مسن أو معرض للخطر. ثم أعاد توزيع عدد القضايا والدعم الذي يقدمه مساعدو المحامين لمساعدة المحامين المعرضين لخطر الإصابة بالإرهاق.

التحديات الجديدة الكثيرة التي تواجه مرؤوسيك قد تزعزع ثقتهم ولكن يمكنك تعزيزها من خلال التعبير عن إيمانك بهم. فمثلاً أخبرتنا مهندسة ميكانيكا كانت تشك في قدرتها على العمل عن بُعد كم ساعدها على استعادة ثقتها بنفسها أن يخبرها مديرها ببساطة أنه يحترم القرارات التي اتخذتها والعمل الذي أنجزته، وأن أي أخطاء ارتكبتها ما هي إلا وسائل لتحسين الأداء.

سيتطلب العمل من المنزل على الأرجح إرساء روتين جديد واختبار لقدرة موظفيك على التركيز. كما ينبغي لك أن تفكر في كيفية مساعدة فريقك على التكيف مع هذا الوضع. على سبيل المثال، طالب أحد مدراء معالجة القروض بإجراء اختبارات جودة بشكل أكثر تكراراً بينما يعتاد مرؤوسيه على العمل عن بُعد. وفي حين أن ذلك قد يبدو من أساليب الإدارة التفصيلية، إلا أن أحد الضامنين في الفريق أخبرنا أن هذا الإجراء طمأنه وساعد فريقه على "التمهل وعدم الاستعجال" على الرغم من أنهم تحت ضغط شديد. ويمكن أن يقترح القادة الاستعانة بتقنيات تقسيم الوقت واستراتيجيات الإنتاجية الشخصية الأخرى للتشجيع على بناء عادات العمل المنضبط.

يمكن للقادة أيضاً أن يشدوا من أزر فرقهم من خلال إظهار تعاطفهم. فقد رأينا مدراء يظهرون تعاطفهم لمرؤوسيهم من خلال إعطائهم من وقتهم وإبداء الاهتمام ومساعدتهم في الحصول على المعدات واللوازم المكتبية التي يحتاجون إليها لأداء وظائفهم في المنزل، وأيضاً من خلال توفير ترتيبات خاصة للموظفين المعرضين لخطر شديد لأنهم يعانون من مشكلات صحية كمرض السكري. وبصفة خاصة من المهم أن تُظهر لأعضاء فريقك أنك تهتم لأمرهم بصدق، ليس لأنهم أعضاء في فريقك فحسب بل لأنهم بشر في المقام الأول. فعلى سبيل المثال، قبل تنفيذ إجراءات العمل عن بُعد على نطاق واسع أثناء انتشار فيروس "كوفيد-19″، حصلت مديرة في شركة كبيرة للنفط والغاز بصورة استباقية على إذن من الإدارة العليا لكي يعمل فريقها عن بُعد وناقشت خطة الانتقال مع كل عضو في الفريق. وقال أحد مرؤوسيها، مسلطاً الضوء على اهتمامها الشخصي بكل عضو في الفريق، أن أفعالها ساعدته على الشعور "بأنه عضو حيوي ومساهم في الشركة".

إذا كان معدل توافر عوامل المرونة لدى فريقك مرتفعاً فهذا شيء رائع، ولكنه لا يجعلك تفترض أنهم بمأمن من الخطر. فالأشخاص الذين يتمتعون بالمرونة للغاية يندفعون صوب الإجراءات وما يستطيعون التحكم به، ونتيجة لذلك من الممكن إصابتهم "بالذعر من العمل" والإرهاق الشديد أثناء أوقات الأزمات. لذا سيتعين عليك اتخاذ تدابير بغية الحفاظ على مرونتهم. وحاول أن تركز طاقتهم على المبادرات الاستراتيجية.

فيما يتعلق بأعضاء الفريق، شجّع على إجراء المناقشات التي تهدف إلى زيادة المرونة

أظهرت مجموعة كبيرة من البحوث أن الطريقة الأكثر فاعلية لزيادة المرونة في العمل هي من خلال تقديم التدريب الفردي المكيّف حسب الاحتياجات. تشير نتائج تجربة ميدانية أجريناها على ما يقرب من 400 مجند في البحرية الأميركية عام 2015 إلى قوة هذا النوع من التدريب أيضاً. في تلك التجربة طلبنا من المجندين أن يقيّموا مستوى مرونتهم وقدرتهم على التحمل في بداية أحد المعسكرات التدريبية، و(في منتصف فترة المعسكر) شارك نصف عدد المجندين في جلسة لتدريب الأقران وجهاً لوجه، وهو ما نطلق عليه "مناقشة موجّهة"، أما النصف الآخر من المجندين فقد تُرِكوا ليتدبروا الأمر بأنفسهم. في المناقشات الموجّهة، طُلب من المجندين مشاركة تجارب إيجابية مع بعضهم البعض، ومقارنة التحديات وكيفية تعاملهم معها، وتخيُّل مستقبلهم عندما يصبحون بحّارة. ونتيجة لذلك شهد المجندون الذين أجروا تلك المناقشات زيادة كبيرة في المرونة والقدرة على التحمل بنسبة 20%، بينما لم تزدد لدى مجموعة الضبط سوى بنسبة 1%.

بصفتك مديراً ربما أجريت مناقشات موجّهة مع كل من مرؤوسيك المباشرين بنفسك ولكن قد يستغرق ذلك وقتاً طويلاً، كما أن التفاوت في السلطة بينك وبينهم قد يجعل تلك المناقشات غير متوازنة. لذا فنحن نوصي بأن تشجع أعضاء فريقك على إجراء مناقشات موجّهة فيما بينهم بصفة منتظمة. ربما تضطر أيضاً إلى تحديد الأقران وطلب إجراء محادثات مجدولة عبر الفيديو. مثلما حدث مع المجندين في دراستنا، يمكن لأعضاء فريقك التحدث حول تجاربهم الناجحة وكيف يعالجون المشكلات وما تعلموه خلال الأزمة ولا يزال بإمكانهم تطبيقه عندما تعود الأمور إلى طبيعتها، وهي خطوة نرى أنها ضرورية. فالأشخاص بحاجة إلى تذكيرهم بأن الأمور ستستقر وبأن يتخيلوا ما سيصبحون عليه بعد مرور الأزمة.

فيما يتعلق بوجهات النظر، اطرح أسئلة

يرى علم الأعصاب أن مشاعر الخوف والقلق التي نشعر بها بسبب فيروس "كوفيد-19" من الطبيعي أن تحد من قدرتنا على رؤية مستقبلنا وتصوُّر حلول خلاقة لمشكلاتنا. ولكن هناك أسئلة يمكن للقادة طرحها لمجابهة تلك الآثار.

أولاً، يمكنك مساعدة أعضاء فريقك على مواجهة الواقع، حيث إن تقبُّل الأمور كما هي يُعد عنصراً أساسياً لبناء المرونة. على سبيل المثال، لاحظ اللواء البحري جيم ستوكديل، الذي أُسِرَ أثناء حرب فيتنام، أن المتفائلين من زملائه المسجونين (هؤلاء الذين توقعوا أن يتم إنقاذهم بسرعة) لم ينجوا، حيث قال: "أعتقد أن جميعهم ماتوا بقلب مفطور". لذا اسأل مرؤوسيك المباشرين عن الخطط التي وضعوها للعمل عن بُعد لفترة أطول من المتوقع. وفي حين أنهم قد لا يشعرون بالراحة تجاه الحديث عن مثل هذه الأمور، إلا أنهم سيتجاوزون الأزمة بشكل أفضل إذا ساعدتهم على التخطيط بطريقة بنّاءة.

يمكنك أيضاً أن تذكّر أعضاء الفريق بأنه يمكنهم الاعتماد على الآخرين والتعاون معهم، بأن تسألهم مَن في فريقهم أو داخل المؤسسة أو داخل شبكة علاقاتهم يمكنه تقديم المساعدة لهم، حيث إن تذكيرهم بأنهم ليسوا وحدهم وأن عليهم بناء شبكة دعم أثناء الشدائد، يمنحهم القوة. (والزملاء الذين يقدمون المساعدة سيستفيدون أيضاً، لأن مساعدة الآخرين من الأشياء التي تزيد المرونة لدى الأشخاص، كما يرى علماء النفس).

فيما يتعلق بوجهات النظر، أوجد فرصاً للتعلم

في دراسة طولية أخرى أُجريت على ما يقرب من 200 مجند في البحرية الأميركية أثناء التدريب في عام 2015، وجدنا أنه عندما نظر المجندون إلى تجاربهم الفاشلة على أنها فرص للتعلم، وليست عبارة عن سلسلة من الإخفاقات، فقد ساعدهم ذلك على بناء المرونة. تناول روبرت توماس في كتابه "بوتقة القيادة" (Crucibles of Leadership) نهجاً أطلق عليه "إعادة صياغة الشعور بالتوتر والقلق"، من خلال التركيز على فرص التعلم الكامنة في الأزمة على الرغم مما نعانيه خلالها. وهذا هو ما يفعله أساتذة الجامعات الآن، فبسبب عدم إمكانية التدريس في الفصل الدراسي، سرعان ما أصبحوا خبراء في التدريس والتعليم عن بُعد. والسؤال الآن: هل من الممكن بعد مرور هذه الأزمة أن تصبح الجامعات أكثر استعداداً وقدرة على إتاحة برامج لنيل الدرجات العلمية عن بُعد بشكل كامل مع الاستمرار في الحفاظ على تقديمها بجودة عالية؟

من الأمور الأخرى التي يمكنك فعلها هي مساعدة مرؤوسيك المباشرين على اكتشاف المواهب أو المهارات الخاصة التي قد تكون مفيدة في وقت الأزمة على وجه التحديد. على سبيل المثال، بما أن فريقك انتقل إلى العمل عن بُعد، إذا كان هناك عضو بعينه بارع في التعامل مع المشتتات، يمكنك أن تجعله يقدم تدريباً عن بُعد للآخرين. وعندما يرى كل عضو في الفريق كيف أن مهاراته الخاصة تساهم في تقديم النفع لبقية أعضاء الفريق، ستزداد ثقة الفريق وكذلك مقدار الدعم الاجتماعي.

ستتعلم الفِرق المرنة كيفية الارتجال معاً في طرق العمل الجديدة تلك. وبما أن ذلك سيتطلب إدخال تعديلات مستمرة، نوصي بأن تستفيد من العمليات الرشيقة وتعقد عن بُعد اجتماعاً قصيراً يومياً. ولكننا نقترح ألا تركز فيه على المهام فقط، ولكن على العلاقات أيضاً، أي أن تستخدم الاجتماع باعتباره وسيلة لزيادة الترابط بين أعضاء الفريق. على سبيل المثال، يمكنك مشاركة أفكار حول تسليم المهام بالفريق وكيفية التأكد من أنها لن تتأخر عن موعدها. ويمكنك أيضاً إدارة نقاشات حول مدى السلاسة التي يسير بها العمل وما هي العمليات التي يمكن تحسينها، وما شابه ذلك. فتسليط الضوء على ما يتعلمه الفريق خلال الأزمة سيمنحه القوة بصورة جماعية فيما يتعلق بعوامل الحماية الثلاثة جميعها: الثقة في قدراتهم واتباع روتين منضبط في عملهم والحصول على الدعم.

الأزمة هي أيضاً فرصة لبناء المرونة والقدرة على التحمل لدى مرؤوسيك، وإذا طبّقت الأساليب التي عرضناها لك في هذا المقال، ستجد أن الأمر لن يقتصر على التعافي من آثار الأزمة واجتياز هذه الأوقات العصيبة، ولكنهم أيضاً سيصبحون أكثر قوة على كافة الأصعدة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2020

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!