مثلما يختلف الناس في الطول، والمواهب، وحس الفكاهة، فإنهم يختلفون أيضاً في قدرتهم على فهم كيفية رؤية الآخرين لهم. وتُنسب هذه الاختلافات عادة إلى الوعي الذاتي، غير أنّ الاسم الأكثر ملاءمة لهذه القدرة هو "وعي الآخر": أي إدراك طريقة تأثير تصرفاتنا على الآخرين وكيفية تقييمهم لها.

ليس من المستغرب توافر الوعي الذاتي في كل نماذج القيادة. فالقادة، في نهاية الأمر، مكلفون بالتأثير على فرق عملهم وإشراكهم في الأنشطة. ولذلك فمن الضروري أن يفهم هؤلاء كيف تؤثر سلوكياتهم على الآخرين. إذ يتعين، على سبيل المثال، على القادة أن يقرروا أي الطرق أكثر فعالية في تحفيز موظف ضعيف الأداء: هل يكون ذلك من خلال الآراء والملاحظات الإيجابية أو السلبية مثلاً؛ وما هي الطريقة المثلى لإيصال رؤيتهم للمتابعين لهم من خلال تقديم رسالة تحمل معنى وتشعرهم بالهدف وتبين لهم كيفية التصرف كسفراء للعلامات التجارية لمؤسساتهم. ولا يمكن تحقيق أي من هذه الأمور بفعالية ما لم يكن القادة قادرين على التنبؤ بطريقة تصرف المتابعين لهم وفرق عملهم ومؤسساتهم.

ومع ذلك، فإنّ الوعي الذاتي نادر الوجود. وتشير البحوث النفسية، على سبيل المثال إلى وجود تداخل بنسبة تقل عن 10% بين الكفاءة الفعلية للأفراد وتلك التي يعتقدون أنهم يمتلكونها؛ وغالباً ما يكون سبب ذلك أنّ الأفراد ليسوا بالبراعة التي يظنونها في أنفسهم. هذا التوجه للشعور غير المبرر بالرضا عن الذات يتفاقم في القادة، لأسباب ليس أقلها أنّ الأشخاص غالباً ما يتم ترقيتهم إلى مناصب قيادية بناء على ثقتهم بأنفسهم وليس اعتماداً على كفاءتهم، وبخاصة الذكور. وفي هذا الإطار، لطالما أشار خبراء علم النفس التطوري إلى أنّ أحد أسباب انتشار خداع الذات هو أنه يساعد الأفراد على خداع الآخرين. فعندما تعتقد أنك أفضل مما أنت عليه بالفعل، فإنك على الأرجح لن تُظهر حالات كثيرة من الشعور بعدم الثقة، الأمر الذي سيجعل الأخرين يعتقدون خطأً بأنّ ثقتك بنفسك هي كفاءة، ليس إلا.

إذا كان الوعي الذاتي نادراً جداً في القادة، فمن المرجح أنّ معظم الأشخاص سيعملون في مرحلة ما مع مدير يفتقر إلى ذلك الوعي. فإذا كان هذا هو حالك، فأنت لست وحدك! إليك ثلاث توصيات تم استنتاجها من بيانات تتناول كيفية التعامل مع هؤلاء القادة:

أولاً: قدم لهم المساعدة

على الرغم من أنّ الآراء والملاحظات التي تأتي من القاعدة إلى القمة، أي عندما يقوم المرؤوسون بتقييم قادتهم، تكون صادمة إلى حد كبير، غير أنها تُعتبر البيانات الأكثر قيمة للحكم على أداء القادة. ويمكنك، دون أن تفرّط في النقد أو تبالغ في الصراحة، مساعدة مديرك في العمل على فهم طبيعة شعور الفريق أو المؤسسة، وذلك بتقديم قراءة اجتماعية للموقف، وهي قراءة قد تكون غائبة عن مديرك. وعندما لا يكون القادة مجردين كلياً من الوعي الذاتي، بمعنى أنهم على الأقل يقبلون التوجيهات نوعاً ما، فإنّ هذا النهج سيساعدهم على فهم جوانب أساسية تخص فرق عملهم ومؤسساتهم، والتي ربما لم يكونوا قادرين على فهمها بصورة طبيعية. ولكن طالما أنّ لديهم الفضول والتواضع الكافيين للتعلم، وطالما أنك تتمتع بمهارة كافية للتصرف بحيث تحظى باهتمامهم، فقد ينتهي بك الأمر إلى تعزيز وعيهم بذواتهم من خلال وعيك بذاتك. إذن، عليك أن تكون العدسة التي يمكن لمديرك أن يفهم من خلالها مكان العمل بشكل أفضل. ولكن من المهم جداً أن تقترح ذلك بلباقة لا أن تفرض وجهة نظرك بحدة على مديرك في العمل. على سبيل المثال، يمكنك تقديم ملاحظات مثل: "هل لاحظت أنّ طارق يشعر ببعض الاكتئاب اليوم؟"، "هل لاحظت أنّ سعاد مرهقة جداً؟"، أو يمكنك أن تقول ببساطة: "هل تمانع في تقاسم بعض الملاحظات عن هالة معك؟"

يتناول الاقتراحان التاليان حالات أكثر صعوبة.

ثانياً: تعلم التعامل مع الجانب السيء في شخصياتهم

عندما يفتقر القادة إلى الوعي الذاتي، فإنهم غالبا ما يفرطون في التصرفات المؤذية أو غير المرغوب فيها. ويرجع ذلك إلى أنهم لا يمكنهم كبح جماح أنفسهم أو لأنهم لا يملكون القدرة على احتواء أنفسهم. وكي نكون صريحين فإنّ كل فرد لديه جانب مظلم في شخصيته، ولكن عندما يتمتع القادة بوعي ذاتي فإنهم يعمدون إلى مراقبة تصرفاتهم بشكل أكثر فاعلية كما يتعلمون كيفية التحكم في ميولهم الصعبة وإبقاء تلك الصفات السيئة في شخصياتهم تحت السيطرة. إذا كنت تعمل مع مدير لا يملك الوعي الذاتي فستكون مهمتك الرئيسية هي تنمية مخزون فعال للتعامل مع جانبه المظلم. فيمكن، مثلاً، توقع أن يتخذ المدير الجريء قرارات مفرطة في الثقة ومتهورة وأن يتجاهل الآراء والملاحظات السلبية (حتى من رؤسائهم)، وأن يهيمنوا على الاجتماعات والمناقشات. إنّ أفضل ما يمكنك فعله إذا كنت تعمل مع مدير أناني ومغرور كهذا هو أن تقوم بتعويض تصرفاته الطبيعية الرعناء بالبقاء متنبهاً للمشاكل والمخاطر التي تحدث ومحاولة معالجتها.

ومن ناحية أخرى، إذا كان المدير شخصاً انتهازياً يستخدم سحره للتلاعب بالآخرين وترسيخ ثقافة سياسية بامتياز في مكان العمل، هنا يكون من المجدي ممارسة السياسة للتعامل مع هؤلاء المدراء، إلا أنك ستحتاج لإيجاد التوازن بين الوجود ضمن المجموعة التي يثق بها مديرك والقريبة منه، ولكن دون اقتراف تصرفات غير أخلاقية أو غير اجتماعية تجاه زملائك. ويمكن أن تعمل لدى مدير خيالي يُخرج الأمور عن مسارها كونه غريب الأطوار، وأفكاره غير مجدية، ويقفز من مشروع إلى آخر دون القدرة على التركيز أو التنفيذ. في هذه الحالة، ستحتاج لتكييف نفسك للعمل كمدير مشروع يهتم بالتفاصيل بحيث يمكنه استكمال عمل هذا النوع من المدراء، ومن أجل ترجمة بعض فوراته الخيالية إلى نتائج مبتكرة.

باختصار، يمكن أن يبالغ المدراء الذين يفتقرون للوعي الذاتي في استخدام قدراتهم لدرجة تحويلها إلى نقاط ضعف. ولكن إذا تمكنت من التكيّف مع هذه الميول غير المجدية وتخفيفها بتصرفات عكسية، سيساعد ذلك مديرك وفريقك على أداء العمل بفاعلية أكبر.

ثالثاً: تعلّم التعايش مع تشويههم للواقع

عندما يكون المدراء نرجسيين جداً أو متوهمين بأنهم مُدربون على الوعي الذاتي، فإنّ أفضل ما يمكنك القيام به هو أن تدرك مدى دقة تشويههم للواقع وأن تتعلم التعايش مع ذلك، لا أن تتحداه. وحتى عندما يكون الأشخاص غير عقلانيين، سيبقى بالإمكان التكهن إلى حد كبير بما سيفعلونه، ولذلك يجب أن يكون هدفك الرئيس هو اكتشاف الأنماط الافتراضية لتفكير مديرك وشعوره وتصرفاته والتكيّف معها. وللأسف، يتطلب هذا توفير إثبات وهمي لتخيلاتهم، غير أنّ هذا يبقى، بالتأكيد، بديلاً أفضل لحياتك المهنية من محاولة اطلاع مديرك على واقع الحال أو التشكيك بنظرته للعالم. في الواقع، حتى عندما يكون القادة نرجسيين، فإنهم يفتقرون غالباً إلى الشعور بالأمان ويحتاجون لتأكيد فاعلية وجدوى وجودهم. ستكون علاقتك بمديرك أفضل إذا نجحت بأن تعزز نظرته إلى نفسه، لكن تذكر ألا تغيب أنت أيضاً عن الواقع!

وفي حين تحاول هذه الاقتراحات الثلاثة التخفيف من المشاكل التي يسببها المدراء الذين يفتقرون إلى الوعي بذواتهم، إلا أنها تتطلب أن يكون لديك بعض الوعي بذاتك، وهذا الأمر لا يمكن اعتباره من الأمور المسلم بها في جميع الأشخاص. وبطبيعة الحال، غالباً ما يظن الناس الذين يفتقرون إلى الوعي الذاتي أنهم يتمتعون بذلك الوعي. لذا، إذا كنت تريد أن تعرف أين أنت من ذلك، ما عليك سوى الحصول على ملاحظات نقدية من الآخرين بشأن مهاراتك ومواهبك ومن ثم تعديل نظرتك لنفسك وفقا لتلك الملاحظات.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!