يُظهر نوع من أنواع طيور الزرزور مزيجاً نادراً من السرعة والتناغم في العمل من ضمن أسراب ضخمة. تتوافق هذه الطيور مع بعضها برشاقة ملحوظة تُمكّنها من العثور على الطعام وتجنب المخلوقات المفترسة، وتفعل أسراب السمك الشيء ذاته. الجدير بالملاحظة في هذه الأسراب هو عدم وجود قائد يقودها، وبدلاً من ذلك، يتبع كل طائر 3 قواعد بسيطة: (1) تحرك إلى الوسط، (2) إلحق بجارك، (3) لا تتصادم. تُمكّن هذه القواعد كل طير من العمل باستقلالية مع ضمان عمل المجموعة بشكل متناسق.

تحاول كل مؤسسة في عالم اليوم تحقيق الموائمة والاستقلالية، لكن هل يمكن تطبيق ما يصلح للطيور والأسماك على المؤسسات البشرية؟ يأتي الجواب من مكان قد يكون مُفاجئاً: من ساحة المعركة، فعلى مدى القرون، طورت الجيوش أساليب لإدارة حالة الإرباك والفوضى في الحروب (the fog of war). يحتاج قادة الجيوش إلى التأكد من التوافق مع الاستراتيجية، بينما يحتاج الجند إلى الاستقلالية الكافية للاستجابة للظروف المتغيرة، وفي هذا السبيل قامت الجيوش بتقديم حل مكون من جُزأين:

يقوم القائد بالإفصاح عن قصده من العملية والظروف التي تؤدي إلى نجاح المهمة.

تُحدد العقيدة العسكرية كيفية قيام الجنود باتخاذ القرارات التي تَصُب في مصلحة تحقيق هذا القصد.

من المهم في هذا المقام توضيح التعريف الرسمي للعقيدة العسكرية: “هي المبادئ الأساسية التي تُمكّن القوات العسكرية من توجيه أعمالها لدعم الأهداف الموضوعة، وهي سلطوية في صُلبها لكنها تتطلب استخدام الحكم السليم أثناء التطبيق.”

بالنسبة لسرب الطيور، القصد هو الوصول إلى مناطق التكاثر، ويعني هذا العثور على الطعام، واتباع المسار الصحيح، والبقاء على قيد الحياة. هذه القواعد الثلاثة البسيطة هي العقيدة العسكرية للسرب، وهي لا تُخبر الطائر عن الاتجاه الواجب اتباعه، ولكنها توجهه نحو الفعل المطلوب اتخاذه (التحرك إلى الوسط، إتباع الجار).

يمكننا العثور على العقيدة العسكرية في أماكن بعيدة عن ساحة المعركة، وخصوصاً في الديمقراطيات الدستورية. على سبيل المثال، يصف إعلان الاستقلال، في الولايات المتحدة، القصد بأنه “الحياة، والحرية، والسعي لتحقيق السعادة.”، وهناك عدد كبير من القوانين والقواعد واللوائح التي تُحدد ما يمكن للمواطن فعله من عدمه، ويقوم الدستور بالعمل في وظيفة العقيدة العسكرية، حيث هو سلطوي في صلبه لكنه يتطلب استخدام الحكم السليم أثناء التطبيق، وعلى أرض الواقع، يتم تكليف جميع أذرع الحكومة بواجب التفسير والتطبيق.

في عالم الأعمال، نجد أن العقيدة مفقودة بشكل ملحوظ. صحيح أنه يوجد لكل مؤسسة مهمتها، وأهدافها، واستراتيجياتها التي توجه العاملين فيها، ولديها كذلك قواعد وسياسات وإجراءات تبين للموظفين ما يتوجب عليهم القيام به، لكن قليلة هي تلك المؤسسات التي يوجد فيها عقيدة شاملة، وواضحة، ومؤطرة تُمكّن الموظفين من اتخاذ القرار في جميع أنحاء المؤسسة، وبدون هذه العقيدة، من المستحيل على المدراء السماح للآخرين باتخاذ القرارات بدون فقدانهم للسيطرة. بدلاً من ذلك، يعتمد القادة على الإشراف والمراقبة النشطة، لكن تكمن الفرصة في استبدال الاجراءات التي تسيطر على السلوك بمبادئ تُمكّن الآخرين من اتخاذ القرارات.

بالرغم من ندرتها في عالم الأعمال، هناك شركات استطاعت التحول من الأساليب الإدارية المبنية على الاجراءات إلى تلك المستندة على المبادئ، فلدى موسوعة ويكيبيديا 5 أركان، بينما اعتنقت شركة “Red Hat” مبادئ المصدر المفتوح، وصُمِّمت شركة “فيزا” للاستفادة من الفوضى والنظام، ولدى “جوجل” مبادئ الابتكار التسعة الخاصة بها، بينما تمتلك “أمازون” مبادئ القيادة الخاصة بها. تتحدث “أمازون” عن مبادئ القيادة فيها بقولها: “مبادئ القيادة لدينا ليست مجرد لوحة مُلهمة نعلقها على الجدران، حيث تعمل هذه المبادئ بجد من ضمن المؤسسة، كما يفعل الموظفون، ويستخدمها الأمازينيون (*نسبة إلى موظفي شركة أمازون) كل يوم سواء أكانت في مناقشة مشاريع جديدة، أو في اتخاذ القرار حول أفضل الحلول لمعضلة لدى العميل، أو في مقابلة المرشحين للوظائف.”

تُساعد مبادئ اتخاذ القرار الجيد الآخرين على اتخاذ القرارات اليومية في سياقات متعددة، لكن من المهم معرفة الفرق بين القيم والأهداف ومبادئ اتخاذ القرار: القيم هي الأمور المهمة بالنسبة لك، بينما الأهداف هي ما تريد أن تراه في هذا العالم، أما المبادئ فهي ما يساعدك على اتخاذ القرارات. إذاً “حُسن التدبير” قيمة، و”توفير المال” هدف، بينما “إنفاق أموال الآخرين كما لو أنها لك” مبدأ.

أحد الفروق بين القيم والمبادئ هي الخصوصية. يمكن للمبادئ أن “تبني أعشاشها” داخل مبادئ أخرى، مثل الدمى الروسية (*دمى بعضها داخل بعض). لدى “أمازون” مبدأ أساسي وهو “هوس العميل” والعمل من الوراء (إنطلاقاً من المستهلك) إلى الأمام، طبعاً لهذا المبدأ معاني مختلفة لدى كل قسم في الشركة من تطوير المنتجات، والتسويق، وخدمة العُملاء. يوجد لدى “ويكيبيديا” مبادئ محددة للمؤلفين مُضمّنة داخل الأركان الخمسة العامة. هناك أيضاً مبادئ عامة عالمية تحكم حركة “البرمجيات الرشيقة”، ومبادئ محددة للممارسات، مثل أطر العمليات الرشيقة (Kanban وscrum).

لكن يجب أن تكون على وعي بأن التحول إلى الادارة المبنية على العقيدة والمبادئ هي أكثر من مجرد أسلوب (tactic)، بل طريقة جديدة في التفكير بموضوع الإدارة، وبدلاً من اتخاذ القرارات نيابة عن الآخرين، أو تفويض تلك القرارات، تعمل على صنع مبادئ مع الآخرين تمكنهم من اتخاذ القرارات بأنفسهم. نموذج حوكمة موزع (distributed governance model) للمؤسسات المترابطة.

في الوقت الراهن، تسير خدمة السلطة الرقمية (digital power service) من شركة جنرال الكتريك GE))، على نفس المنوال، ومثل غيرها من الشركات، رأت شركة “Current” الحاجة لتطوير ثقافتها المؤسسية، فقامت بتعريف القيم الخاصة بها، ووضعها في أنماط سلوكية، وبنائها في النظم والبنى الخاصة بالشركة، وكما تقول “بيثاني نابولي” الرئيسة الدولية للموارد البشرية في الشركة، “كان أمر اتخاذ الخطوات اللازمة للعمل يقع على عاتق القيادة للتنفيذ، ووجدنا أنفسنا في نظام يقوم بقياس ما تُحدده القيادة على أنه الطريقة “الصحيحة” للتصرف. أرادت “Current” بناء ثقافة تُمكّنها من التحرك بطريقة أسرع، وتدعم النمو المتصاعد للشركة، فقامت بتحويل تركيزها من القيم والسلوكيات إلى المعتقدات الثقافية ومبادئ اتخاذ القرار، ووفقاً لـ “بيثاني”، “فإن التوجه نحو صنع هذه المعتقدات والمبادئ المرتبطة بها هو ما صاغ الوعد بالتغير الثقافي العضوي والحقيقي. نحن على طريق التحول من الأنماط النموذجية في صنع الثقافة عن طريق تعريف الخصائص وإدارتها من خلال النظم والهيكليات، نحو بنائها عضوياً من خلال الحوار والتمكين والمشاركة.”

وللبدء في هذه الرحلة، ننصح القادة باتخاذ الخطوات التالية:

القصد: إعادة النظر في مهمة المؤسسة. هل تُعتبر هذه المهمة قصداً مشتركاً حقيقياً؟ هل يوجد شروح تُبين كيفية تحقيق هذا القصد؟

المبادئ: البدء بالقيم الموجودة في المؤسسة، وتحويلها إلى مبادئ لاتخاذ القرارات، والعمل على إيجاد قرارات مُتخذة في العالم الحقيقي ومن ثم الهندسة العكسية لأكثر المبادئ فعالية.

المُحفّزات: العثور على مُحفِّزي التغيير الذين بإمكانهم مؤازرة المؤسسة في تطوير المبادئ، ومساعدة الموظفين على تطبيقها عند اتخاذ القرارات اليومية، وربط مُحفِّزي التغيير معاً كي يقوموا بالتعلم سوية.

ضع نصب عينيك أن هذه العملية ذات طبيعة تكرارية، فعند اتخاذ القرارات التي لا تتماشى مع المهمة أو الاستراتيجية، أدرس الموقف بعناية، فقد يكون السبب في أن الشخص المعني هو المسؤول، لكن هناك احتمال كبير في أن المؤسسة تفتقد للمبادئ الصحيحة وتحتاج لصنع عقيدة جديدة، أي أن الهدف هو إدارة المبادئ أكثر من إدارة الأشخاص.

وعن طريق صُنع الطبقة المفقود في مبادئ اتخاذ القرارات، يُمنح القادة الفرصة لتمكين الآخرين من اتخاذ القرارات دون تعرضهم لفقدان السيطرة، وفي إضافة الهيكليات دون خسارة الزخم. هي طريقة لتجاوز الحاجة للمفاضلة ما بين التوافقية والاستقلالية، وفي صنع ثقافة مبنية على المبادئ لا الإجراءات والتي تصلح للعمل كما في حالة الطيور والاسماك والجنود في ميدان المعركة.

لربما حان الوقت للمؤسسات لتجربة هذا الأمر.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!