هارفارد-بزنس-ريفيو-المدراء-وإرشاد-الموظفين

جوزيف ر. فاينراوب وجيمس م. هونت

ثمّة مدراء يؤدّون دور المرشد مع موظفيهم، وثمّة مدراء لا يؤدّون هذا الدور. وليس القادة الذين ينتمون إلى الفئة الثانية من هؤلاء المدراء بالضرورة مدراء سيئين، بيد أنهم يهملون بذلك أداة فعّالة تساعد في تطوير الموظفين الموهوبين. وكنّا قد أجرينا أبحاثاً حول المدراء الذين يقدّمون الإرشاد والتوجيه إلى الموظفين ولتحديد الصفات التي تميّزهم. ومن بين الأشياء التي برزت بوضوح خلال المقابلات التي أجريناها مع مئات المدراء الذي يقدّمون الإرشاد إلى مرؤوسيهم المباشرين كانت الذهنية التي يتبنّاها هؤلاء المدراء: فهم يؤمنون بقيمة الإرشاد، كما أنهم ينظرون إلى دورهم كمدراء بطريقة تجعل من الإرشاد أو التوجيه جزءاً طبيعياً من مجموعة الأدوات التي يستعملونها في عملية الإدارة. ونحن هنا لا نتحدّث عن مرشدين مختّصين أو محترفين يمتهنون هذا الدور. وإنما نحن إزاء مدراء وقادة يشرفون على إدارة مجموعة من الأفراد، وهم عبارة عن أشخاص مشغولين ويعملون بجدّ كبير. فلماذا إذن يمنحون الإرشاد والتوجيه هذه المكانة الهامّة في جدول أعمالهم الممتلئ بالنشاطات؟ إليكم فيما يلي أربعة أسباب لذلك:

هم ينظرون إلى الإرشاد أو التوجيه بوصفه أداة أساسية لتحقيق الأهداف التي تطمح إليها أعمالهم وشركاتهم. فهم لا يقدّمون الإرشاد والتوجيه إلى موظفيهم لأنهم أشخاص لطفاء – وإنما هم ينظرون إلى الانخراط في عملية تطوير الأشخاص الموهوبين على أنه نشاط “أساسي” لنجاح الشركة. ومعظم المدراء سيخبرونك بأنه ليس لديهم الوقت للقيام بالإرشاد. غير أن الوقت ليس مشكلة إذا كنت تعتقد بأن الإرشاد هو “شرط لازم” وليس مجرّد أمر “من اللطيف القيام به”. وسواء كان السبب هو أنهم يتنافسون على أصحاب المواهب، أو أنهم يعملون في سوق تتّسم بقدر كبير من الاضطراب، أو أنهم يحاولون الاحتفاظ بالقادة الواعدين لديهم، أو يعملون على تعزيز قوّة اللاعبين الأساسيين لديهم، فهم يؤمنون ببساطة بأنه “يتعيّن” عليهم تخصيص الوقت لعملية الإرشاد والتوجيه.

هناك افتراضان يقفان وراء هذا الاعتقاد. الافتراض الأول هو أن من الصعب العثور على الناس الموهوبين جدّاً وتوظيفهم. فإذا كنت معروفاً بكونك مديراً سيساعد هؤلاء الناس على النجاح بقوّة، فإنهم سوف ينجذبون إليك. ثانياً، هم يؤمنون بأنّ المؤسسة لا يمكن أن تكون ناجحة بسواعد الأشخاص الموهوبين جدّاً لوحدهم. فأنت بحاحة أيضاً إلى موظفين ينجزون الأعمال الصعبة بقدر حاجتك إلى النجوم، وهم بحاجة إلى أحد المدراء كي يمدّ لهم يد العون لبناء مهاراتهم ولكي يتعاملوا مع الوقائع المتغيّرة للسوق التي يعملون فيها.

هم يستمتعون بمساعدة الناس على تطوير أنفسهم. لا يختلف هؤلاء المدراء كثيراً عن الفنانين الذين ينظرون إلى المواد، ويتخيّلون إمكانية صنع شيء أفضل وأكثر جاذبية وقيمة باستعمال هذه المواد. فهم يفترضون بأن الناس الذين يعملون لديهم لا يأتون بالضرورة إلى العمل وهم جاهزون لأداء المطلوب منهم، وإنما هم سيكونون بحاجة إلى أن يتعلّموا، وإلى أن ينموا لكي يتمكّنوا من أداء الدور المطلوب منهم، ومن التكيّف مع الظروف المتغيّرة. كما أن المدراء الذين يمارسون دون المرشد والموجّه ينظرون إلى ذلك بوصفه جزءاً أساسياً من وظيفتهم. وهم يؤمنون بأن الأشخاص الذين يمتلكون أكبر قدر من الإمكانيات، والذين بوسعهم غالباً تقديم أكبر إسهام ممكن إلى الشركة، سيحتاجون إلى مساعدتهم لكي يحققوا طموحاتهم التي غالباً ما تكون نبيلة وسامية. وكما قال لي أحد المدراء مؤخراً: “أوليست مساعدة الآخرين لكي يكونوا أكثر نجاحاً هي واحدة من المهام الرئيسية لأي مدير؟”

كما يتعيّن على المدير تكييف أسلوبه بحسب احتياجات كل فرد معيّن وأسلوبه. وهذا الأمر يحتاج بطبيعة الحال إلى الكثير من العمل من قبل المدير، ولكن مرّة أخرى، هذا أمر يُنظر إليه بوصفه جزءاً من العمل، وليس منّة أو تفضّلاً.

هم يتمتّعون بالفضول المعرفي. يُعتبرُ المدراء الذين يؤدّون دور المرشد والموجّه من الناس الذين يطرحون الكثير من الأسئلة. فهم مهتمّون بصدق بمعرفة المزيد عن كيفية سير الأمور، وما نوع المشاكل التي يواجهها الناس، وأين توجد الفجوات والفرص، وما هي الأشياء التي يجب إدخال تحسينات عليها. وهم عادة ليسوا من النوع الذي يجب أن تعلّمه كيف يطرح الأسئلة، لأن تلك الخصلة هي واحدة من نقاط قوّتهم الطبيعية. فهذا الفضول المعرفي يسهّل الحوار الذي يدور أثناء عملية الإرشاد والتوجيه، وعملية الأخذ والعطاء بين المرشد والمتعلّم والتي يشعر المتعلّم خلالها بحرية في طرح تصوّراته، وشكوكه، وأخطائه، ونجاحاته بحيث يتأمّل ويتدبّر هو والمرشد سويّة فيما هو حاصل.

هم مهتمّون بإنشاء روابط وأواصر مع الآخرين. فكما قال لي أحد المدراء المرشدين يوماً: “هذا هو السبب الذي يجعل شخصاً ما يصغي إليّ، لأنه يعتقد في تلك اللحظة بأنني أحاول فعلاً أن أضع نفسي مكانه.” فهذا النوع من التعاطف يسمح للمدير المرشد بأن يتفهّم ما يحتاجه كل موظّف، وبالتالي أن يعدّل أسلوبه بناءً على ذلك. فبعض الموظفين قد يأتون إلى عملية الإرشاد ولسان حالهم يقول: “علّمني الموضوع مباشرة، فأنا قادر على استيعابه.” في حين قد يحتاج آخرون إلى بعض الوقت للتفكير والتوصّل إلى خلاصاتهم الذاتية. فالعلاقة القائمة على الثقة والارتباط مع الآخرين تساعد المدراء على تحديد المقاربة الفضلى التي يجب عليهم اختيارها. كما أن المدراء المرشدين لا يولون أهمية كبيرة لموضوع التراتبية والهرمية في العمل. فقد قال لنا أحد المدراء المرشدين مؤخراً ما يلي: “نحن جميعاً لدينا عمل لننجزه، ونحن جميعاً مهمّون، وجميعنا قابلين للاستبدال. وفي نهاية المطاف، لا أحد فوق الآخرين. نحن نحتاج فقط إلى أن نعمل معاً لنرى ما الذي بوسعنا إنجازه.”

يعتبر تبنّي هذه الذهنية وترجمتها إلى واقع ملموس أمراً ممكناً. والأمر هنا يتعلّق بما إذا كانت نظرية المكاسب التي ستجنيها الشركة من عملية الإرشاد مغرية بما يكفي لتحفيز المدير كي يتبنّى ذهنية الإرشاد هذه. والمدراء بحاجة إلى أن يطرحوا على أنفسهم بضعة أسئلة: هل تمتلك مؤسستك (أو مجموعتك أو فريقك) المواهب التي تحتاج إليها لكي تنافس؟ وإذا كانت الإجابة هي “لا”، فلم لا؟ وهل أخطأتم أثناء عملية تعيين الموظف، أم أن الموظف لا يؤدّي العمل بحسب إمكانياته؟ فالأمر يقتصر هنا على هذه الحالة أو تلك. فإذا كان الخيار الثاني صحيحاً، فإن واجبكم يقتضي مساعدة ذلك الموظف على الوصول إلى الموقع الذي يجب أن يكون فيه.

بالنسبة للمدراء الذين يريدون أن يبدؤوا بالإرشاد والتوجيه، تتمثّل إحدى الخطوات الأولى في العثور على شخص يجيد عملية الإرشاد هذه في مؤسستكم وفي أن تطلبوا منه أن يخبركم عن هذه العملية. ما الذي يفعله بالضبط؟ اسألوه لماذا يقوم بالإرشاد والتوجيه. اصغوا إليه وتعلّموا منه.

ثانياً، لا بدّ لكم أن تتفهّموا بأنه قبل الشروع بالإرشاد والتوجيه، أنتم بحاجة إلى بناء ثقافة من الثقة وعلاقة متينة مع الناس الذين ستقومون بإرشادهم وتوجيههم. فعلى الرغم من حسن نواياكم، لن تفيدكم كل تقنيات العالم كثيراً إذا لم يكن الأشخاص الذين تحاولون إرشادهم وتوجيههم يشعرون بالارتباط معكم بطريقة من الطرق. فالعلاقة التي تطوّرونها أهم من كل الطرق الفضلى المتوفّرة للإرشاد والتوجيه.

ثالثاً، تعلّموا بعض المبادئ الأساسية لعملية الإرشاد والتوجيه التي يقوم بها المدراء حيث أن ذلك سيساعدكم في تطوير خبراتكم الشخصية كمرشدين ومُوجِّهين. فواحد من الدروس الأساسية بالنسبة للمدراء هو أن الإرشاد والتوجيه لا يقومان دوماً على تقديم الإجابات الجاهزة إلى الناس. وإنما هما يقومان على خوض محادثة وطرح أسئلة وجيهة ذات إجابات مفتوحة تسمح للناس الذين تقومون بإرشادهم وتوجيههم بأن يتأمّلوا بما يفعلونه وبأن يفكّروا في كيفية القيام بالأمور بطريقة مختلفة مستقبلاً من أجل تحسين الأداء.

أخيراً، يجب أن تركّز الذهنية على الناس الذين تقومون بإرشادهم وتوجيههم. وتذكّروا دائماً المبدأ الأساسي التالي: التوجيه والإرشاد يتعلّقان بهم هم وليس بكم أنتم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz