تابعنا على لينكد إن

ترقيتك إلى منصب المدير هي مؤشر جيّد على أنّك قد أثبتّ نجاحك حتى هذه اللحظة. بيد أنّ طريقك من تلك اللحظة فصاعداً يصبح محفوفاً بالمصاعب وليس من السهل السير فيه. فوظيفتك ابتداءً من تلك اللحظة لن تقتصر على إنجاز العمل. وستجد نفسك على الأرجح مضطراً إلى التعامل مع مطالب متضاربة، وإلى إبلاغ رسائل صعبة إلى الآخرين، وإلى معالجة مشاكل الأداء. صحيح أنّه ليس هناك دليل مكتوب يقدّم إجابات مباشرة بخصوص كيفية مواجهة التحدّيات الجديدة التي ستبرز في وجهك، إلا أن امتلاكك لفلسفة واضحة يمكن أي يشكّل أساساً صلباً بوسعك العمل انطلاقاً منه.

عندما يتعلّق الأمر بمسارك المهني، فإنّ فلسفتك تعني ببساطة تبنّي طريقة منسجمة في التفكير بدورك. وقلّة من الناس فقط هم من يخصّصون الوقت المطلوب ليكوّنوا فلسفتهم الشخصية. فمعظم المدراء يعملون بطريقة مبنيّة على ردّ الفعل، حيث أنّهم يتجاوبون مع القضايا بناءً على أحاسيسهم الشخصية، وتجاربهم في الماضي، ومن خلال الاقتداء بأشخاص آخرين. وغالباً ما يتحدّد نجاح هذه المقاربة أو فشلها بمزاجك (وبطبيعة الحال فإنّ بعض الناس يُعتبرون قادة موهوبين أكثر من غيرهم)، وبمكانة الأشخاص الذين تقتدي بخطاهم – وهما عاملان يقعان خارج نطاق سيطرتك إلى حدّ كبير.

تُعتبرُ فكرة “قيادة الخادم”، (والتي تعني تولّيك القيادة من موقع الخادم) نقطة انطلاق عظيمة بالنسبة للمدراء الجدد. وكان روبرت غرين ليف أوّل من صاغ هذه العبارة قبل 35 عاماً، لكن هذا المفهوم لازال حيوياً ويمدّ الكثيرين بالقوّة التي يحتاجونها. فمن المؤكّد بأنّ كلمة “خادم” لا تحمل المعاني القوية ذاتها التي تحملها كلمة “مدير”، لكنها تنطوي على قدرة كامنة على منح الكثير ممّا يسعى إليه معظمنا فعلياً، ألا وهو النفوذ. والسبب في ذلك بسيط. فعندما تتبنّى عقلية الخادم، فإنّ الأمر لا يعود يتعلّق بك. واستبعاد مصلحتك الذاتية ومجدك الشخصي من دافعك في العمل هو أهم شيء يمكنك فعله لكي تجعل الآخرين يثقون بك. وعندما تركّز أولاً على نجاح مؤسستك وفريقك، فإنّ الآخرين يشعرون بذلك وبكلّ وضوح. فأنت في هذه الحالة تطرح أسئلة أكثر، وتصغي باهتمام أكبر، كما أنك تقدّر احتياجات الآخرين واسهاماتهم بشكل أكبر. والنتيجة هي قرارات أكثر تدبّراً وتوازناً. والناس الذين يشتهرون باتخاذهم للقرارات الذكية وبقدرتهم على إشراك الجميع، يميلون إلى تحسين قدرتهم على التأثير في الآخرين بشكل أكثر اتساقاً مقارنة مع الأشخاص الذين يؤمنون بأنهم يمتلكون كل الإجابات.

إنّ ذهنية قيادة الخادم تكون في أقوى حالاتها عندما تُطبّقُ في سياق إدارة الموظفين. والخطوة الأولى في تبنّي هذه الذهنية هي أن تكفّ عن الاعتقاد بأن موظفيك يعملون لصالحك. عوضاً عن ذلك، تمسّك بالفكرة القائلة بأنّهم يعملون لصالح المؤسسة ولصالح أنفسهم. ودورك أنت كخادم هو أن تيسّر العلاقة بين كل موظف والمؤسسة. اطرح على نفسك السؤالين التاليين: “ما هو المطلوب ليكون هذا الموظف ناجحاً في هذه العلاقة؟” وكذلك “ما الذي تحتاج المؤسسة إلى تقديمه لكي تكون قد التزمت بما هو مطلوب منها في هذه العلاقة؟” عندما يكون هذان السؤالان هما المحرّك الأساسي لطريقة تفكيرك، فإنك بذلك ستسهم في خدمة مصالح الطرفين. (والمبادئ ذاتها تنطبق إلى إدارة المنتجات، وسلاسل التوريد، والعلاقات مع الزبائن، ولكننا سنركّز هنا على الموظفين).

هل اللجوء إلى أسلوب قيادة الخادم يمنعك من إخبار الناس ما الذي يجب عليهم فعله، أو يَحُوْلُ دون أن تطلب منهم تصحيح سلوكياتهم؟ كلا، بل على العكس من ذلك، فهذا الأسلوب يعني بأنّ واجبك يقتضي منك القيام بهذه الأمور لتسهيل نجاح الفرد ضمن المؤسسة. والمسألة الأساسية هي أن يكون ذهنك في “وضعية الخادم” عندما تؤدّي مهامك اليومية في الإدارة.

فعلى سبيل المثال، عملية توزيع مهام العمل على الآخرين يجب أن تكون عملية مدروسة توازن بين أهداف المؤسسة، وبين مصالح الفرد، ومهاراته واحتياجاته التنموية. وليس من الضروري دراسة كل مهمّة روتينية بهذا القدر من الشمولية. ولكن كلّما دعت الحاجة إلى توزيع مهام هامّة على الموظفين، فإنّ وضع هذه المهام ضمن سياقها يجعلها تعطي القدر الأعظم من النتائج المنشودة. فالموظفة التي تعلم لماذا طلب منها مديرها أن تفعل شيئاً معيّناً، أميل بكثير إلى تبنّي المهمّة الموكلة إليها بحق. وعندما تتبنّاها، فإنّك تصبح مرشداً أكثر من كونك مديراً. وأنت “تسأل” كيف بوسعك دعمها وكيف ترغب هي بإبلاغك بالتقدّم المحرز في إنجاز المهمّة، عوضاً عن أن “تخبرها” أنت بهذه الأشياء. والموظفة التي تؤمن بأن مديرها يتفهّم نقاط قوّتها، ويقدّر آراءها، ويشجّعها على النمو، ستلتزم بالعمل في المؤسسة على الأغلب لفترة أطول من الزمن.

من الواضح بأنّ تبنّي منهجية الخادم في عملية توزيع المهام على الموظفين يحتاج إلى قدر أكبر من التفكير والتحضير مقارنة مع مجرّد إيكال هذه المهام دون تفكير مسبق. وهو يستغرق وقتاً ليس بالقليل. ولكن تذكّر بأنّك تنجز بذلك فعلياً عدّة مهام في وقت واحد – فأنت تسهر على ضمان إنجاز العمل المطلوب، وفي الوقت ذاته تعمل على تعزيز علاقة ذلك الفرد بالمؤسسة.

كما أنّ تبنّي فلسفة الخادم يجب أن تسهّل عملية تقديم التغذية الراجعة التصحيحية. فأنت مجرّد ميسّر، والميسّرون لا يجب أن يكونوا أشخاصاً غاضبين، أو مُحْبطين، أو مُمْتَعِضين عندما يقدّمون التغذية الراجعة إلى الآخرين، لأن الأمر لا يتعلّق بهم، وإنّما يخصّ العلاقة بين الطرفين الآخرين. ولهذا السبب، فإنّ استعمال هذه الذهنية في التفكير، أي طريقة الخادم، يُسهِمُ في جعل المحادثات المتعلّقة بالتطوير تبدو وكأنّها ذات طابع أقل شخصية. فأنت لا تشعر بخيبة أمل نتيجة لتصرّفات موظفك؛ وإنّما أنت ببساطة تشرح له كيف أنّ هذه التصرّفات تقف حجر عثرة في سبيل ما يحاول إنجازه لمصلحته ولمصلحة المؤسسة. فعندما تكون أجندتك الوحيدة هي تهيئة شخص آخر للنجاح، فإن كلماتك تُستقبل عادة بقدر أكبر من الانفتاح. والانزعاج الحقيقي يحصل عندما يُسمح لمصالح أي من الطرفين أن تتأذّى مع مرور الوقت دون أي تدخّل. وبالتالي فإن المسؤولية الأساسية في موازنة هذه المصالح تقع على عاتق المدير.

وبحكم التعريف فإن اكتساب السمعة الحسنة هو عملية تستغرق وقتاً طويلاً. ولكن عندما تكون مُتَّسِقاً في استعمالك لمقاربة الخادم، فإنّ الناس سيعرفون ما الذي يتوقعونه منك وهنا يسود جوّ الثقة. وإذا ما اجتمعت الثقة مع عملية اتخاذ القرار بطريقة شاملة للجميع وذكية كما ناقشنا أعلاه، فإنّها طريقة مضمونة لكسب النفوذ.

نحن بالكاد لامسنا قشور العديد من التحدّيات التي ستواجهها عندما تصبح مديراً يتولّى هذا المنصب للمرّة الأولى. وليس هناك ببساطة أي طريقة للتنبؤ بهذه التحدّيات جميعها. لكن تبنّي فلسفة أساسية هي فلسفة قيادة الخادم سيوفّر لك نقاط علام أساسية لتساعدك في عملية الإدارة في الوقت المطلوب. ومهما كان مزاجك وطبعك، فإن تبنّي ذهنية خدمة الآخرين سيحميك من الوقوع في فخّ أنماط الإدارة القائمة على ردود الأفعال وحماية الذات والتي يمكن أن تشكّل عائقاً أمام نجاحك. قد لا تروقُ فلسفة قيادة الخادم الأشخاصَ الذين يشعرون بالانجذاب نحو الفكرة الأكثر تقليدية أي السلطة، لكنّها يجب أن تكون الخيار الأنسب للمهتمّين بالنفوذ وضمان تحقيق النتائج المرجوّة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz