تابعنا على لينكد إن

يُعتبر انتقالك من أحد المساهمين الأفراد إلى المدير المسؤول عن الفريق، أحد أكثر التنقلات المهنية تشويقاً وإثارة وأحياناً مداعاة للقلق. إذ يُصبح لأسلوب تفكيرك وحديثك ومظهرك (وبعبارة أُخرى لحضورك القيادي) أثر مباشر على أولئك الذين بُتّ الآن قائدهم ومديرهم للمرة الأولى. وبوصفك المدير الجديد، كيف يمكنك بناء الحضور القيادي الأصيل والمتصل مع الآخرين، ويكون له أثر إيجابي على فريقك وعلى زملائك؟

ضع لنفسك هدفاً قائماً على القيم القيادية

يبدأ الحضور الأصيل والمتفاعل مع الآخرين من الداخل ويشعّ إلى الخارج. وتُعتبر طريقة تحديدك للأدوار وتقييمك للقضايا هي التي “ترسل الإشارات” إلى محيطك وإلى أولئك الذين تعمل معهم. وعلى اعتبار أنك المدير الجديد، من الضروري أن تكرّس قدراً كافياً من وقتك لتفكر ملياً في نمط القائد الذي تمثّله، والنمط القيادي الذي ترمي إليه في قرارة نفسك. ولتضع لنفسك هدفاً طموحاً يكون بمثابة بوصلة تُرشدك في مسارك القيادي الجديد. فقد صرّح مؤخراً أحد المدراء الجدد قائلاً: “إنّ هدفي القيادي على الصعيد المهني هو أن أكون مديراً حقيقياً يتمتّع بذكاء عاطفي ويُلهم الآخرين من حوله ويحثهم على التفوق والإبداع”.

وكما يقول كل من رام شاران وستيفن دروتر وجيمس نويل في كتابهم “خطّ إمداد القيادة” (The Leadership Pipeline): “على الرغم من أنّ الأمر يبدو انتقالاً سهلاً وطبيعياً يتحول فيه الأفراد ببساطة من دور المساهم العادي في الفريق إلى دور القائد من دون إحداث تغيير حقيقي قائم على السلوكيات والقيم. إلا أنه يتوجّب على المدراء الجدد إدراك أنّ تكريس الوقت للآخرين والقيام بمهام التخطيط والتدريب وما شابه، إنما هي من المهام الضرورية التي باتت تندرج ضمن مسؤولياتهم. وفوق ذلك، على هؤلاء المدراء أن ينظروا إلى هذا العمل الموجه نحو الآخرين بوصفه أمراً ضرورياً وحيوياً لتحقيق النجاح في مهامهم القيادية”.

ارفع من سوية ذكائك العاطفي وإدراكك للحالة التي أنت فيها

بما أنّ وظيفتك الجديدة تتحول الآن نحو إنجاز قدر أكبر من الأعمال بالاعتماد على الآخرين، يتعين عليك إدراك أنّ ما يحفزك ويؤثر فيك لا يحفز الآخرين ويؤثر فيهم بالقدر نفسه. لذلك اطرح على نفسك التساؤلات الآتية قبل أن تتواصل مع الآخرين أو تعقد الاجتماعات المهمة:

  • من هو الطرف أو الأطراف الذين أتواصل معهم؟
  • ما هي رؤيتهم المحتملة حول هذا الموضوع؟
  • ما هي أفضل طريقة لتحفيزهم أو التأثير فيهم؟
  • ما هي الأمور التي تستدعيها الحالة الراهنة؟
  • ما هي أفضل النتائج المحتملة؟، وما هي نبرة الحديث الأنسب في هذا السياق؟

من شأن هذه التساؤلات تذكيرنا بأنّ الحضور القيادي لا يمكن تحقيقه من خلال البحث عن حلّ واحد وبسيط يناسب جميع الظروف المختلفة. وبالتالي، يعني الحضور القيادي إيجاد توازن سليم بين الاحتمالات والخيارات المختلفة. إذ يتطلب امتلاك الحضور القيادي الفعال والمؤثّر أن تتمتّع بشخصية أصيلة وواثقة وواضحة فيما يرتبط ببوصلتك الإرشادية وقيمك ومعتقداتك الأساسية والجوهرية، إضافة إلى المرونة والقدرة على التأقلم والتواصل مع أنماط مختلفة من الناس عبر منصات اتصال وتكنولوجيات عديدة ومختلفة.

كن واضحاً وصريحاً مع الحفاظ على احترام الآخرين

بما أنّ دورك الجديد من المرجح أن يزيد من تواصلك مع أناس من أنماط متنوعة ومختلفة، فقد يتطلب امتلاك حضور قيادي فعال العمل بشكل جدّي ودائم على بناء مهارات التواصل مع الآخرين بوضوح وصراحة مع الحفاظ على علاقات وثيقة قائمة على الاحترام المتبادل. ويتعيّن على الحضور القيادي أن يكون ديناميكياً ومرناً، ويحفّز الحوار بالاتجاهين، حيث يكون بمقدورنا التعبير عن صوتنا الداخلي، وفي الوقت نفسه البقاء منفتحين على آراء ووجهات نظر الآخرين، وذلك لأننا نعمل على تحقيق هدف مشترك، ونسعى إلى أفضل النتائج والحلول. وفيما يلي بعض الأمثلة التي ربما تكون مفيدة في تشكيل رأيك والإنصات لآراء الآخرين:

  • امتلك رأيك الخاص: إذا كنت بطبعك شخصاً يُجيد الإصغاء وسماع آراء الآخرين، عليك أيضاً التدريب على تكوين رأيك الخاص وقناعاتك الشخصية بسرعة أكبر. وهكذا يتعيّن عليك قبيل الاجتماعات أو الاتصالات المهمة أن تدوّن لنفسك بعض النقاط الأساسية كجواب عن التساؤل التالي: ما هي الأمور الثلاثة أو الأربعة أو الخمسة التي أرى أنها أساسية أو مهمة حول الموضوع أو القضية التي هي قيد النقاش؟
  • اسأل واسمع واعترف: إذا كنت بطبعك تمتلك قدرة متميّزة في تكوين آرائك الخاصة، يتعيّن عليك أن تتعلم الصبر وكبح جماح اندفاعك وفسح المجال للآخرين ليدلوا بدلوهم. وأظهر أنك تُصغي حقاً من خلال طرح الأسئلة المفيدة واستيضاح المعلومات التي تسمعها والإقرار بما تعنيه لك المعلومات الجديدة. فبوسعك مثلاً القول: “مع هذه المعلومات الجديدة، أصبحت أرى الموضوع بطريقة مختلفة تتفق مع رؤيتك أنت”. وفي حالات أُخرى يمكنك أن تُلاحظ: “بعد استيعاب ما قلته لي، أرى أنني غير قادر على قبول هذا، ولا شك في أننا سنختلف في وجهات نظرنا”.
  • حاول إشراك الآخرين بالأسباب: بوصفك المدير الجديد، من الأساسي جداً أن تُشرك الآخرين بالأسباب التي تقف وراء رؤيتك وأولوياتك وتوقعاتك وملاحظاتك وطلباتك. لا تميّع رسالتك، بل عززها وقويها من خلال إخبار الطرف الآخر ببعض المعلومات حول السياق والأسباب التي دفعتك إلى رؤيتك أو طلبك أو ملاحظتك. إلى جانب ذلك، ساعد الآخرين في ربط الأعمال التي يتوجب عليهم إنجازها والتطورات المهنية المطلوبة منهم بما يجري على المستوى التنظيمي. فعندما توجّه ملاحظة مرتبطة بالتطور المهني لأحد الموظفين على سبيل المثال، تستطيع تزويده ببعض المعلومات الإضافية حول السياق والأسباب مثل: “لما كانت المؤسسة تنمو بسرعة كبيرة، هنالك فرصة لكل فرد في الفريق للنمو والترقي. وإنني أتطلّع إلى رؤيتك في منصب…”، كما بوسعك تعزيز رسالتك من خلال رسم صورة متكاملة للأهداف الطموحة مثل: “أتطلّع لأن أرى فريقنا يتفوق على الجميع في هذا المجال، وأرى أنّ المطلوب لتحقيق ذلك هو….”.

اخلق حضوراً متماسكاً ومتيناً في مواجهة التغيرات والضغوطات والأخبار السيئة

في الحقيقة يستطيع غالبيتنا إظهار حضور فاعل، وخاصة عندما تجري الأعمال على خير ما يُرام أو عندما نمر بيوم جيد. لكن على اعتبارك المدير الجديد، يتعين عليك أن تسأل نفسك أيضاً: بماذا يشعر الآخرون عندما تكون متوتراً أو متعباً أو تعاني من دنوّ المواعيد النهائية أو عندما يأتيك أحد ما بأخبار سيئة؟

وتذكّر أنّ ما يبدو لك مجرد لحظة عابرة من الغضب أو انعدام الصبر أو المراوغة المتسرعة، ربما يترك في نهاية المطاف أثراً سلبياً على فريق عملك ومعنويات أفراده وحماسته في العمل. وكما يكتب “دانيال غولمان” في كتابه “القيادة الفطرية” (Primal Leadership): “ببساطة شديدة وكما هو الحال في أية جماعة إنسانية، يمتلك القائد سلطة تأثير كبيرة على مشاعر وعواطف كل فرد من أفراد الجماعة، ولعل كيفية تعامل القائد مع مزاجه الخاص يؤثّر على المزاج الخاص عند الأفراد الآخرين من حوله، بحيث لا يغدو مزاج القائد أمراً شخصياً خاصاً، بل عاملاً مؤثراً على أداء الفريق ككل في العمل”.

يزيد حفاظك على حضور متماسك ومتين من احتمال تشجّع فريقك لإخبارك بالمعلومات المهمة، وحتى السيئة منها. ما يمكّنك من إزاحة المعيقات أو مراجعة الأولويات أو إعادة الفريق إلى الطريق الصحيح. وتُظهر أبحاث الأستاذ آمي إدموندسون أنّ فرق العمل تستطيع تحسين أدائها وتعلمها عندما تتوفر لذلك بيئة وثقافة عمل (غالباً ما يخلقها قائد الفريق نفسه) تعزز كلاً من عاملي الأمان النفسي والمساءلة.

ولكي تساعد نفسك على ضمان استمرارية حضورك المتماسك والمتين، احرص على أن تضع لنفسك الأولويات الصحيحة، وأن تمتلك استراتيجيات فعالة لإدارة أعباء العمل الناتجة عن كونك قائداً أخذ على عاتقه هذا الدور الأكبر والمسؤولية الجديدة.

تُعتبر ترقيتك لتصبح المدير الجديد، مرحلة قيادة مهمة في مسيرتك المهنية. لذلك يتعيّن عليك أن تقف لبرهة وتفكّر ملياً بحضورك كقائد، ومعرفة ما إذا كنت تفكّر وتتكلّم وتظهر في الواقع كما تأمل وتتمنّى وتقصد. ضع لنفسك هدفاً قائماً على القيم القيادية، وعزّز ذكاءك العاطفي ووعيك لموقعك ومكانتك، وكن مباشراً لكن باحترام، وجد استراتيجيات مفيدة للحفاظ على حضورك المتماسك والمتين. فمن السهل بسبب تواضعنا أو جهلنا كقادة أن نقلّل من شأن التأثير الذي نمتلكه على حياة الآخرين من حولنا.

وكما يكتب الأستاذ كلايتون كريستنزن في مقالته الشهيرة بمجلة هارفارد بزنس ريفيو “كيف ستقيّم حياتك؟” (How Will You Measure Your Life): “لقد تصوّرت في مخيّلتي إحدى المديرات اللاتي أتعامل معهن وهي تذهب في صباح أحد الأيام إلى عملها بثقة كبيرة بالنفس. ومن ثم تصوّرتها تقود سيارتها عائدة إلى البيت بعد 10 ساعات عمل، يتملّكها شعور بأنها ليست موضع تقدير، وبأنها محبطة وعديمة النفع ومُهانة. كما تصوّرت أيضاً كيف أنّ السوية المنخفضة لثقتها بنفسها تؤثر سلباً على طريقة تعاملها مع أطفالها. ومن ثم سرّع ذهني الشريط وانتقل بي إلى يوم آخر حينما كانت تلك المديرة تقود سيارتها إلى البيت وكلها ثقة كبيرة بالنفس، وتشعر أنها تعلّمت الكثير وحصلت على تقدير زملائها لإنجازها أعمالاً قيّمة، وكان لها دور أساسي في إنجاح بعض المبادرات المهمّة. ومن ثم تصوّرت كم كان التأثير الإيجابي لذلك كبيراً على دورها كزوجة وكأمّ . خلاصتي هي أنّ الإدارة تُمثّل إحدى أنبل الوظائف والمهن إذا ما أُحسنت ممارستها. فما من وظيفة أو مهنة أُخرى قادرة على مساعدة الآخرين وإتاحة الفرصة لهم للتعلّم والنمو، وتحمّل المسؤولية، والحصول على الاعتراف بالإنجازات، والإسهام في نجاح الفريق ككل، مثل مهنة المدير”.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz