بحسب استطلاع قامت به شركة "آي بي إم" (IBM) لأخذ آراء ما يزيد عن 1500 مدير تنفيذي في 33 منشأة صناعية ضمن 60 بلداَ، ليس الانضباط أو النزاهة أو الذكاء أو الذكاء العاطفي هو أول ما يسعى لإيجاده كبار المدراء التنفيذيين في فرق عملهم الجديدة، بل يُعتبر الإبداع غايتهم. وفي النهاية، كل شركة تسعى لاحتلال المركز الأول في مجالها وتسعى لأن تكون السباقة في الابتكارات. ولذلك نحتاج لموظفين غاية في الإبداع.

في حين أنّ النصائح الخاصة بكيفية زيادة إبداعنا مألوفة لدى الجميع، نجد أنّ المهمة الأصعب تقع على كاهل المدراء التنفيذيين لإيجاد سبل لتطبيق هذه النصائح في خضم أشغالهم الكثيرة التي تمتلئ بها أوقاتهم الضيقة. ولمعرفة الجواب حول هذه المسألة، تحدثت إلى بعض من المدراء المبدعين في الصناعات الكبرى، بدءاً من صناعة التكنولوجيا مروراً بالشركات الاستشارية وصولاً إلى المصانع. وإليكم ما قالوه.

ابحث عن غير المألوف

أظهرت إحدى الدراسات أنّ الإبداع يزداد بنسبة 50% بعد قضاء بضعة أيام في الطبيعة بعيداً عن كل الأجهزة، وهي تجربة غير مألوفة وغير اعتيادية لمعظمنا. ولكن إذا لم يكن لديك وقتاً لقضاء عطلة لبضعة أيام في الغابة، كيف ستجد وقتاً لتجارب جديدة؟. إذ تقول الأبحاث أننا نكون في ذروة إبداعنا عندما نذهب إلى أوساط غير مألوفة.

كما نرى تريكسون فرناندو، المدير المبدع، الذي عمل سابقاً لدى شركة هابل (Hubbl)، والتي اشترتها شركة إيربوش (Airpush) بتكلفة 10 ملايين دولار أميركي، وهو اليوم مدير في شركة ساتفا (Sattva)، يحاول أن يجعل من نشاطاته اليومية فرصة للبحث والمراقبة. حيث يقول: "إنّ الكون بأكمله مليء بالأفكار التي تتضمن ما أحاول ابتكاره. لذلك أقوم بأخذ المفاتيح إليه من الحياة اليومية عن طريق مراقبة أدق التفاصيل وكوني فضولياً دائما بشأن كيف وماذا ولماذا تحصل كل الأشياء المحيطة بي".

وإذا كان ما سبق غير كاف لإلهامك، إليك نصيحة يقدمها المدير التجاري العالمي في جوجل لارس باستولم: "اعتدت أن أقول للمبتكرين الذين يجدون صعوبة في إعادة صياغة تقرير عن منتج أو خدمة ما أن يقوموا بزيارة للمكتبة وشراء ثلاثة مجلات لا يمكن أن يشتروها أبداً في الأحوال الاعتيادية. كمجلة (Orthodontist Monthly)، أو ربما مجلة من نوع (The World of Monster Trucking). ويقرؤوها كاملة، ثم يحاولوا إعادة صياغة التقرير كما لو أنهم يوجّهونه إلى قراء هذه المجلّات. وعادة ما يكون هذا أمراً ممتعاً للغاية، بالإضافة إلى أنه يفتح أفقاً لأفكار جديدة يمكن تطبيقها على التقرير الأصلي المراد إنجازه".

إلى جانب ذلك، يوصي رئيس موظفي التسويق في شركة سيلز فورس (Salesforce) سايمون ملكاي بالقيام بتمرين يطلق عليه اسم "إدارة المنظار المزدوج إلى الجهة الأُخرى". فلنفرض مثلاً أنك فرع لبنك تحاول رفع نسبة ولاء العملاء لديك، ما عليك إلا النظر إلى شركة أُخرى في مجال عمل مختلف تماماً مثل ستاربكس (Starbucks)، وفهم كيف تستطيع جعل زبائنها يعودون إليها باستمرار.

اجمع التقييمات من مصادر متنوعة

على الرغم من اختلاف نتائج الدراسات بهذا الشأن، إلا أنّ عدداً لابأس به من الدراسات تقول أنّ المجموعات المتنوعة هي أكثر إبداعاً. فالمدراء الذين تحدثت إليهم بذلوا جهداً لجمع أشخاص من خلفيات ووجهات نظر مختلفة، بالإضافة إلى أنهم أمضوا وقتاً في التحدث عن أفكارهم مع أشخاص من خارج مجال عملهم.

ويعبّر رائد الأعمال روفوس غريسكوم صاحب سلسلة من المشاريع ومؤسس شركة هيليو (Heleo) والمدير التنفيذي فيها عن هذه الفكرة بعبارة: "الأفكار كالبشر، لا تحب أن نعزلها أو نتعامل معها من مبدأ الغيرة. بل تحب أن تختلط بالأفكار الأُخرى ونتفاعل معها".

كما أنه قال لي: "كغيري من رواد الأعمال الشباب، كنت أخاف من مشاركة أفكاري الجديدة في العمل علناً كي لا يعمل بها أحد غيري وأخسر أنا فرصتي. أما اليوم، أقوم بمشاركة أيّ فكرة واعدة تراودني مع كل شخص ذكي أقابله ممن يكون لديهم اهتمام بها. وهذا يوصلني إلى التمهيد لتنفيذ الفكرة الجديدة والحصول على معلومات أكثر بشأنها، وهذا ما يزيد من فرص تطور هذه الفكرة إلى مشروع ناجح يوماً ما".

ويضيف مدير التخطيط والنائب الأول لرئيس شركة ريفربيد (Riverbed) فيل هاريس ملاحظة هامة. وهي أنّ أهمية الاصغاء لهذه التقييمات في أي مؤسسة تماثل أهمية السعي للحصول عليها. ويقول: "أنه عندما نكون داخل غرفة، لا يكون هناك وجود للألقاب ولا الدرجات ولا الأقدمية. فكل الأصوات متساوية الوزن والوقت. والجميع يعلم أنه سيتم الاستماع إليه، وأنّ مشاركتهم ستُمنح الوقت الكافي. والجميع مرتبطون في علاقة أساسها الثقة والصدق، ذاك الصدق الذي لا يكون سهلاً دائماً".

اعطِ نفسك بعض المساحة

يحتاج الإبداع إلى المساحة. وهذا تفسير سبب ما اكتُشف عن تأثير التأمل في زيادة الإبداع. فقد قال لي فرناندو: "أقوم بالتأمل لكي أتحرر من الأفكار والأنماط الموجودة في عقلي ومن أجل ترك مساحة لأفكار وأنماط جديدة. فالابتكار بالنسبة لي يتعلق بجعل الأشياء داخلنا أقل ثقلاً".

مع أنّ العديد من الإداريين يقومون بالتأمل فعلاً، إلا أنني أتفهم عدم قدرة الكثير من رجال ونساء الأعمال على إيجاد الوقت لذلك. وإذا كان ذلك ينطبق عليك، هناك طرق أُخرى للحصول على فوائد تجوال العقل.

إذ تبين أنّ المشي يزيد الإبداع، لأنه يحرر عقلك ويمكّنه من الاستغراق في أحلام اليقظة، التي ثبت أنها بمثابة الوضعية النشطة لحل المشكلات في العقل البشري. وهذا ما يعبّر عنه المدير التنفيذي ومؤسس شركة بارليامنت (Parliament, Inc.) بيتر سيمز بقوله: "إذا أردت أن يكون الناس مبتكرين فهم يحتاجون إلى المساحة. فستيف جوبز كان يمشي كثيراً، ودائماً أرى مارك زوكربيرغ يمشي على سطح مقر شركة فيسبوك الجديد".

كما أن المدير في جوجل لارس باستولم يوصي بأي نشاط فيزيولوجي بسيط، حيث يقول: "نظف منزلك بالمكنسة الكهربائية، أو قم ببعض التمارين في نادي الرياضة أو قم بطلاء سور الحديقة. قم بأي نشاط يسمح لعقلك بالعمل في الخلفية".

ويتفق غريسكوم معه حيث يقول: "إن كنت أعمل على أمر ما، أُحب ممارسة النشاطات البدنية غير المجهدة كالمشي، أو ركوب الدراجة أو قيادة السيارة أو حتى تنظيف الأواني. وأعتقد أنّ إنجاز عمل مهما كان متواضعاً كإنهاء تنظيف الأواني والمشي لمسافة معينة في الوقت الذي يكون فيه عقلي منهمكاً بالتفكير بموضوع يخص العمل يخفف ضغط التفكير عن عقلي ويساعد على تدفق الأفكار إليه بشكل أفضل".

احتضن القيود

ربما تتساءل عمّا إذا كانت الحاجة إلى المساحة تتماشى يداً بيد مع الحاجة إلى القيود. فالأمران يبدوان مختلفين تماماً. لكن الدراسات تُشير إلى أنّ الإبداع يقوم بتفعيل قسمين من الدماغ معاً، أحدهما مرتبط بأحلام اليقظة والآخر مرتبط بالتحكم الإداري. وعلى كل الأحوال، يحتاج النجاح إلى إمكانية التدفق الحر للأفكار مندمجة مع إمكانية تحويل تلك الأفكار إلى منتج مدروس.

ويجب أن تكون القيود جزءاً من العمل نفسه لا قيوداً اعتباطية. إذ يقول ملكاي: "لا يمكنك أن تقول: (تسلق تلك الهضبة) فحسب، بل عليك قول: (تسلق تلك الهضبة كي تستطيع القيام بأمر آخر). وبذلك يعلم جنودك أنه ليس عليهم تسلق تلك الهضبة إذا تغير الوضع".

وعلى سبيل المثال، صُمم حذاء نايكي فلاينيت (Nike Flyknit) ليجمع بين أهداف الاستمرارية والأداء الرياضي. حيث أنّ مديرة قسم الاستدامة ونائبة رئيس قسم تحفيز الابتكار في شركة نايكي (Nike) هانا جونز تصف كيفية قيامهم بتحديد القيود في مشروع ما بقولها: "نقوم بوضع المبدأ الرئيسي الذي يدعى (لا تسوية). ثم سنقوم بصنع منتج مذهل جميل ومستدام. حيث أعطينا الفريق قيوداً مزعجة، وهي وجوب إنجاز ضعف العمل ولكن بنصف الأثر. ويُعتبر هذان عاملان لم نعتد ترافقهما، وسيكون عليك جعلهما يلتحمان معاً. إنّ هذه القيود تفتعل توتراً خلاقاً ينتج عنه محادثات مختلفة". وتقول جونز: "أنّ الشركة تعتبر المشروع ناجحاً. حيث أنّ إنتاج حذاء نايكي فلاينيت يقدم الأداء الرياضي مع مخلفات أقل بنسبة 60% من طرق القص والخياطة التقليدية في التصنيع.

أخيراً، إذا أردت لنفسك أن تكون مبدعاً أكثر أو تحصل على أفكار خلاقة أكثر ضمن فريقك، تُعتبر البيانات ونصائح الخبراء واضحة جداً، ولا يحتاج لتطبيقها استهلاك الوقت الطويل كما توحي لك في البداية. فقط اخرج من منطقة راحتك واعط نفسك مجالاً للتفكير. وخذ فكرة عن أمور خارج محيطك وتعرف على القيود المفيدة. كل ذلك في إطار يوم اعتيادي من أيام العمل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!