تابعنا على لينكد إن

مع وصول الإنسان إلى عمر الثلاثين، فإنّ شخصيته تصل إلى الاستقرار، ويصبح من الصعب عليه نسبياً أن يغيّر سلوكه. وهذا الأمر يصبح أصعب في حالة كبار المدراء التنفيذيين خصوصاً، الذين وصلوا إلى ما وصلوا إليه أصلاً بفضل السلوك الذي ينتهجونه.

وعلى الرغم من أنّ آخرين يعتقدون أنّ سلوكهم يشوبه الخلل، إلا أنهم لا يرون سبباً وجيهاً للتغيير ويلقون باللوم في الفشل على الآخرين. وحتى لو كانوا مستعدين لبذل الجهود للتغيير، إلا أنهم لا يعرفون كيف يقومون بذلك، وهم بحاجة إلى من يمد لهم يد العون.

هذا هو السبب الذي يجعل المدراء التنفيذيين غالباً يلجؤون إلى الاستعانة بخدمات أحد الموجهين أو المرشدين. لكن الإرشاد والتوجيه يشبهان نوعاً ما عملية العلاج: إذ يستغرقان وقتاً حتى تصبح نتائجهما ظاهرة، وفي غضون هذا الوقت، هناك الكثير من القيمة التي تتبدد نتيجة للخلل الموجود في سلوك أحد المدراء التنفيذيين. لذلك أعتقد أنّ أحد الحلول الفورية لذلك يتمثل في التوجيه والإرشاد الجماعي ضمن مجموعة صغيرة.

ودعوني أعطيكم مثالاً هنا: في إحدى شركات الطاقة الكبيرة، واجه الفريق التنفيذي تطورات سريعة ضمن القطاع الذي يعملون فيه، لذلك، قرروا تحويل مؤسستهم القوية، الراضية عن نفسها والمستكينة، إلى شركة للتكنولوجيا الرفيعة مع التركيز على الاستدامة.

ولجأت الشركة إلى تعيين مدراء تنفيذيين جدد لمساعدتها في عملية التحوّل هذه. المدير الأول اسمه حازم، وهو أستاذ جامعي عبقري في كلية الهندسة، تسلّم وظيفة كبير مدراء المعرفة في الشركة، أما المدير الثاني ويدعى جلال، فهو مدير تنفيذي خبير في قطاع النفط يعرفه أحد المساهمين الرئيسيين في الشركة، وتسلم منصب نائب الرئيس لشؤون التكنولوجيا، والمنتجات، والخدمات.

ولكن خلال شهور قليلة من انضمامهما إلى الشركة، نشبت الحرب بين هذين القادمين وبقية المدراء التنفيذيين، وغاب التواصل المنفتح والبنّاء من الأجواء، وباتوا لا يثقون ببعضهم البعض.

لذلك، قرر الرئيس التنفيذي جمع أعضاء الفريق معاً للقيام بمبادرة أسماها “مبادرة الأداء الرفيع”. الهدف الظاهري من ذلك كان التفكير في العلاقات الشخصية، والممارسات المطبّقة أثناء العمل، وأساليب القيادة، والثقافة المؤسسية. وقادت هذه الجلسات مرشدة مجموعات خبيرة.

بدأت هذه المرشدة بإلقاء محاضرة قصيرة حول المؤسسات التي تتسم بالأداء الرفيع والقيادة الفعّالة. ثم طلبت من كل عضو في الفريق التنفيذي أنّ يرسم نفسه، بحيث تكون الصورة معبّرة عن الطريقة التي يرى نفسه بها. وعلى الرغم من حالة التذمر والتشكيك التي سادت بداية، إلا أنّ المدراء التنفيذيين سرعان ما انهمكوا في تطبيق التمرين. وعندما اكتمل رسم الصور الذاتية، وعرضت على الجدار، طلبت مرشدة المجموعة من كل عضو في الفريق التنفيذي، ومن ضمنهم الرئيس التنفيذي ذاته، أن يتحدث إلى المجموعة حول لوحته الذاتية.

من خلال السرد المستعمل في وصف الرسم الذاتي، اكتشف أعضاء المجموعة أموراً مدهشة حول بعضهم البعض. ففي حالة حازم، على سبيل المثال، عرفوا أنّ جده كان أستاذاً جامعياً مرموقاً، لكن والده اتبع مساراً آخر، وعلموا بأنّ حياته لم تكن تتصف بالنجاح وإنما بالإخفاق، وبخيبة الأمل في الوظيفة تلو الأخرى.

كان حازم قد قضى وقتاً طويلاً برفقة جده، الذي وجد لديه الحماسة التي كان يفتقدهما لدى ابنه. وبالتالي، فإنّ هوية حازم كأكاديمي أصبحت نتيجة لذلك مهمة جداً بالنسبة له. وفي دوره الحالي، شعر أنّ قدرته على الإبداع تتعرض للكبت، لذلك فعل كل ما بوسعه لحماية ما اسماه “الشعلة”، ما جعله يحافظ على مسافة بينه وبين زملائه الأعضاء في فريق المدراء التنفيذيين. وكان لديه خوف ضمني من أن يصبح مثل والده، ومن أن يبدد مواهبه.

الآن، وبعد أن أخذ حازم بالنظر إلى المعلومات الواردة في التقارير الشاملة من جميع الزوايا، وبعد الإصغاء إلى التعليقات الصادرة عن المجموعة والتي تتسم بالتحدي لكنها داعمة في الوقت ذاته، أدرك أنّ الآخرين يعتبرون سلوكه معيقاً للعمل، ما يفاقم المشاكل الحالية مع الفريق ومع الشركة.

هذا التمرين الذي قامت به الشركة أجبر كل واحد من المدراء التنفيذيين، مثل حازم، على مواجهة الحقيقة المتمثلة بأنهم جزء من نظام أكبر، وبأن تصرفاتهم الحالية عززت السلوك الانعزالي السائد أصلاً، والذي حال دون التعاون، وأعاق تنفيذ الخطط.

وبعد أن قبلوا ذلك، تمكّنوا من التفكير بطريقة بنّاءة، وبدعم من الأعضاء الآخرين في المجموعة، استطاعوا إيجاد طرق لتعديل السلوك الإشكالي أو استيعابه.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الأزمات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz