سألت في إحدى الأيام أحد الأصدقاء من كاليفورنيا حول وضع الجفاف الذي تعاني منه المنطقة هناك. فأجابني قائلاً: "لم يتغيّر شيء قط. قد تكون هناك حالة طوارئ، لكننا لا زلنا نروي حدائق منازلنا بالماء". ثمة أزمة مشابهة في قطاع الأعمال الخاصة، والكثير من القادة يقاربونها بعقلية صديقي ذاتها. إلا أنّ الأزمة هذه المرة، ليست الحدائق المنزلية التي بدأت تجف، وإنما مجموعة الأشخاص الموهوبين هي التي بدأت تضمحل. وكما هو الحال مع الجفاف، فإنّ هناك عدداً من العوامل التي تسهم في حصول تلك الأزمة. العامل الأول مرتبط بالأجيال المتتالية. فمع تقاعد الأشخاص الذين ولدوا في طفرة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخروجهم من سوق العمل، فإنهم يتركون وراءهم فراغاً، والعمال الأصغر سناً ليسوا مستعدين لملء هذا الفراغ. أما السبب الثاني فهو الكساد الاقتصادي. ففي ذروة هذا الكساد، كانت 60% من القوى العاملة قد خططت للسعي إلى وظيفة جديدة بمجرد حصول ارتداد في الاقتصاد. وبعد أن جرى هذا الارتداد، خسرت 54% من الشركات أفضل مواهبها خلال ستة أشهر فقط. وهؤلاء الأشخاص المتحررون باتوا يطالبون بثقافات عمل متميزة وفرص تطوير تنافسية. ومع الانكماش الذي تشهده أعداد الأشخاص الموهوبين الذين باتوا أكثر تنقلاً بين الوظائف من ذي قبل، فإنّ المنافسة بين أصحاب العمل المحتملين أصبحت محتدمة. وفي الوقت الذي يوفر فيه مسؤولو الموارد البشرية في الشركات الكبرى حلولاً مؤقتة و"ترقيعية"، إلا أنه يوجد هناك طريقة أفضل لاجتذاب الأشخاص الموهوبين والاحتفاظ بهم. فعندما يتم التعامل مع المحتوى الرقمي بالطريقة الصحيحة، فإنّ بوسع هذا المحتوى أن يترك أثراً هائلاً وخلاقاً على الموارد البشرية يشبه تماماً تأثيره على التسويق. والأمر بسيط للغاية: فالمحتوى العظيم يجتذب الناس المميزين، ويشجع الناس الذين يخلقون هذا المحتوى على البقاء وعدم المغادرة. تخيل مثلاً أن تعثر المرشحة المثالية لشغل أحد المناصب في مؤسستك من خلال مقالة نشرتها أنت في مطبوعة ما. فبعد قراءتها للمقالة، بالتأكيد سيصبح فهمها لمجال عملك والزبائن المستهدفين أعمق. وبعد اطلاعها على صفحاتك الموجودة على شبكات التواصل الاجتماعي، ستجد نفسها منغمسة في قراءة المحتوى الذي وضعه فريقك على شبكة الإنترنت. فالمنشورات الموجودة في المدونات، والنقاشات الدائرة على موقع لينكد إن، إضافة إلى التغريدات، كلها تجتمع معاً لترسم صورة واضحة حول طبيعة العمل في شركتك. عندها، فإنّ هذه المرشحة للعمل ستشعر بنوع من الارتباط والعلاقة مع ثقافة العمل السائدة في مؤسستك وستقرر إرسال سيرتها الذاتية. وأثناء إجراء مقابلة العمل، تثبت هذه الشابة بأنها واسعة الاطلاع على استراتيجية عمل المؤسسة. فهي تفهم الصناعة التي تعملون فيها، ولديها فكرة واضحة عن الطريقة التي يمكنها بها أن تسهم في النمو. وفي الوقت الذي كانت فيه المقابلات الأخرى صارمة ورسمية، ستكون هذه المقابلة عبارة عن محادثة مشتركة مليئة بالإثارة للطرفين. ربما تنال هذه المرشحة الوظيفة. وبما أنها قادرة على الاطلاع على المحتوى الرقمي الخاص بالشركة، فإنّ معظم تدريبها سيتم اعتماداً على ذاتها، وسيبدأ فوراً. وستكون هذه الموظفة الجديدة جاهزة لإضافة القيمة في اللحظة التي تنضم فيها إلى الفريق. ولكن مجرد صفحة بسيطة على موقع لينكد إن لن تقلب الأمور رأساً على عقب في جهودك لتعيين الموظفين. فلكي تحول المحتوى الرقمي إلى أداة فعالة في الموارد البشرية، ستحتاج إلى وضع استراتيجيات وعمليات عميقة وراسخة. على الرغم من أنّ قسم التسويق غالباً هو من سيؤدي معظم العمل، إلا أنّ وجود غرف عمل منعزلة تفصل بين الموظفين ستصيب محتواك بمقتل. فالجهد يجب أن يكون قائماً على التعاون وعلى أن تسهم فيه أيضاً أقسام الموارد البشرية، والعلاقات العامة، والمبيعات وفرق شبكات التواصل الاجتماعي كلها. - كخطوة أولى، ادمجوا أهدافكم الخاصة بالموارد البشرية ضمن استراتيجياتكم الإجمالية الخاصة بالمحتوى الرقمي. كيف ستصلون إلى الموظفين المحتملين الذين ترغبون بتعيينهم؟ وكيف يمكنكم إبراز شركتكم لتتميز عن بقية الشركات الأخرى المشابهة؟ - بعد ذلك، حاولوا إنشاء نظام محدد. خصصوا أشخاصاً معيّنين وذوي خبرة لصياغة مواد المحتوى ومن ثم ضعوا جدولاً زمنياً للتعامل مع المسائل التحريرية. فكل محركات العمل الأساسية – من الكتابة والتحرير إلى شبكات التواصل الاجتماعي – يجب أن تعمل بتناسق قبل المضي قدماً. - على الرغم من أنّ وجود نظام جيد هو أمر أساسي وحاسم، إلا أنه لن يضمن وضع محتوى جيد بالضرورة. وأثناء عمليات إبداع المحتوى، اعطوا الصدق والأصالة الأولوية على أي شيء آخر. فمحاولة ترويجكم لذاتكم لن تفعل شيئاً سوى إيذاء مصداقيتكم، لذلك شجعوا أعضاء فريقكم على طرح انطباعاتهم الصادقة. وإلا فإنكم تهدرون مواردكم. فقد كشفت إحدى الدراسات العلمية بأنه عندما يتعلق الأمر بالتعرف على شركة جديدة، فإنّ عامة الناس يثقون بالموظفين أكثر من ثقتهم بالرؤساء التنفيذيين. وهذا أمر معقول ومنطقي. ففي نهاية المطاف، الموظفون هم من يحارب على الخطوط الأمامية وهم من يعرف الميدان تماماً، ولديهم كل الأسباب ليبيّنوا الأمور على حقيقتها للآخرين. لذلك، فإنّ مصلحتك الفضلى تقتضي منك إيجاد طرق مصممة وفقاً لاحتياجات فريقك ليعبّر عن نفسه كما يشاء. فعندما يعبّر أفضل موظفيك عما يجول بخاطرهم، فإنهم بذلك سيجتذبون أشخاصاً مشابهين لهم. كما أنّ التعبير عن الذات هو جزء حيوي من شعور المرء بأنّ هناك من يقدّر قيمته وبأنّه قد حقق مراده. - أخيراً، يجب أن تتأكد من تتبع الأثر الذي يتركه محتواك. فطلب عناوين البريد الإلكتروني للمستخدمين عند السماح لهم بإنزال محتوى معين يسمح لك بملاحظة مدى تفاعل القراء مع الوثائق من خلال الربط بين هويتهم وأفعالهم. إنّ هذه البيانات تعتبر قيمة جداً لاستبعاد المرشحين ذوي المستوى الضعيف. ففي نهاية المطاف، إذا لم يكن المتقدم للعمل لديكم مستعداً لقضاء بعض الوقت في قراءة المحتوى الذي تضعونه على الإنترنت، فهو ليس بأفضل شخص لشغل الوظيفة. إنّ المحتوى الرقمي يضفي الطابع الإنساني على اسم الشركة أو علامتها التجارية، وهو بمثابة نافذة يطل منها الناس على روح الشركة، وعندما يمتلك موظفوك الرئيسيون صوتاً، بوسعك أن تمتلك أجنحة كبيرة.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!