تابعنا على لينكد إن

أظهرت الدراسات في مناسبات عديدة أنّ المرضى الأميركيين لا يحصلون على رعاية طبية تتوافق مع الممارسات الموصى بها إلا في نصف مرات زيارتهم لمراكز الرعاية الصحية. من المعروف أيضاً أنهم يحصلون في 20% من زياراتهم على رعاية لا تتطابق مع الممارسات الموصى بها وهي ما تسمى بالرعاية “قليلة القيمة”. وعلى الرغم من انتشار الإرشادات القائمة على أسس علمية والتي تستهدف تحسين ممارسات الأطباء السريريين، يبقى تجاوب الأطباء معها محدوداً. لقد جعل هذا قادة الرعاية الصحية يتساءلون دوماً: ما هي الطريقة الأفضل لتغيير سلوك الأطباء السريريين وتحسين جودة وكفاءة الرعاية التي يقدمونها؟

شهدت السنوات الأخيرة حماساً كبيراً تجاه طرق مثل الحوافز المالية و“الترغيب” السلوكي لمساعدة الأطباء السريريين على تقديم رعاية قائمة على أسس علمية. لكن عملية اتخاذ الأطباء السريريين لقراراتهم أكثر تعقيداً بكثير من أن يكون تحسينها ممكناً بتطبيق أطر العمل هذه. عندما يتعلق الأمر بتغيير سلوك الأطباء السريريين، على القادة التفكير بصورة أوسع بالثقافة المؤسساتية المحلية التي يعمل فيها الأطباء.

ما الذي تقوله الدراسات؟

لننظر أولاً إلى الحوافز المالية. يُنظر “للدفع بحسب الأداء”، الذي يربط مكافآت مقدمي الرعاية الصحية بالتزامهم بإرشادات الطب السريري أو بتحقيقهم إنجازات أفضل (قد تفرض عليهم أيضاً عقوبات  مالية عندما لا يقدمون رعاية عالية المستوى)، على أنه طريقة واعدة لتغيير سلوكيات الطاقم الطبي (العبارة السائدة: ادفع للأطباء بحسب القيمة وليس الحجم). لكن الأدلة التي ظهرت إلى الآن تبيّن أنّ هناك حدوداً لما يمكن لخطط الحوافز المركزية فعله.

وجد عدد كبير من الدراسات أنّ الدفع مقابل الأداء يكون فعالاً في تحسين إجراءات الرعاية (مثلاً، الحرص على حصول كل مريض يعاني مرض القلب على علاج الأسبرين)، لكنه غير فعال في تحسين آثار الرعاية على المريض مثل معدل وفيات المرضى. (أظهرت الأدلة أنّ إجراءات الرعاية الأفضل لا تعود دائماً بنتائج أفضل للمريض، تماماً كما لا يؤدي التدريس من أجل تجاوز الاختبار إلى جعل الطلاب أكثر نجاحاً). جادل البعض أنّ معظم الحوافز المالية هي ذات قيمة أصغر من أن تحدث فرقاً، لكن حتى في نظام المملكة المتحدة للرعاية الصحية، حيث يُدفع ما يصل إلى 30% من دخل الأطباء السريريين من خلال نظام الدفع بحسب الأداء، لم تتحسن صحة المرضى بشكل ملحوظ منذ العام 2004 عندما جرى تقديم النظام لأول مرة.

يؤدي عادة الاعتماد المكثف على الحوافز المالية لتعزيز الأداء إلى تلاعب بالمقاييس (مثل، التضخيم من حالة المريض من أجل تقليل غرامات العودة للمستشفى) أو إلى عواقب ضارة غير مقصودة. مثلاً، يؤدي دفع الأنظمة الصحية والأطباء إلى وصف أدوية حاصرات مستقبلات بيتا لمرضى القلب بشكل متكرر إلى مرحلة الإفراط في وصفها، حتى عندما لا تكون آمنة، وهو أمر له عواقب وخيمة على المرضى.

قد تقوّض الحوافز المالية أيضاً عن غير قصد من التحفيز الغريزي لدى الأطباء السريريين أو قد تكون سبباً في تشتيت انتباههم أو الإضرار بأدائهم. يواجه الأطباء السريريون أساساً طلباً كبيراً ومتعارضاً على وقتهم وهو ما يجعل إضافة مبادرة أخرى (حتى لو ارتبطت بمكافأة مالية) لا تلقى صدى كبيراً لديهم.

لجأ الباحثون وقادة الرعاية الصحية مؤخراً إلى الاقتصاديات السلوكية كطريقة أخرى لتحسين اتخاذ الأطباء لقراراتهم. تقوم الفكرة على أنّ إدخال تغييرات صغيرة على بيئة الفرد أمر من شأنه تقليل التحيزات الإدراكية، كما أنه يشجع على اختيارات عقلانية. مثلاً، وجدت إحدى الدراسات العشوائية المحكمة التصميم والخاضعة للسيطرة أنّ الطلب من الأطباء أن يبرروا لزملائهم ما يصفونه من مضادات حيوية للالتهابات الفيروسية (المعروف باسم التبرير المسؤول accountable justification) أدى إلى تقليل كبير في الوصفات الطبية غير المناسبة لأدوية المضادات الحيوية.

في حين أنّ نتائج كهذه تعتبر مشجعة، إلا أنّ منهجيات الاقتصاد السلوكي لم تكن ناجحة دوماً. ففي دراسة أجريت في سويسرا، وُضع أطباء سريريون عشوائياً في مجموعات، قُدمت للمجموعة الأولى ملاحظات حول ما يصفونه من مضادات حيوية، في حين تُركت المجموعة لأخرى من دون ملاحظات. كانت النتيجة أنّ هذه الملاحظات لم يكن لها تأثير على نمط وصف الأطباء من كلا المجموعتين للأدوية. ومع أنّ البعض يجادل بأنّ هذه الدراسات ببساطة لم تطبق أطر العمل السلوكية جيداً، إلا أنّه من المرجح وجود حدود لما يمكن لأطر العمل هذه فعله.

من المهم ملاحظة أنه على الرغم من القصور الذي تتصف به أطر العمل المالية والسلوكية، لا يزال بوسعها المساعدة في الدفع نحو اتخاذ قرارات أفضل ونحو ممارسات قائمة على أسس علمية. على أية حال، يجب أن يفهم القادة والأطباء السريريون أنّ أطر العمل هذه ليست بلسماً شافياً، ويجب أن يكون لديهم انفتاح على الأساليب الأخرى للدفع نحو إحداث التغيير.

تركيز أكبر على الثقافة

إنّ الثقافة المؤسساتية – أو ذلك النظام من الأعراف والقيم والمعتقدات والافتراضات المشتركة في بيئة ما- لديه تأثير كبير على طريقة عمل الأطباء السريريين وعلى حالة المرضى. عندما يكون هناك تشجيع للأطباء السريريين على اللجوء للإبداع في حل المشاكل وتحسين الإجراءات، وعندما لا يخشون التحدث بصراحة عن المشاكل والأخطاء، وعندما يحصلون على دعم من القيادة العليا، يصبح لديهم دافع أكبر للقيام بالتغييرات الإيجابية التي من شأنها تحسين جودة الرعاية الصحية ونتائجها على المرضى. أما إن كانت الثقافة ضعيفة – إن كان الأطباء السريريون يشتكون من عدم حصولهم على دعم من المدراء أو يعانون من بيئة عمل ضعيفة إجمالاً، فإنّ ذلك سيعود على المرضى بنتائج أسوأ. وهنا نجد أنه من المهم  جداً القول أنّ تعميم الحوافز المالية أو الإجراءات السلوكية سوف يفشل غالباً إن لم يقم القادة بإشراك الأطباء السريريين المحليين أو لم يهتموا بثقافة مؤسساتهم.

أظهر البحث أنّ المعالجات التي استهدفت تقوية الثقافة نتج عنها تقديم رعاية أفضل. مثلاً، وجدت دراسة لـ10 مستشفيات على مدى سنتين أنّ ثقافة التغيير الإيجابي – والتي تحققت في هذه الحالة من خلال معالجة استهدفت تمكين الطاقم على جميع المستويات من إنقاذ أرواح أكثر – قد ارتبطت بمعدلات وفاة أقل بنسبة 1% في المستشفيات (وهو تحسن كبير من وجهة نظر طبية). وجدت دراسة أخرى أنّ جودة الرعاية الصحية المقدمة في المستشفيات ترتبط ارتباطاً إيجابياً بقيام قادة المستشفيات بإشراك الأطباء السريريين في الصفوف الأولى ودعم جهودهم في التحسين، وبنائهم ثقافة بعيدة عن تبادل اللوم.

وقد وجدت مراجعة منهجية لـ62 دراسة رصدية أنّ هناك ارتباطاً مستمراً بين الثقافة المؤسساتية الإيجابية وتحسن النتائج الطبية السريرية– بما في ذلك تقليل معدل وفيات المرضى. ومع أننا في انتظار دراسات عشوائية، إلا أنّ نظرة أقرب على المستشفيات التي نجحت في تغيير ثقافتها وتحسين نتائج الرعاية للمرضى تُظهر ارتباط أفضل النتائج بتبني الإدارة العليا لقرارات يتخذها الأطباء السريريون أنفسهم، وهو ما يخلق ثقافة تعلم ويجعل الأشخاص يشعرون بالأمان النفسي عند التحدث بصراحة عما قد يحدث من أخطاء.

يجب على قادة الرعاية الصحية الملتزمون بتحسين الرعاية السريرية أن يجروا تقييماً لثقافاتهم المؤسساتية ويحددوا الفرص الممكنة لتحسين الأمور. ليس هذا سهلاً بالطبع، لكن هناك الموارد العديدة والمتوفرة لذلك، منها مثلاً معهد تحسين الرعاية الصحية (the Institute for Healthcare Improvement) أو إطار العمل المعروف باسم “التحرك ضد الاستخدام المفرط” (Taking action on oversuse). وبالطبع، إنّ لكل معالجة سيئاتها وحسناتها وتكاليفها المرتبطة بالفرص التي تقدمها وعواقب غير محسوبة. لكن محاولة تطبيق المنهجيات من القاعدة إلى القمة سوف يمكّن الأطباء السريريين من قيادة ومراقبة ما يحدث من تحسينات في بيئتهم المحلية، وسيساعدهم في الكشف عن المشاكل والتخفيف منها. إنّ اتباع مثل هذه الاستراتيجيات أفضل بكثير من فرض الأوامر من أعلى إلى أسفل، ومن الشعارات الرنانة وحصص التدريب على الإنترنت. مثلاً، تضمنت إحدى المبادرات الأكثر نجاحاً في حركة سلامة المرضى محفزات مالية وتغييرات ثقافياً ومشاركة من الأطباء المحليين لقيادة نشاطات تحسين الجودة – وهو ما أنتج انخفاضاً كبيراً في التهابات مجرى الدم المركزي (المميت عادة) والذي يمكن تجنبه.

صحيح أنّ للحوافز المالية والترغيبات السلوكية ميزاتها الإيجابية، لكن أياً منها لا يكفي لتغيير سلوكيات الأطباء السريريين وتحسين جودة الرعاية. وعلى الرغم مما تتسم به الثقافة المؤسساتية من تنوع وتعقيد، إلا أنها توفر نظرة مهمة تساعد في فهم السبب الذي يجعل الأطباء السريريين يعملون بطريقة معينة ومن ثم وضع حلول طويلة الأمد وأكثر شمولية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz