إلى حد ما، يُعتبر مفهوم المؤسسة الآلة من أكثر المفاهيم المنتشرة في الإدارة، وذلك عند وصف المؤسسة بصوره معينة، إذ تنظر هذه الاستعارة إلى المؤسسة على أنها تتكون من الأجزاء المتشابكة التي تتناسب معاً، وأنها تقوم بأداء العمل بطريقة آلية ومتكررة. فنرى أنّ معظم المدراء أو الأشخاص الذين هم في مواقع السلطة الرسمية ضمن المؤسسة يرغبون في التعامل مع زملائهم كما لو كانوا تروساً في آلة. تُعتبر المؤسسة كياناً قائماً بذاته ويتطلب مدخلات ونتائج معينة، فتم استخدام هذه الاستعارة للإيعاز بأنّ عمليات المؤسسة الإدارية في تناغم جيد كالآلة في عملها. وعندما نرسم هيكلاً تنظيمياً للمؤسسة، مع التسلسل الهرمي للأدوار والعلاقات وآلية الإبلاغ للمستوى الأعلى، فنحن عموماً ودون وعي نقوم بتطبيق مفهوم المؤسسة الآلة.

نسعى في هذا المقال إلى الكشف عن الآثار التي تواجه الموظفين عند العمل في المؤسسة الآلة. لكن لابد من طرح السؤال التالي في بداية الأمر: كيف يمكننا تشخيص المؤسسة الآلة؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يقول غاريث مورغان في كتابه “صور المؤسسات”: “أنّ الموظفين في هذا النوع من المؤسسات، يتوقع منهم الوصول إلى العمل بشكل يومي وفي زمن محدد، ويقومون بواجبات يومية معينه ومحددة ويأخذون قسطاً من الراحة في وقت معين ومن ثم يبدؤون في العمل من جديد حتى ينتهي العمل الرسمي. ومن ثم تكرار ذلك بطريقة ميكانيكية مرة اُخرى. فالمؤسسات هي الآلات والموظفون هم جزء من هذه الآلات”. لذلك، سيلاحظ المتفحص لمطاعم الوجبات السريعة وجود نمط الآلة في هذه المطاعم وانعكاس النمط السابق ذكره على الموظفين أنفسهم. حيث أنّ هؤلاء الموظفين تم تلقينهم على أُسس معينه بحيث يختلطون مع الزبائن بطريقة مبرمجه، بسبب الأنظمة والسياسات الموجودة في المؤسسة والتي بالعادة هي قابلة للرقابة من خلال قائمة تدقيق معينة. ولكن هنالك بعض الدلالات الكافية التي من خلالها يمكننا تشخيص المؤسسة الآلة والتي نستطيع أن نسقطها لنرى ما يمكننا فهمه من “السلوك الآلي” لدى الموظفين.

أولا: التخصص

على سبيل المثال: يمتلك جهاز الحاسب الآلي تكوينه الخاص، فكل جزء له دوره المحدد في مجمل عملية تشغيل الجهاز، فيحتوي على الشاشة، ولوحة المفاتيح، ووحدة معالجة إلكترونية، وذاكرة الوصول العشوائي، وغيرها من الأجهزة الداخلية الأُخرى. ويلعب كل منها دوراً متخصصاً وهاماً في تشغيل الحاسب الآلي بشكل صحيح. ومن خلال ربط نفس المبدأ في المؤسسة الآلة وبكيفية عملها، نرى على سبيل المثال في مطاعم الوجبات السريعة أنّ هنالك موظفين لهم جوهرهم المحدد في عملية تشغيل وإدارة المطعم. فنجد أنّ هنالك موظفاً مختصاً لأخذ الطلبات فقط، وآخر يقوم بإعداد الوجبات، وكذلك شخص آخر يقوم بتغليف الوجبة وتسليمها بشكل سريع للعميل وهكذا. هؤلاء الموظفون متخصصون في نوع معين من الواجبات اليومية، حيث يقومون بإعدادها بشكل متكرر. لذلك هذا الأمر يُعتبر أحد الأعراض التي من خلالها يمكن تشخيص المؤسسة الآلة، فيحدد هيكل العمل الموضوع بشكل دقيق الأنشطة المرتبطة مباشرة بخطوط القيادة التي لا يجب تجاوزها.

ثانيا: القابلية للاستبدال

أما المبدأ الآخر فهو القابلية للاستبدال، يمكن على سبيل المثال استبدال قطع جهاز الحاسب الآلي التي هي بحاجة إلى تصليح أو إلى ترقية أو التالفة في أي وقت وحسب الحاجة. وإذا تم أخذ نفس المبدأ على المؤسسة والموظفين فإنه يمكن للإدارة الاستغناء عن أحد موظفيها في حالة عدم تحقيقه للأداء المطلوب أو عدم قدرته على مواكبة التغيير الحاصل في المؤسسة. ويمكن أن تقوم الإدارة في المؤسسة المعنية بتسريح أحد موظفيها بسبب ضعف في الأداء أو بسبب عدم الحاجة إليه، حيث تقول إيمي رييس في مقالها حول “الموظفين العظماء لا يمكن استبدالهم” والذي نُشر في مجلة “فوربس”: “يمكن للمؤسسة أن توظف شخص ما لملء وظيفة معينة ليحل محل شخص آخر في أي وقت. لأن سوق العمل اليوم مليء بالمرشحين الذين هم حريصون وعلى استعداد تام لأخذ زمام مهمة شخص آخر. وذلك لأن الموظفين يُعتبرون كتروس معدنية في أحد أجزاء الآلة والتي هي قابلة للاستبدال في أي وقت”.

ثالثا: البرمجة

تُبرمج الآلة للقيام بأداء العمل الذي تمت برمجتها من أجله ودون تدخل أحد. على سبيل المثال يمكن برمجة الحاسب الآلي للقيام بلعب الشطرنج بطريقة احترافية، حيث يمكن برمجة الحاسب الآلي للقيام بالاستجابة للفعل الذي تم استخدامه من قبل الطرف الثاني في لعبة الشطرنج بشكل تلقائي وسريع، بسبب تلقينه كل الحركات الممكنة في اللعبة. وتنعكس هذه الخاصية في مؤسسة الآلة بشكل واضح على الموظفين، فاحتمالية وجود السلوك الآلي بشكل كبير سيكون واضحاً. وذلك يتضح من خلال الاستجابة لطلبات العملاء كما تم ذكره في مثال تلقي أحد الموظفين لطلبات العميل في أحد المطاعم الخاصة بالوجبات السريعة. فيقول كاي ليفرانسيوس في كتابه حول “نظريات في التعلم البشري”: “يمكن برمجة العقل البشري بطريقة معينه للعمل بشكل تلقائي وسريع، ويمكن للبشر التصرف بطريقة آلية في المواقف التي يخضعون لها إذا ما اقتضت البيئة ذلك”.

وجود هذه الخصائص ضمن ثقافة المؤسسة تجعلها بلا شك المؤسسة الآلة كما أشار إليها غاريث مورغان، وهي بلا شك تعكس ما هو الأمر بالنسبة للمؤسسات التي تخلق مستوى من التوتر الذي يصعب على الأفراد تحمله. فالمدراء الذين يعتمدون مبدأ السلوك الآلي للموظف، يؤمنون بأهمية التخطيط المفصل حول الأهداف والغايات المحددة سلفاً في العمل. وهؤلاء المدراء الذين يعملون في هذه المؤسسات يهتمون بالتحكم، والدقة في أداء الأعمال، والروتين، وأخيراً الفعالية في أداء المهام، والذي يعكس مبادئ أو خصائص الآلة. لذلك يترتب في كثير من الأحيان وجود أثار سلبية تواجه الموظفين عند العمل في هذا النوع من المؤسسات، ومن هذه الآثار السلبية التالي:

الشعور بعدم الأمان

تعتبر المؤسسة الآلة الموظفين كأنهم أحد المنتجات التي تقوم المؤسسة بتجهيزها، والتي يمكن بسهولة استبدالها أو تغييرها في أي وقت، حيثُ أكد كل من ترود فيرنر و رايدر مايكلتون من جامعة ستافنغر في النرويج خلال دراستهم التي كانت حول تحليل استخدام المدراء للصور المجازية مثل مفهوم المؤسسة الآلة في عشرين فندقاً ضمن النرويج، أنه ليس هنالك أي سبب قوي للتركيز على استراتيجيات إدارة الاحتفاظ بالموظفين والحد من الدوران الوظيفي أو الحفاظ على أصحاب الخبرة في المؤسسة. لذلك معظم العاملين في هذه المؤسسات ينتابهم شعور سلبي بعدم وجود أمان وظيفي في هذا النوع من المؤسسات.

الصعوبة في التكيف

يقول دانيال براون، في كتابه حول “اللامركزية والمدرسة القائمة على الإدارة”: “يؤثر مبدأ المؤسسة الآلة على الموظفين بشكل سلبي، ما يجعلهم يتبعون السلوك الآلي. وهذا الأمر ينعكس في عدم قدرة الموظفين على التكيف والتغيير بشكل سريع وفق المتطلبات الداخلية أو الخارجية لبيئة العمل. ويتميز هذا النوع من المؤسسات ببيئة مغلقة، ولديها صعوبة في التكيف والتغيير نحو متغيرات السوق.

الصعوبة في الاتصال والتواصل

أكدت إحدى الدراسات أنّ من الأثار السلبية الأُخرى التي تواجه موظفي المؤسسة الآلة هو عدم وجود اتصال وتواصل ما بين الموظفين. وأشارت هذه الدراسة التي قام بها كانذر ويتزني إلى أنّ الآلات لا يمكن أن تتواصل أو تتفاهم مع بعضها البعض، إذ ينطبق على الموظفين العاملين في المؤسسة الآلة الوصف السابق. لذلك فقد تكون هنالك عقبات للتغيير والابتكار داخلياً بسبب عدم التواصل ما بين الموظفين في مثل هذه المؤسسات.

وأخيراً، تُعتبر المؤسسات الآلية من ضمن الأنظمة المغلقة، وليست المفتوحة للتعلم الداخلي والتكيف الذاتي وهي مناسبة عموماً للمؤسسات ذات الهيكل المستقر وذات المنتج المستقر وللسوق الثابت نسبياً. ولكن، في ظل التطورات والمتغيرات الحديثة والتي تعصف بالكثير من المؤسسات حول العالم نتيجة متغيرات سوق العمل الحديثة ووجود متطلبات متغيرة من قبل العملاء، فلابد من أن تكون هنالك مبادرات تستطيع من خلالها المؤسسات خلق بيئة عمل قادرة على التكيف بشكل سريع. ولابد أن يكون لديها اهتمام بالطاقات البشرية، بحيث تسهل وتساعد في تشجيع موظفيها على الإبداع والابتكار والتغيير بشكل يواكب متطلبات العملاء ويفوق توقعاتهم. بالإضافة إلى أهمية تشجيع الموظفين على الاتصال والتواصل فيما بينهم بشكل مستمر من خلال الاعتماد على فرق العمل على سبيل المثال، لأنها تساهم في التواصل مع الآخرين وتُساعد في كثير من الأحيان على الاستمتاع بالعمل في المؤسسة وتحويلها إلى مؤسسة جاذبة قابلة للتعلم والتغيير، بدلاً من كونها مؤسسة ذات طبيعة آلية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!