تابعنا على لينكد إن

كثيرٌ مما نتمناه لأولادنا وبلادنا مرتبط بإتقان اللغة الإنجليزية: فهي لغة الأعمال العالمية والجامعات المميزة وأسلوب الحياة الجذاب. اللغة مرتبطة بشكلٍ كبير بطموحنا وما نسعى لتحقيقه وقدرتنا على المنافسة في المستقبل. أما لغتنا العربية فترتبط بحال منطقتنا وما تعيشه من خيبات، بالإضافة إلى أساليب تعليمها البائدة، وضعف جودة المحتوى العربي على الانترنت مما يقلل من فائدة اللغة العربية في الوصول إلى مصادر المعرفة والمعلومات. اللغة أداة للعيش الكريم، قبل أن تكون هوية، وبالتالي فالجانب الاقتصادي العملاني فيها يوازي إن لم يسبق الجانب الثقافي العاطفي. واللغات كائنات حيّة والأبٍقى منها هي الأكثر مرونة واستجابة، وحتى الإنجليزية التي تعتبر لغة عالمية ستواجه تحديات تتعلق بما يطرأ في العالم من تغيرات في القوى الاقتصادية والتحالفات السياسية الإقليمية على الصعيد العالمي.

ولكن هناك “خرافات” شائعة حول اللغة العربية. الأولى هي أنها تمثّل بلهجاتها لغات متعددة يحتاج المتحدث بها لدراسة كلٍ منها على حدة، وتلك الخرافة تدحضها حقيقة أن العربية الفصحى هي لغة الأخبار والجرائد والوثائق الرسمية والإعلام الفضائي العربي من عُمان إلى المغرب وبالتالي فهي لغة مفهومة لأغلب سكان المنطقة وإن لم تكن لغة حديثهم اليومي.

الثانية هي توهم بأن العامية ستقضي على الفصحى (أو العكس كما يأمل الكثير من اللغويين) وكأنهما لغتان مختلفتان تعيشان في فضائين منفصلين، وهما في الواقع تتعايشان وتتفاعلان مع بعضهما في عقول العرب وفي نصوصهم على منصات التواصل. وقد أتاحت الانترنت والقنوات الفضائية انفتاح اللهجات على بعضها والوصول إلى قاعدة لغوية مشتركة كما يظهر في برامج المسابقات الحيّة.

أما الخرافة الثالثة فتقول أن أهمية اللغة العربية ستخف لدى أهلها على اعتبار أن لغة الأعمال والعلوم عالمياً هي الإنجليزية، علماً أن هذا الاعتقاد غير موجود في لغات أصغر نطاقاً من اللغة العربية كالألمانية مثلاً مع أنّ أكثر من 90% من البحث العلمي المنتج داخل ألمانيا يتم باللغة الإنجليزية. بالإضافة إلى إن الإنجليزية في بلادنا ما زالت ضعيفة الانتشار ونخبوية إلى حدٍ بعيد، ويظهر ذلك جلياً في الدول الكبيرة بعدد سكانها حيث لا تتقن غالبيتهم الساحقة إلا العربية. ومن المفيد لنا أن نعرف أن العربية هي من أسرع اللغات نمواً بين اللغات الأجنبية التي يتعلمها طلاب الجامعات في كل من الصين وأميركا منذ 2014 وحتى اليوم، وذلك على الأغلب لفرصة يرونها في بلادنا.

كفاءة التواصل بالانجليزية هي مهارة أساسية من مهارات القرن الواحد والعشرين، مثلها مثل استخدام الكومبيوتر أو البحث على الانترنت. لكن في خضم المنافسة العالمية، تبرز الضرورة الاقتصادية للغة العربية لتعزيز تنافسية منطقتنا والتخفيف من التشرذم فيها لإيجاد أسواق كبيرة بما يكفي لتحقيق جدوى اقتصاد المعرفة والاقتصاد الرقمي. هذه خمس مقاربات أجدها ضرورية وملّحة لإصلاح اللغة.

اللغة الأم بحاجة إلى أم

هناك غياب كامل لمرجعية للغة العربية. ما يسمى بـ “مجمع اللغة العربية” هو مجموعة مؤسسات بيروقراطية، أشهرها موجود في دمشق وبغداد والقاهرة، تقارب الموضوع من جانب الهوية القومية أو الدينية والحنين إلى الماضي. المرجعيات للغات الأجنبية فتتمثل في معاجمها التي يتم تحديثها سنوياً فتقوم بتوثيق كلمات جديدة دخلت إلى التداول بحكم استخدام الناس لها، وتوثيق استخدامات جديدة لمفردات قائمة. التوثيق هو الكلمة الفصل هنا، فلا رغبة بفرض مفردات على الجمهور إن كان قد اعتمد مفردة تؤدي المعنى. ولا شك أن نشر معجم عربي حديث يتم إضافة كلمات جديدة عليه بشكل دوري سيساعد في ملء الفراغ الحالي، وهذا أمر يمكن أن تتولاه دور نشر بالتعاون مع جهات حكومية. وفي الوقت نفسه، أرى أنه لا بد من إنشاء مؤسسة مرجعية عصرية للغة العربية يقوده فكر شاب وتغذيها دماء شابة تكون مهمتها دفع العربية لمواكبة جيل هو نتاج ظرف تاريخي مختلف، وتستخدم أساليب حديثة لتسهيل استخدامها، والأفضل أن تقوم هذه المؤسسة في دولة تعيش حالة نهضوية تمتد إلى محيطها كالإمارات والسعودية أو بالشراكة بينهما. هل يمكننا أن نسعى لاستشراف المستقبل في القطاعات المختلفة، ونترك لغتنا معلقة في الماضي؟ الصين سبقتنا في هذا المضمار، وحوّلت اللهجة المحكية في بكين إلى أساس اللغة الرسمية السائدة في الصين اليوم، الماندارين. كانت اللغة الجديدة مفهومة من قِبل 50% من الصينيين في بداية عام 1950 ، واليوم يفهمها ويتحدث بها أكثر من 95% من الصينيين، والـ 5% الباقون هم من كبار السن الذين لم يتعلموا الماندارين. ما قاموا به فعلاً هو إيجاد الفصحى الصينية.

لا لقدسية الفصحى

ساعدت الانترنت في زيادة المحتوى العربي، وأدت إلى مبادرات ترجمة عديدة للمصطلحات الجديدة في مختلف المجالات، ولكن أغلبها كان فردياً غابت عنه الحالة المؤسسية، مما خلق تشويشاً ناتجاً عن ظهور عدة مرادفات عربية للمصطلح الأجنبي نفسه. إن وجود مرجعية يساعد بإيجاد أو رصد مرادفات بشكل سريع يواكب سرعة التطور العلمي والمعرفي في العالم وفي تعميمها على وسائل الإعلام. ويمكن البناء على الأساليب التي أدخلت مسميات عربية لأشياء جديدة مثل سيارة، طائرة، باخرة، غواصة، محرك، مكوك، صاروخ، مجهر، مكيف، وغيرها من الكلمات التي نجح تعريبها وأصبحت تستخدم بالفصحى والعامية على حد سواء وهي مفاهيم أجنبية لم تنشأ أصلاً بالعربية. لا بد من إعادة المرونة للغة العربية سواء بإدخال كلمات عامية إلى المعجم العربي (خاصة المنتشرة منها: شوف، أبغي/بدي/عاوز، مشان/عشان، بس، ليش، مش/مو/ماكو وغيرها الكثير) وكذلك إدخال كلمات أجنبية على العربية، في نهج يأخذ بعين الاعتبار الحاجات اللغوية الجديدة ومواقف استخدام اللغة ويركز على وظيفيتها. الفصحى ليست مقدّساً لا يمكن مسّه ولا هي كاملة لا تحتاج إلى التطوير والتغيير، خاصة أن العاميات أصبحت في عصر التواصل مكتوبة وليست محكية فقط.

لنعلمها لأولادنا كما نعلمها للأجانب

ولعل جزءاً رئيسياً من ابتعاد بعض أبناء الجيل الجديد عن اللغة العربية هو طريقة تعليمها المرتبطة بالأدب والشعر القديم وحالات النحو والصرف المعقدة. هناك حاجة ضرورية لإخراج اللغة العربية من الحالة التراثية وتناولها كضرورة للتنمية بدل قصر أهميتها على الهوية الثقافية أو القومية أو الدينية. فجسر الهوة بين الفصحى واللهجات يتطلب تدريس اللغة العربية كلغة واحدة فيها الفصحى والعاميات الرئيسية، إذ أن المزج بينهما هو حالة طبيعية في العديد من المواقف الحياتية اليومية. لا يمكن أن يحدث ذلك دون إصلاح طريقة تعليم اللغة العربية في المدراس، وهنا يمكن الاستئناس بطرق تدريس اللغة العربية للأجانب، فقد تم ابتكار عدة سبل حديثة في جامعات غربية مثل جامعة أوكسفورد وجامعة تكساس مزجت بين العامية والفصحى جاعلةً منها لغة واحدة، وأعطت الناحية الوظيفية للغة كوسيلة للتواصل الأولوية على جانبها الأدبي الإنشائي الذي لا يلزم إلا المختصين.

التوفل العربي

ساهمت الامتحانات القياسية للغة الإنجليزية مثل توفل وآيلتس في تغيير أسلوب تعليمها حول العالم بما يساعد في الوصول إلى الحد الأدنى من الكفاءة في استخدامها، وكان لذلك دور في جعلها لغة عالمية. وأدّت هذه الامتحانات كذلك إلى تدريب المدرسين على تدريس الإنجليزية بطريقة مبسطة لمساعدة الطلاب على اكتساب تلك الكفاءة وبالتالي اجتياز الامتحانات بنجاح. وللغات العالمية الأخرى امتحانات لقياس مدى التمكّن منها كالديليه للإسبانية وديلف للفرنسية. وأرى الحاجة ملحة لامتحانات مشابهة للغة العربية لكل الراغبين بالالتحاق بالوظائف التي تتطلب مستوى معيناً من الكفاءة باللغة العربية، أو من يريدون بالعمل في دولة عربية تستخدم لهجة مختلفة عن لهجتهم. وأعتقد أن هذه الاختبارات يجب أن تكون مبنية على تقييم قدرة استخدام اللغة العربية وظيفياً بمزيج من الفصحى والعامية، مما يساهم في الدفع باتجاه جسر الهوة بينهما وإنتاج “العربية البيضاء”، التي سيكون لها أثر جيد على طريقة التدريس وإعداد المدرسين.

الآلة تتكلم عربي

لشركات التقنية الكبرى مثل جوجل ومايكروسوفت دورٌ استثنائي في المحافظة على اللغة العربية لأنها تستثمر فيها وبتقنياتها للوصول إلى أسواقنا. ولمعرفة حجم الخدمة التي قدمتها تلك الشركات للغة العربية، تذكروا انتشار “العربيزي” في الرسائل القصيرة والذي توقف في عصر الهواتف الذكية التي سهّلت الانتقال إلى لوحة المفاتيح العربية. أنا من المؤمنين بالفرصة الاقتصادية الكبيرة في تقنيات اللغة العربية باستخدام معالجة اللغات الطبيعية وتعلم الآلة والذكاء الاصطناعي لما لها من تطبيقات تجارية وحكومية وعلمية لا عدّ لها. فمثلاً، من خلال عملنا في البحث العربي على الانترنت وجدنا أن 75% من المحتوى العربي منتج بالفصحى، و10% باللهجات الخليجية، و6% بالمصرية، و6% بالشامية، و1.5% باللهجات المغربية. هذه الأبحاث تساعد في استخراج الكلمات المشتركة بين هذه اللهجات، وطرق المزج بين العاميات والفصحى، للوصول إلى العربية البيضاء. طبعاً العربية هي من أسرع اللغات نمواً على الانترنت لكنها من الأقل استثماراً في تقنياتها. وقد استثمرت الدول الكبرى التي لا تستخدم الأحرف اللاتينية بشكل كبير في هذا المجال، والصين وروسيا وكوريا أمثلة واضحة في جهود حماية قطاع المحتوى، بما في ذلك عمليات البحث على محركات البحث حيث تسيطر عليها في البلدان الثلاثة شركات محلية تتفوق على الشركات العالمية المعروفة.

إصلاح اللغة العربية ليس بالأمر السهل، شأنه شأن كل المشاريع الكبرى والطموحة، لكنه مشروع يستحق الجهد والإصرار. أدعو إلى التفكير بهذه المقاربات والبناء عليها والاستثمار فيها سواء في السياسات العامة أم في المشاريع الخاصة الريادية، وفي ذلك خدمة عظيمة ليس للغة العربية بحد ذاتها وإنّما لوظيفتها في خدمة بلادنا واقتصادنا ومستقبلنا.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

3 تعليقات على "اللغة العربية في عالم متغير: خمس مقاربات ضرورية"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
Mousalam
Member
Mousalam
9 شهور 3 أيام منذ

اوافقك الرأي اخي عبدالسلام بخصوص البعد الاقتصادي والاهم من ذلك ان مبادرات من هذا النوع ستكون داعمة و معززة
للهوية العربية خصوصا في هذه المرحلة. قد اختلف قليلا مع فكرة دمج العامية مع الفصحى و لكن هذا التخوف سيزول مع ادارة و توصيف و تحديد الدمج عبر مرجعية موثوقة. المهمة شاقة والبداية اصعب. وفقكم الله

Rakan.Tarabzoni
Member
Rakan.Tarabzoni
9 شهور 2 أيام منذ

أشكرك على المقال القيم أخي عبدالسلام…. كلنا نعلم أن اللغة العربية باقية ما بقت الدنيا ولكنها فقدت الكثير من بريقها لقلة استخدامها ولاعتقادنا أنها لا تستطيع مجاراة عالم التقنية والتطور اليوم، مع أنها كما قلت لها مفردات بالملايين. مشكلتنا اليوم هي مشكلة الجيل الجديد وجعلهم يقدرونها ويستخدمونها خارج إطارها الديني (صلاة وقراءة للقرآن) ففكرتك بتعليمها أبنائنا كما نعلم الأجانب هي فكرة رائعة ويجب تجربتها.

Tarekhbr
زائر
Tarekhbr
9 شهور 2 أيام منذ

مقالة أكثر من رائعة، عملية، واقعية، ومبنية على نظرة بعيدة المدى. آن الأوان للاستفادة من تجارب الأمم الأخرى ومن التقنيات المتاحة، ولنعطي لغتنا الاهتمام الذي تستحقه. توصيف دقيق ومعلومات هامة استاذ عبد السلام هيكل.

wpDiscuz