تابعنا على لينكد إن

تابعنا على لينكد إن

ارتفع بشكل حاد في السنوات الأخيرة تعداد اللاجئين في العالم واحتدم معه الجدل بين الحكومات حول البلدان التي عليها استقبال المُهجَّرين بسبب الحروب أو الكوارث. يبرز في صلب هذا الجدل الحديث عن التكلفة حيث يُنظر إلى اللاجئين على أنهم عبء اقتصادي على البلدان التي تستقبلهم. وهكذا يشتعل النقاش بين فريق يرى أن التكلفة باهظة جداً، وفريق آخر يرى أن تلبية الاحتياجات الإنسانية أهم من أي التكلفة.

لكن دراسة أجريتُها، بالإضافة إلى دراسات قام بها آخرون، تُظهر أن الفرضية التي يقوم عليها الجدال هي بالأساس خاطئة: ليست مساعدة اللاجئين بتلك التكلفة الباهظة التي نعتقدها. في الواقع، عندما تُدار مخيمات اللاجئين جيداً تعود مساعدة اللاجئين بالفائدة على المهجَّرين وعلى الاقتصادات المحلية على حد سواء. وبالفعل لاحظنا في أحد المخيمات التي قمنا بدراستها أن النشاط الاقتصادي المرتبط بمخيم اللاجئين زاد نصيب الفرد من الدخل في المجتمع المُضيف بنسبة وصلت للثلث.

تعاونت مؤسسة يو إس دافيس (US Davis) مع برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة لتقييم التكاليف والفوائد الاقتصادية لثلاثة مخيمات للاجئين في راوندا تديرها المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. استخدمت الدارسة، التي نشرتها صحيفة ’’تقارير الكلية الوطنية للعلوم‘‘ التحليل الاقتصادي القياسي مع بيانات من استبيانات محلية ونماذج اقتصادية محلية لمحاكاة تأثير اللاجئين على اقتصاد البلد المُضيف ضمن مساحة نصف قطرها 10 كم من كل مخيم.

بدا واضحاً لنا أن اللاجئين الكونغوليين في راوندا يكسبون دخلاً أعلى من المعونة التي يتلقونها من برنامج الغذاء العالمي. وتوصلنا بالإضافة لهذا إلى وجود عاملين اثنين يمكنهما إلى حدٍّ كبير مساعدة اللاجئين والمجتمعات المُضيفة لهم معاً.
الدرس 1: أعطِ نقوداً بدل الطعام

يتلقَّى اللاجئون في اثنين من المخيمات التي درسناها أغذية من برنامج الغذاء العالمي في شكل نقدي، أما في المخيم الثالث فيحصل اللاجئون على نفس القيمة من المعونة لكن في شكل أغذية. في جميع هذه المخيمات الثلاث يُسمح للاجئين بالخروج والعودة إلى المخيمات متى أرادوا والتعامل مع المؤسسات التجارية في البلد المضيف وإدارة أعمالهم الخاصة واستئجار عمَّال للعمل لديهم داخل أو خارج المخيمات. تراوحت أحجام هذه المخيمات التي درسناها ما بين 14,774 إلى 18,614 شخص في مقاطعات يتراوح فيها عدد السكان ما بين 126,000 إلى 183،000.

وجدنا منافع اقتصادية أكبر للبلد المضيف عندما تُقدَّم المعونة الغذائية للاجئ في صورة نقدية بدل أن تكون في شكل أغذية. وقد تحققت أعظم المنافع في المنطقة المحيطة بمخيمٍ يعتمد النظام النقدي للمعونة يقع في منطقة جيدة إلى حد ما زراعياً وفيها وفرة في موارد الغذاء والوظائف التي تتلاءم مع مجموعة المهارات لدى معظم اللاجئين.

إليك تفصيل ما يحدث بالضبط: يوفر برنامج الغذاء العالمي هواتف جوال موصولة بحسابات للدفع يستخدمها اللاجئون لشراء الأطعمة وأية مستلزمات من متاجر اللاجئين أو متاجر البلد المضيف التي تقبل الدفع بالهواتف الجوالة. كما أنَّ بإمكان اللاجئين تحويل رصيدهم إلى نقود والتعامل مع أي مُوَّرد بما في ذلك الأسواق المحلية الأسبوعية التي كثيراً ما تنشط خارج المخيمات التي تعتمد النظام النقدي. وجدنا أن اللاجئين يُنفقون معظم مالهم على الطعام وهذا يرفع من دخل الأعمال التجارية والمزارع في البلد المضيف ويمتد أثره بالتالي على الأسر التي تُورد العمالة وأدوات الإنتاج الأخرى. تُحفِّز هذه الزيادة في الدخل دورةً جديدةً من الإنفاق وإيرادات الدخل في الاقتصاد المحلي.

ما الذي يحدث عندما يُقدِّم برنامج الغذاء العالمي أطعمة بدلاً عن النقود؟ هذه هي الطريقة التقليدية في مساعدة اللاجئين، ولا زالت الوسيلة الأكثر شيوعاً في تقديم المعونة الغذائية. بما أن معظم الأطعمة الممنوحة هي أطعمة مستوردة فإن هذا يُحجّم أي دور للمزارعين والمُوردين المحليين. المشكلة الأخرى هنا هي أن الطعام المتبرّع به ينقصه التنويع. في راواندا مثلاً هناك أربع مكونات في السلة الغذائية التي تُعطى للاجئين: الفاصوليا والذرة والملح وزيت الطبخ، وهو الأمر الذي يفسر قيام اللاجئين عادة ببيع الأطعمة الممنوحة لهم. في مخيم كيجيم في راواندا، قام 9 من بين كل 10 من اللاجئين في المخيم ببيع جزء أو كامل مخصصاتهم الغذائية المقدمة لهم من برنامج الغذاء العالمي في أسواق البلد المضيف خارج المخيم. عندما يبيع اللاجئون مخصصاتهم الغذائية فإنهم دائماً يحصلون على سعر أقل بكثير من سعر البيع المحلي، وما يفاقم الأمر سوءاً هو أنَّ هذه المواد الغذائية المباعة تُضاف إلى المعروض من الأطعمة المحلية في ذلك البلد وهي بذلك تضغط على الأسعار مما ينعكس سلبياً على المزارعين المحليين وعلى المنتجين الآخرين الذي يصبح عليهم منافسة المعونة الغذائية الأرخص.

تمنح المعونة النقدية اللاجئ حرية أكثر في مشترياته وخيارات أكثر لطعامه وتخلق في الوقت نفسه منافع للأعمال التجارية والمزارع في البلد المضيف. لقد وجدنا في الواقع أن الدخل الحقيقي للأسر في البلد المضيف يزيد بمقدار يصل حتى 69$ عن كل لاجئ في راوندا. هذا تأثير كبير بلا شك يوازي ثلث متوسط دخل الأسر القاطنة خارج مخيم اللاجئين. كذلك يخلق إنفاق اللاجئين سوقاً للأعمال التجارية لللاجئين الذين يشترون أغلب أدوات الإنتاج من المزارع وتجار البلد المضيف وهم بهذا يحققون ما تصل قيمته حتى 56$ عن كل لاجئ في شكل رواتب وأرباح.

ركزت دراستنا في غالبها على مساعدات الأغذية من برنامج الغذاء العالمي. لاشك أن هناك على الأرجح فوائض أخرى في الإيرادات المحلية مصدرها المعونات الغير غذائية للاجئين من الأمم المتحدة والجهات الأخرى، والرواتب المدفوعة للقائمين على المخيم، والإنفاقات الأخرى المطلوبة لتشغيل مخيم اللاجئين. لهذا فإن نتائجنا على الأرجح تمثل تقديرات الحد الأدنى من تأثيرات مخيمات اللاجئين على الإيرادات المحلية.
الدرس 2: روّج للإدماج على المدى الطويل
يجد أغلب اللاجئين أنفسهم في بلدان ذات سياسات مصممة لإيواء المهجرين على المدى القصير فقط، لكن هجرة اللاجئين كثيراً ما تصبح دائمة للأسف. خذ اللاجئ الكونغولي على سبيل المثال: عاش اللاجئ الكونغولي العادي في أقدم مخيمات راوندا (جيهمبي) لمدة 16.7 سنة، وولد أكثر من 44% من سكان ذاك المخيم في نفس المخيم. ومن هنا فإن التشجيع على الإندماج في البلد المضيف لا يخلق فقط منافع للاجئين والسكان المحليين، بل إنه أيضاً يتعامل مع حقيقة أن اللاجئين على الأرجح سيقيمون في البلد المضيف لفترة من الزمن.

وإضافة لدعمهم للمزارعين والموّردين المحليين يمكن أن يصبح اللاجئون أيضاً جزءاً مهماً من القوة العاملة المحلية في المزارع والأعمال التجارية في البلد المضيف. في راوندا، مع أنَّ اللاجئين شكَّلوا تقريباً 6% من العمال المستأجرين (و7% من عمال المستأجرين في المزارع) للعمل خارج المخيمات التي درسناها إلا أن تأثير هذه العمالة كان طفيفاً على أجور العمال الراونديين. كما أننا رأينا أن اللاجئين حفَّزوا التجارة بين الاقتصاد المحلي وبقية راواندا بقيمة وصلت حتى 55$ عن كل لاجئ في السنة الواحدة.

حتى أنَّ أوغندا، جارة راوندا الشمالية، اتخذت خطوة أكثر تقدماً في موضوع الإدماج فقامت بتوفير قطع من الأراضي للاجئين وإبعادهم تدريجياً عن الحاجة لمعونة برنامج الغذاء العالمي. أصبح اللاجئون بهذا يدفعون رواتب للعمال من البلد المضيف ويشترون أدوات الإنتاج ويساهمون في توريد الأغذية إلى السوق المحلي مثلهم مثل المزارعين في البلد المضيف. هناك مشروع جديد في أوغندا يعمل حالياً على قياس تأثيرات هذه المبادرة.

كلما زاد تفاعل المهاجرين مع اقتصاد البلد المضيف تعاظم احتمال أن ينشأ عن وجودهم منافع للاجئين ولسكان البلدان المضيفة على حد سواء.

الإسقاطات على أزمات اللاجئين الأخرى

تبيّن دراستنا أن الصورة المسبّقة التي تُظهر اللاجئين على أنهم مُضرِّون بالاقتصاد هي صورة خاطئة.

يختلف طراز مراكز إيواء اللاجئين كثيراً حول العالم، فيتراوح ما بين المخيمات الكبيرة المعزولة وحتى الإدماج الكامل في اقتصاديات البلد المضيف. تنطبق نتائج دراستنا في معظمها بشكل مباشر على أكثر من 50 بالمئة من اللاجئين الذين تدعمهم الأمم المتحدة والذين يعيشون في مخيمات.

هجرة اللاجئين السوريين مسألة تختلف في حجمها عن هجرة اللاجئين الكونغوليين في رواندا، ومع ذلك فإن نفس النتائج العامة تنطبق عليها: من المؤكد تقريباً أن قدرة اللاجئ على مساعدة نفسه وقدرته على خلق منافع لاقتصاد البلد المضيف تتعاظم عندما تتاح له فرص للتفاعل بإيجابية مع اقتصاد البلد المضيف المحيط به.

كما أننا نتوقع أن تكون اكتشافاتنا أكثر ملاءمة في البلدان المرتفعة الدخل حيث تعداد اللاجئين صغير مقارنة بتعداد سكان البلد المضيف وحيث يُظهر البحث إن الحراك الاقتصادي للاجئين أكبر. (يبدأ معظم المهاجرين في وظائف متواضعة مقارنة بالوظائف التي كانوا يشغلونها في بلدهم، لكنهم يتسلقون السلم الوظيفي أسرع نسبياً مقارنة بالمهاجرين الآخرين).

لخلق منافع اقتصادية لسكان البلد المضيف وللأعمال التجارية فيه، هناك حاجة إلى سياسة مستنيرة تسمح للاجئين بالتفاعل مع اقتصاد البلد المضيف من خلال: توفير المساعدة في صورة نقدية للاجئين وتمكينهم من كسب دخل بالعمل داخل أو خارج المخيم؛ وضع مخيمات اللجوء في مناطق يمكن فيها للموردين المحليين تلبية احتياجات اللاجئين وفيها فرص للاجئين لتدعيم دخلهم بالعمل أو تأسيس أعمالهم الخاصة؛ مساعدة المزارع والأعمال التجارية للبلد المضيف في توريد الأغذية والمواد الأخرى للاجئين وسكان البلد المضيف.

تزيد اكتشافاتنا الأمل في التوصل لسياسات موضوعة بعناية تحقق الهدف المزدوج في إعانة المُهجَّرين وخلق منافع اقتصادية لمن حولهم. سيكون لمثل هذه السياسات دورٌ محوري في تخفيف التوتر بين اللاجئين والبلاد المضيفة لهم، وتزيد من رغبة البلدان في المساهمة في تخفيف الأزمة الحالية للاجئين.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن اقتصاد عالمي

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz