أحرزت النساء حول العالم تقدماً مهماً في مجال التعليم، والمشاركة في القوى العاملة، والنشاط السياسي. ويعتقد الكثيرون أنّ التنوع الجندري في المراكز القيادية يحسّن من الفعالية التنظيمية، وذلك بفضل نقاط القوة التكميلية للنساء، وما يملكن من ديناميكية إيجابية، وتواصل فعال، إضافة إلى التشارك في اتخاذ القرارات. أما على مستوى مجالس الإدارة، يُعتقد أنّ تمثيل النساء يأتي بوجهات نظر جديدة، ويُحفّز النقاشات غير النمطية، وغالباً ما يُقدم استقلالية أعلى للمجلس، ما يؤدي إلى تعزيز آليات المراقبة. إضافة إلى المساهمة الملحوظة للنساء في تنمية وتمكين الموارد البشرية وفي المسؤولية الاجتماعية.

بالتالي، تنعكس مشاركة النساء في المجالس على الأداء المؤسسي الرفيع والنمو الاقتصادي. ويوضح تقرير "كريدي سويس" (Credit Suisse) تفوق سعر سهم الشركات التي تضم مجالس إدارتها امرأة أو أكثر بنسبة 26%. على الرغم من ذلك، يتفاوت تمثيل النساء في مجالس إدارة الشركات حول العالم. ولا يزال التمثيل ضئيلاً في بلدان عدّة. وعلى الصعيد العالمي، ارتفعت نسبة النساء في مجالس الإدارة من 12.4% عام 2014 الى 15% عام 2015، حيث تحقق أعلى تمثيل في أيسلندا بنسبة 44%، والنرويج 36%، وفرنسا 33%، وفنلندا 30%، والسويد 29%. بالمقابل، تُمثل النساء نسبة عضوية أقل في الولايات المتحدة الأميركية بنسبة 19% واليابان 3%.

وفي حين يُعتبر أداء الأسواق الناشئة ضعيفاً إجمالاً مقارنة بالأسواق المتطورة، تمكنت العديد من الدول الأفريقية تحقيق تمثيل ملحوظ، حيث مثلت النساء حوالي 20% من مجالس إدارة الشركات المدرجة في كينيا عام 2013. ومن المثير للاهتمام أنّ كينيا سبقت فنلندا والنرويج والسويد في إدراج التنوع الجندري ضمن مدونة حوكمة الشركات عام 2002.

أما أداء دول الشرق الأوسط فهو الأسوأ عالمياً بحيث شكّل تمثيل النساء في مجالس الإدارة أقل من 2% عام 2013، حيث أنّ النسبة قريبة من 8% في تونس و7% في مصر، لكنها تنخفض الى أقل من 1% في دول مجلس التعاون الخليجي، وتُعتبر النسبة ضئيلة جداً في لبنان.

وما زالت العوامل الثقافية والاجتماعية بالإضافة إلى القيود العملية هي الأسباب التي تُعرقل وصول النساء إلى مجالس الإدارة حول العالم، وهي أكثر تحدياً في الشرق الأوسط. إلى جانب ذلك، ما زالت النساء تواجه مواقفاً متحيزة وقوالب نمطية بحيث يتوجس عدد كبير من أعضاء مجالس الإدارة والمدراء التنفيذيين الذكور من "أجندات نسائية" غير ضرورية، أو يعتقدون أنّ هناك نقصاً في عدد المرشحات المؤهلات. كذلك، لا يُعطون الأولوية للتنوع الجندري في المجلس.

وتشكل متلازمة "العبء المزدوج"، (حيث تسعى المرأة إلى تحقيق التوازن بين واجبات الأسرة والمنصب) واحدة من أهم الحواجز أمام تقدمها.

وبالإضافة إلى القيود القانونية والتعاقدية المفروضة في بعض البلدان العربية، تُعاني النساء من محدودية فرص التواصل والتوجيه، وغياب البنية التحتية الداعمة، فضلاً عن ضعف إدراكهن الذاتي لقدراتهن. لكن تمكنت بعض الدول من تخفيف تحديات مماثلة وتحقيق تقدم هائل في تمثيل المرأة. فكيف يمكن للدول العربية الاستفادة من تجاربها؟

نوضح فيما يلي بعض هذه التجارب والعوامل التي ساعدت في نجاحها بهدف استخلاص العبر للدول العربية.

"الكوتا" النسائية في مجالس الإدارة: تجارب عالمية

خلال العقود الماضية، اتخذت عدة دول متطورة مبادرات وسياسات لزيادة تمثيل النساء في مجالس الإدارة، وتُعد "الكوتا" في مجالس الإدارة واحدة من أكثر هذه المبادرات جرأة وإثارة للجدل.

كانت النرويج أول بلد يطبّق نظام الكوتا عام 2003 بعد إخفاق الإجراءات الأُخرى للمساواة بين الجنسين من أجل زيادة عضوية النساء في الشركات. وفي عام 2006 فُرض القانون الذي يقضي بأن تشكل النساء 40% من مجالس الشركات المدرجة في البورصة. فارتفع تمثيل النساء من 12% عام 2005 إلى 36% عام 2008. لكن نظام الكوتا واجه مقاومة شديدة. فسادت هواجس بضعف مؤهلات النساء، أو هواجس تتعلق بمبدأ الرمزية (Tokenism)، حيث يتم تصوير النساء المنتخبات على أنهنّ أقل تأهيلاً، أو يتم التقليل من دوافع النساء لاستثمار مهاراتهنّ في ظل تقدم وظيفي سهل. فتحولت شركات نرويجية عديدة مدرجة في البورصة إلى شركات خاصة، أو نقلت إدراج أسهمها إلى المملكة المتحدة. وفي الفترة القصيرة التي تبعت تطبيق الكوتا، شهد عدد من الشركات تدهوراً في الأداء التشغيلي وأسعار الأسهم.

وتواجه سياسة الكوتا انتقادات حتى يومنا هذا. وذلك، بحسب مسح "سبنسر ستيوارت" عام 2016 إذ يدعم الكوتا 9% فقط من الرجال مقابل 49% من النساء.

لكن أثبتت الكوتا فعاليتها على المدى الطويل في النرويج، حيث تُشير الأبحاث إلى أنّ أعضاء المجلس النساء يسهمن في تخفيف الأكلاف المادية، وضعف الحوكمة، ويسهمن في تحسين أداء الشركة. وتُعتبر الكوتا مرتبطة بالقبول المتزايد للنساء في مكان العمل وفي المجال السياسي أيضاً.

العوامل الداعمة للكوتا: كيف تُقارن الدول العربية؟

لا شك أنّ على الدول العربية اتخاذ إجراءات من أجل تحسين المعدلات المنخفضة لتمثيل النساء. لكن هل هي جاهزة لتطبيق الكوتا في مجالس الإدارة؟، وإذا كانت كذلك، هل من المحتمل أن تنجح في تحقيق هذا الهدف؟

اعتمدت جميع الدول في العالم التي حققت نسبة عضوية للنساء تفوق الـ25% في مجالس الإدارة على سياسات الكوتا، ما عدا السويد. وهي دول تُصنف أيضاً على رأس "مؤشر السقف الزجاجي" (glass ceiling index) الذي يوفر مؤشرات المساوات الجندرية. فتُظهر الأبحاث أنّ لدى البلدان التي حققت أهداف الكوتا بعض الخصائص المشتركة من حيث الثقافة والقوانين والمساواة بين الجنسين. فهل تتحلى الدول العربية بهذه المواصفات؟

نورد فيما يلي مقارنة لأداء البلدان العربية اليوم عبر عينة من الدول التي اعتمدت سياسة الكوتا عند إدخالها من حيث مؤشرات المساواة الجندرية، ومنها التعليم، والمشاركة في سوق العمل والقيادة والسياسة، وغيرها من المبادرات.

وتُشير الملاحظات الواردة أدناه إلى أوجه قصور عميقة في البنية التحتية ضمن كل من البلدان العربية فيما يتعلق بأركان الفجوة الجندرية:

التعليم

لكي تتمكن النساء من القضاء على الأفكار المغلوطة بحقهن وتعزيز قبولهن في مكان العمل، عليهنّ امتلاك القدرة على المنافسة، والحفاظ على مؤهلات متساوية مع الرجال.

في المستويات التعليمية الدنيا، تُحافظ البلدان العربية، إجمالاً، على معدل مقبول للإلمام بالقراءة والكتابة فيما يخص الإناث مقارنة بالذكور، وتحتل مراتب جيدة على مقياس التحصيل العلمي كما يبين الشكل رقم (1). في لبنان، مثلاً، تشكل النساء 54% من الطلاب الملتحقين بالتعليم العالي. لكن معدل الإلمام بالقراءة والكتابة للإناث مقارنة بالذكور في بلدان أُخرى كالمغرب هو 76% بحسب تقرير الفجوة الجندرية.



النساء في القيادة: التوجيه والتمكين

لا يمكن لسد الفجوات التعليمية أن يكون كافياً من أجل تعزيز تمثيل النساء على مستوى الإدارة العليا ومجلس الإدارة. فتشبّه تيرجيسن مثلاً تمثيل النساء بالهرم. وأظهر بحث أجرته ميرسر (Mercer) عام 2015، أنّ النساء يشكّلن أكثر من نصف خريجي الجامعات حول العالم، و41% من القوى العاملة، إضافة إلى 19% فقط من المدراء التنفيذيين.

تبدو الفجوة أكبر في العالم العربي، حيث يُعتبر المعدل الأدنى لمشاركة الإناث في الادارة حول العالم. فمعدل مشاركة الإناث إلى الذكور في سوق العمل هو 37% (مقارنة بـ75% في عينة بلدان الكوتا عند إدخالها). أما بطالة النساء البالغات فهي 5.8 مرات أعلى من بطالة الرجال، و 7.3 فقط من الشركات توظف نساء في الإدارة العليا كما يبين الشكل (2) والشكل (3).

كانت نسبة الإناث إلى الذكور على مستوى المشرعين، والمسؤولين التنفيذيين والمدراء 41% في عينة بلدان الكوتا عند إدخالها بينما النسبة الأعلى اليوم في العالم العربي (تُسجّل في البحرين) هي 29%. وتشكّل النساء 23% من المراكز التنفيذية في المغرب و7% في قطر، و13% من مراكز الرئاسة التنفيذية في الشرق الأوسط مقارنة بـ21% في البلدان النامية بحسب منظمة العمل الدولية.





في حين أنه يوجد بالتأكيد حفنة من النساء المؤهلات والرائدات اللواتي واجهن تحدي القيادة في العالم العربي، لا تزال هناك حاجة إلى بذل جهود حثيثة على طول السلم الوظيفي لإعداد النساء من أجل تولي مناصب أكثر تقدماً في الإدارة التنفيذية ومجالس الإدارة. إذ يمكّنها اتخاذ إجراءات مثل الرعاية الفعالة والتدريب والتوجيه، وبرامج التطوير الوظيفي والقيادة، وشبكات التواصل أن تساعد في هذا المجال.

وتُعتبر تجارب بعض الدول الأفريقية شديدة الإلهام. فعلى سبيل المثال، تقدم جنوب أفريقيا وكينيا ونيجيريا والمغرب دورات تدريبية لإعداد النساء لمقاعد مجلس الإدارة. وتسير بعض الدول العربية على الطريق الصحيح في هذا المجال، حيث تلزم أبوظبي مثلاً لجنة الترشيحات في الشركات المدرجة بأن تهدف إلى تحقيق تنوع جندري في المجلس، إلى جانب تشجيع المرشحات من خلال تقديم الامتيازات وبرامج التدريب والتحفيز.

الفجوة في الأجور

تُشير الأبحاث إلى أنه يكون تمثيل النساء في مجالس الإدارة أعلى ضمن البلدان، حيث فجوات الأجور بين الجنسين أدنى. فكما يمكننا اعتبار الأجر المنصف بين الجنسين دليلاً ومؤشراً على الإنجاز الفردي، فإنه يشجع النساء على تكريس المزيد من المجهود لتطورهن الوظيفي.

وعلى الرغم من أنّ الدول العربية لا تزال بعيدة عن سد الفجوة في الأجور، إلا أنها تُظهر أداء مقبولاً نسبياً في مؤشر المساواة في الأجور، حيث بلغ معدلها 0.688 مقابل 0.614 لعينة بلدان الكوتا. وتُعتبر نسبة المساواة الحالية في الأجور بمصر على سبيل المثال، هي 0.76 مقابل 0.66 في النرويج عند تطبيق الكوتا عام 2006.



بناء الوعي وقبول المشاركة النسائية

يرتبط نجاح الكوتا في أي بلد بالمواقف تجاه النساء. فالغالبية العظمى من مجالس الإدارة في الشرق الأوسط ليست معتادة على التعامل مع الأعضاء النساء. وبينما تمثل النساء أقل من 2% فيما يخص مجالس الشرق الأوسط، كان تمثيلها لا يقل عن 5% عند إدخال نظام الكوتا من قبل معظم البلدان المطبقة له.



ووفقاً لمسح أجراه معهد أعضاء مجالس الإدارة في مجلس التعاون الخليجي، اعتبر 8% فقط بأنّ الكوتا ضرورية لدعم مشاركة النساء. لذلك، من الضروري أن تقوم الدول العربية بتنظيم حملات توعية تسبق إدخال نظام الكوتا أو ترافقه. وعلى الصعيد الدولي، هناك ضغط متزايد لجعل مجالس الإدارة مسؤولة مباشرة عن تحسين التوازن بين الجنسين. بالتالي، لابد من تدريب مجالس الإدارة والمدراء التنفيذيين في المنطقة بهدف الحد من العدائية المحتملة تجاه النساء المنتخبات، وتصحيح التحيزات والتصورات المغلوطة، ودفع التغيير الثقافي في الشركات.

الأُطر التنظيمية ومبادرات الشركات

عند العمل لتمكين النساء، من الضروري اعتماد سياسات تعالج معوقات جانب العرض من المعادلة، وذلك لدعم متطلبات الكوتا. فيجب على الحكومات أن تكون مثالاً يُحتذى به من خلال سن قوانين تساعد النساء على تحقيق التوازن بين التزاماتهن تجاه العمل والأسرة، بما في ذلك المنافع الصديقة للأسرة ضمن العمل، وساعات العمل الملائمة، وتيسير إجازة الأمومة والأبوة، وغيرها.

ويمكن اعتبار السياسات التي تعتمدها المنطقة في هذا الصدد ضئيلة، من دون الإشارة إلى بعض قوانين العمل التقييدية. فعلى سبيل المثال، لا تقدم سوى المغرب وليبيا والجزائر إجازة أمومة تفوق 14 أسبوعاً. وهناك عدد ضئيل فقط من البلدان العربية التي تمنح إجازة أبوة أقصاها ستة أيام وتضمن موقع المرأة في الشركة بعد الإجازة.

ويستطيع المنظمون في البلدان العربية أيضاً أن يستخدموا الشفافية كمحفز لتمثيل النساء. فيُطلب من الشركات في السويد وأستراليا وكندا مثلاً الإفصاح عن سياسات التوازن الجندري وتمثيل النساء في مجالس الإدارة.

في العالم العربي، تطلب مبادئ حوكمة الشركات في أبوظبي من الشركات المدرجة الكشف عن نسبة تمثيل المرأة في المجلس. كما يمكن للشركات والمساهمين أن يكونوا رياديين في وضع المعايير. فكانت "دايملر" (Daimler) أول شركة تتبنى طوعاً كوتا للنساء، وتعهدت بملء 20% من جميع المناصب الإدارية فيها بالمرشحات النساء بحلول عام 2020. ويعتمد بعض المستثمرين المؤسسين مؤشر التوازن الجندري كمعيار استثمار.

الكوتا السياسية

تُشير التجارب العالمية أنّ الكوتا السياسية يمكن أن تقلل من التمييز بين الجنسين على المدى الطويل. فاعتمدت النرويج مثلاً سياسات الكوتا لزيادة تمثيل النساء في الوظائف العامة منذ العام 1981. واعتمدت بلدان أُخرى، منها فرنسا والهند، كوتا لتمثيل النساء في البرلمان أو البلديات المحلية قبل اعتمادها في مجالس الإدارة.

عند إدخال الكوتا في مجالس الإدارة ضمن عينة البلدان، كانت نسبة الإناث إلى الذكور في برلماناتها تقارب 43%، فيما معدل البلدان العربية اليوم هو 16% كما يبين الشكل رقم (6). بينما تُظهر تونس والجزائر أداء متقدماً، تُمثل النساء ما بين 0% و3% فقط من برلمانات خمسة بلدان، من ضمنها لبنان. ومن الجدير بالذكر أنّ بعض دول الخليج بدأت مؤخراً بإعطاء النساء مناصب وزارية ومناصب ضمن مجالسها.



مبادرات المؤسسات الأُخرى

على الصعيد العالمي، لدى العديد من المؤسسات، مثل "نادي 30%"، وحملة "النساء في مجالس الإدارة 2020" ضمن الولايات المتحدة الأميركية، ومؤسسة التمويل الدولية، أجندات لتعزيز تمثيل النساء في مجالس الإدارة من خلال الحملات، والضغط، والتواصل، والتدريب.

وفي بعض البلدان الأفريقية، تقدم مؤسسات مماثلة دورات تدريبية، وتجمع قواعد بيانات للمرشحات من أجل عضوية المجالس. ومثل هذه المبادرات آخذة في النمو في الشرق الأوسط، لكن بوتيرة بطيئة. يقوم "نادي 30%" في الخليج العربي مثلاً بمبادرات تدريبية وبحثية. أما في لبنان، فقد أطلقت "الرابطة اللبنانية للنساء في الأعمال" (LLWB) "مبادرة النساء في قاعة مجلس الإدارة" عام 2016 بالتعاون مع غيرها من الأطراف بهدف تحقيق 30% نسبة تمثيل للنساء في مجالس الإدارة بحلول عام 2025.

خصائص البلد ... لتصميم الكوتا تأثير هام

على الرغم من أهميتها لدعم أية سياسة كوتا، لم تنجح السياسات الجندرية العضوية في العديد من دول العالم بتحقيق زيادة ملموسة في تمثيل النساء ضمن مجالس الإدارة عند تطبيقها بشكل منفرد.

وفي ضوء التجارب العالمية، يكون اعتماد الكوتا النسائية أمراً لا مفر منه. ولكن الخصائص المحددة لكل بلد تؤثر على تصميم الكوتا ومدى نجاحها.

على سبيل المثال، نجحت عدة بلدان في فرض سياسات كوتا إلزامية مقرونة بعقوبات في حال عدم الامتثال. فنجاح النرويج لم يتحقق إلا بعد أن ألزم القانون الشركات المدرجة غير الممتثلة بالتصفية. وبعد وضع إيطاليا لغرامات والتهديد بخسارة عضوية المجلس في حال عدم تطبيق الكوتا، ارتفعت نسبة النساء في مجالس الإدارة من 4.6% عام 2011 إلى 30.8% عام 2015. أما اشتراط ألمانيا بإبقائها المقاعد المخصصة للنساء شاغرة في حال عدم الامتثال، فكان أقل فعالية في تحقيق أهداف الكوتا.

في المقابل، قامت بلدان أُخرى باعتماد أهداف طوعية، أو سياسات الامتثال أو الشرح، أو سياسات تحفيزية تعتمد على خفض الضرائب والإعانات. هنا، يعتقد بعض الباحثون أنّ التدابير الطوعية تحقق تغييرات أصغر وأبطأ مقارنة بالسياسات الالزامية، لكنها تتناسب أكثر مع الثقافات "المرنة". فعلى سبيل المثال، يجادل توه وليونارديلي بأنّ تحفيز المساواة الجندرية من خلال الكوتا يكون أنجح في الثقافات "الضيقة"، حيث التدخل العالي للدولة والمعايير الثقافية الواضحة والقواعد المطبقة بحزم، مقارنة بالبلدان ذات الثقافة "المرنة". لهذا، كان من الأسهل إدخال الكوتا في النرويج وفرنسا من المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة.

في المملكة المتحدة، تم تحقيق الهدف الطوعي الذي يقوده قطاع الأعمال بنسبة 25% حصة نسائية بحيث تضاعف تمثيل النساء في عام 2015 مقارنة بـ2011 في مجال أكبر 100 شركة. والهدف التالي لعام 2020 هو حصة 33% للنساء في مجالس أكبر 350 شركة. أما في إسبانيا، وعلى الرغم من الحوافز المقدمة للشركات الممتثلة، التزمت أقل من نصف الشركات بالكوتا وشكلت النساء 17% من مجالس الشركات في مؤشر "إيبكس 35" عام 2015 مقارنة بهدف الـ40%.

وبينما بدأت بلدان أُخرى مثل كينيا وجنوب أفريقيا بفرض الكوتا على المؤسسات التابعة للدولة، تمكنت من زيادة الوعي في الشركات الأُخرى والوصول إلى مستويات ملحوظة من تمثيل النساء في مجالس إدارتها.

يُعتبر هدف الكوتا أمراً متغيّراً بين البلدان. لكن عادة، ما تتراوح العتبات بين 25% و40% بحيث تُشير الدلائل إلى أنّ الأثر الإيجابي للنساء يتحقق عند تشكيلهن ثلث المجلس على الأقل. لقد وضعت بعض الدول الناشئة مثل الإمارات العربية المتحدة والهند كوتا لمقعد واحد في مجالس الشركات، ما يمكن اعتباره هدفاً أولياً يمهد الطريق أمام القبول التدريجي  للنساء ورفع سقف القبول في المستقبل.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ مبادئ الحوكمة للشركات المدرجة في أبوظبي تضمنت شرط أن تشكل النساء ما لا يقل عن 20% من المرشحات إلى مجلس الإدارة، وأن تكشف الشركة عن أسباب عدم الترشيح. لكن هناك فجوة في الإفصاح عن التقدم الذي أحرزته الشركات الإماراتية في تحسين التمثيل النسائي.

بالتالي، لا يمكن الاعتماد على مقياس واحد للكوتا. إذ تتمتع البلدان العربية بخصائص غير متجانسة ويتعيّن على كل بلد أن يقوم بتصميم سياسة الكوتا وتكييفها بعناية انسجاماً مع دينامياته الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

كذلك، لا يمكن وضع سياسة للكوتا بمعزل عن أداء البلد في مجالات المساواة الجندرية الأُخرى. وعليه، يجب تدعيم أي نظام كوتا ببنية تحتية متينة وسياسات شاملة للمساواة بين الجنسين تشمل السلم التعليمي والوظيفي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!