لا تزال أفضل الطرق للفوز بالمنافسة العالمية خافية عن العديد من الشركات. فخلال عقد الثمانينات (من القرن العشرين) كان تقييم أداء كبار المسؤولين التنفيذين في الشركات مرتبطاً بقدرتهم على إعادة هيكلة شركاتهم، وتنظيمها، وتخفيف التراتبية فيها. أما في عقد التسعينات فسيصبح تقييم أداء هؤلاء المسؤولين مبنياً على قدرتهم على تحديد وتطوير واستغلال قدرات الشركة الأساسية لمساعدتها على النمو، مما يتطلب منهم، في الحقيقة، إعادة التفكير في مفهوم الشركة ذاته.

إذا ما قارنّا بين أداء شركتي (GTE) و(NEC) في العقد الأخير، فسنجد بأن شركة (GTE) كانت، في بداية عقد الثمانينات، تتمتع بموضع يؤهلها لأن تصبح لاعباً رئيسياً في صناعة تقنية المعلومات الآخذة في التطور. فقد امتدت أنشطة الشركة آنذاك إلى قطاعات متنوعة عديدة مثل الهواتف، وأنظمة التحويل والإرسال، والمقاسم الفرعية الآلية الرقمية الخاصة (PABX) وأنصاف النواقل، وعلب التبديل، والأقمار الصناعية وأنظمة الدفاع، بالإضافة إلى منتجات الإضاءة. كانت مجموعة جي تي إي لمنتجات الترفيه التي أنتجت أجهزة التلفاز الملون "سيلفانيا Sylvania"، تحظى بموضع متقدم بالنسبة لتقنيات العرض. وفي العام 1980 بلغت مبيعات (GTE) ا 9،98 مليار دولار، مع 1،73 مليار دولار من التدفق النقدي الصافي. أما (NEC) فكانت أصغر بكثير، بمبيعات لا تتجاوز 3،8 مليار دولار. كانت تمتلك شركة تصنيع للتكنولوجيا والحواسب مشابهة لشركة (GTE) ولكنها تفتقر إلى خبرة تشغيل الاتصالات. إذا ما نظرنا  إلى وضع هاتين الشركتين في العام 1988، فسنجد أن الصورة قد انعكست. إذ بلغت مبيعات (GTE) ا   16.46 مليار دولار، في حين وصلت مبيعات (NEC) إلى رقم أعلى بكثير بلغ 21.89 مليار دولار. لقد أصبح نشاط شركة (GTE) الأساسي هو تشغيل الهواتف، إضافة إلى إحرازها موضعاً بالنسبة لمنتجات الدفاع والإضاءة؛ أما شركاتها الأخرى فقد كانت صغيرة على المستوى العالمي. إذ تخلصت من أجهزة التلفاز سيلفانيا وتيلنيت (Telenet)، وتحولت نشاطاتها في مجالات أنظمة التبديل، والإرسال، والمقاسم الفرعية الآلية الرقمية الخاصة (PABX)  إلى مشاريع مشتركة، كما أوقفت إنتاج أنصاف النواقل. ونتيجة لذلك تراجع ما كانت تحظى به الشركة من مركز عالمي متقدم، كما انخفضت مبيعاتها خارج الولايات المتحدة لتصبح 15% إلى 20% فقط من إجمالي إيراداتها.



في المقابل أضحت شركة (NEC) شركة رائدة في إنتاج أنصاف النواقل، وتحظى بسمعة عالمية في منتجات الاتصالات والحواسب، كما عززت موقعها في صناعة أجهزة الحاسوب المركزية. علاوة على ذلك، فقد تخطى نشاطها حدود العمل بأنظمة التحويل والإرسال، ليشمل منتجات الحياة العصرية مثل أجهزة الهواتف المحمولة، وأجهزة الفاكس، إضافة إلى أجهزة الحاسوب المحمولة. ونتيجة لتنوع نشاطاتها فقد تمكنت من سدّ الفجوة بين الاتصالات وأتمتة المكاتب، إذ تعتبر الشركة الوحيدة على مستوى العالم المصنفة ضمن أفضل خمس شركات من حيث الإيرادات في مجال الاتصالات، وأنصاف النواقل، وأجهزة الحاسوب المركزية معاً.

ولا بد من التساؤل عن السبب الذي دفع هاتين الشركتين، اللتين تمتعتا في بداية عملهما بوضع متشابه، إلى أداء بمثل هذا الاختلاف؟ الإجابة تكمن في أن شركة (NEC) قد حدّدت "كفاءاتها الأساسية"، في حين لم تفعل شركة (GTE) ذلك.

إعادة التفكير في الشركات


كان بإمكان الشركات المتنوعة النشاطات، في ما مضى، توجيه أقسامها ببساطة إلى سوق معينة للمنتجات النهائية (سوق المستهلك)، وحثّها على التفوّق على منافسيها لكي تصبح من روّاد العالم. ولكن ذلك لم يعد أمرأ سهل المنال الآن بسبب التغيير السريع في حدود الأسواق العالمية. فالأهداف باتت مراوغة، وإن أمكن الإمساك بها فذلك، في أحسن الأحوال، لفترة مؤقتة، وقصيرة. لقد أظهرت شركات قليلة براعة في اكتشاف أسواق جديدة، وفي الدخول السريع إلى أسواق ناشئة، وإحداث تغييرات مثيرة في أنماط خيارات الزبون في أسواق مستقرة. وهذه هي الشركات التي ينبغي السعي إلى محاكاتها. إن المهمّة الصعبة للإدارة تكمن في إنشاء شركات قادرة على طرح منتجات فعالة يصعب على المستهلك مقاومة جاذبيتها، والأفضل ابتكار منتجات يحتاجها الزبائن لكنهم لم يتخيلوا بعدُ إمكان وجودها.

ولكنها مهمة ليست سهلة التحقيق على الإطلاق، فهي تتطلب تغييراً جذرياً في إدارة شركات كبرى؛ وهذا يعني قبل كل شيء أن تتحمل الإدارات العليا في الشركات الغربية المسؤولية عن انخفاض التنافس. إن الجميع يدركون ارتفاع معدلات الفائدة، ولديهم علم بسياسة حماية المنتجات اليابانية، وبوجود قوانين مكافحة الاحتكار التي عفا عليها الزمن، ويعرفون أن اتحادات العمال صعبة المراس، وأن المستثمرين عديمو الصبر؛ ما يصعب رؤيته، أو يصعب الإقرار به، هو أن الشركات لا تحصل في الواقع إلا على القليل جداً من الإعفاءات والإعانات من قبل النظام السياسي والنظام الاقتصاد الكلّي. إن نظريات الإدارات الغربية وممارساتها هي التي أعاقت حركة تقدمنا إلى الامام. ولذلك فإن مبادئ هذه الإدارات هي التي تحتاج إلى الإصلاح.



إن المقارنة بين (GTE) و(NEC) مفيدة وحافلة بالدروس والعبر، وهي واحدة فقط من حالات عدة قمنا بتحليلها لفهم الأسس المتغيرة للقيادة العالمية. ففي بداية السبعينات أفصحت شركة (NEC) عن نواياها الاستراتيجية الهادفة إلى استكشاف الفائدة المحتملة من الدمج بين قطاعي الاتصالات والحوسبة (computing and communications C&C)، حيث قدّرت الإدارة العليا لشركة إن إي سي أن النجاح في سعيها هذا سوف يتوقّف على قدرتها على اكتساب الكفاءات وبخاصة في مجال أنصاف النواقل. وتبنت الإدارة "بناءً استراتيجياً" مناسباً لخّصته عبر (C&C) ومن ثمّ أعلنت عن نيتها للشركة بكاملها، وللعالم الخارجي، خلال منتصف السبعينات.

شكّلت (NEC) "لجنة C&C" المولفة من كبار المدراء للإشراف على تطوير المنتجات الأساسية والكفاءات الأساسية في الشركة.كما شكّلت مجموعاتٍ ولجانَ تنسيق ذات صلاحيات تمكنها من تخطي حدود الشركات الفردية التابعة لها، وبتوافق مع الهيكلية الاستراتيجية، حولت (NEC) مقداراً هائلاً من مواردها لتقوية وضعها في مجال المكونات والمعالجات المركزية. وباستخدامها ترتيبات تعاونية لمضاعفة الموارد الداخلية، تمكنت (NEC) من مراكمة مجموعة كبيرة من الكفاءات الأساسية.

كما حدّدت (NEC) بعناية ثلاثة مسارات مترابطة من التطور في التكنولوجيا والسوق. فقد صمّمت الإدارة العليا على أن تتحول صناعة الحوسبة من الحواسب المركزية إلى المعالجة الموزّعة، وتتحول صناعة المكونات من نظام الدائرة المتكاملة البسيط (IC)إلى نظام (VLSI) ، وصناعة الاتصالات من التناقل عبر قضيب الوصل الميكانيكي، إلى أنظمة رقمية معقدة يطلق عليها اليوم اسم (ISDN). ومع تزايد التطور في هذا المجال، قدرت (NEC) أن قطاعات الحوسبة والاتصالات والمكوّنات ستتداخل إلى حد سيكون من الصعب جداً التمييز بينها، وأن هذا سيتيح فرصاً هائلة لأية شركة تمكنت من بناء الكفاءات المطلوبة لخدمة الأسواق الثلاثة.

بناءً على ذلك قررت الإدارة العليا لشركة (NEC) أن انصاف النواقل ستكون هي "المنتج الأساسي" الأهم للشركة. لذلك دخلت في عدد ضخم من التحالفات الاستراتيجية – أكثر من 100 اعتباراً من عام 1987 - متطلّعة إلى بناء الكفاءات بشكل سريع وتكلفة منخفضة. كانت أبرز تحالفاتها، في مجال الحواسب المركزية، مع شركة هانيويل أند بول (Honeywell and Bull). وقد تم توجيه جميع ترتيبات التعاون في مجال أنصاف النواقل باتجاه الدخول في التكنولوجيا. ولدى الدخول في تحالفات التعاون تلك، أدرك مدراء التشغيل في شركة (NEC) السبب الجوهري لهذه التحالفات، والهدف من استيعاب مهارات الشريك. وقد لخّص مدير الأبحاث في شركة (NEC) موضوع اكتساب الشركة للكفاءات خلال عقدي السبعينات والثمانينات بقوله: "من وجهة نظر استثمارية، كان استخدام التقنية الأجنبية أسرع وأقل تكلفة، إذ يكن ثمة حاجة لأن نطوّر أفكاراً جديدة."



لم يظهر مثل هذا الوضوح في الهدف الاستراتيجي أو الهيكلية الاستراتيجية لدى شركة (GTE)، فعلى الرغم من أن كبار المدراء التنفيذين في الشركة قد ناقشوا آثار التطور الحاصل في صناعة تقنية المعلومات، إلا أنه لم تكن هناك رؤية مشتركة بالنسبة للكفاءات المطلوبة للمنافسة في تلك الصناعة. فبينما بذل موظفو الشركة جهداً كبيراً لتحديد التقنيات الرئيسية، استمر كبار المدراء بالتصرف كما لو أنهم يقومون بإدارة أقسام مستقلة. هذه اللامركزية جعلت من الصعب التركيز على الكفاءات الأساسية. وبدلاً من ذلك أصبحت الأقسام المستقلة لشركة (GTE) تعتمد بشكل متزايد على مصادر خارجية لتزويدها بالمهارات اللازمة، وأصبح التعاون مع الشركات الأخرى في مجال معين يؤدي إلى خروج تدريجي لشركة (GTE) من ذاك المجال. أما اليوم، وفي ظل فريق إداري جديد، فقد صحّحت شركة (GTE) وضعها لتتمكن من تطبيق كفاءاتها في أسواق خدمات الاتصالات الناشئة.


جذور الميّزة التنافسية


إن الفرق الذي لاحظناه بين طريقتي (GTE) و(NEC) في رسم تصور لنفسيهما – أي محفظة كفاءات مقابل محفظة أعمال – قد تم تكراره في شركات عدة. فما بين عامي 1980 و1988 نمت شركة كانون (Canon) بنسبة 264% وهوندا (Honda) بنسبة 200%. فلنقارن هذا النمو مع نمو شركتي زيروكس (Xerox) وكرايسلر (Chrysler). وإذا كان المدراء الغربيون قد شعروا بالقلق يوماً بسبب انخفاض تكلفة الواردات اليابانية وارتفاع جودتها، فهم اليوم مذهولون من سرعة منافسيهم اليابانيين في خلق أسواق جديدة، وابتكار منتجات جديدة، وتحسينها. فقد قدمت كانون لنا آلات نسخ شخصية؛ وانتقلت شركة هوندا من الدراجات النارية إلى مركبات الدفع الرباعي الخاصة بالطرق الوعرة؛ وطوّرت سوني كاميرات فيديو 8 ملم؛ وأنتجت ياماها (Yamaha) البيانو الرقمي؛ وطورت شركة كوماتسو (Komatsu) جراراً يعمل تحت الماء يُتحكّم به عن بعد؛ في حين كانت آخر صيحات شركة كاسيو (Casio) تلفازاً صغيراً ملوّناً بشاشة (LCD). من كان يتوقع تطور مثل هذه الأسواق الطليعية؟

وفي الأسواق الأكثر استقراراً سبّب التحدي الياباني القلق نفسه. فقد أصبحت الشركات اليابانية مصدراً لسيلٍ من التحسينات في مزايا منتجاتها المستخدمة في الحياة اليومية وفي وظائفها. فمنتجو السيارات اليابانية كانوا يطورون سيارات دفع رباعي، ومحركاً بأربعة صمامات للأسطوانة الواحدة، ويعملون على تزويد السيارات بأجهزة ملاحة، بالإضافة إلى أنظمة متطورة في إدارة المحرك إلكترونياً. ودلالة على قوة مزايا منتجات شركة كانون فهي الآن لاعب رئيسي في مجال إنتاج أجهزة الفاكس والطابعات الليزرية، بل وحتى معدات تصنيع أنصاف النواقل.

تعتمد تنافسية الشركة، في المدى القصير، على ثنائية السعر/ الأداء بالنسبة لخصائص المنتجات الحاليّة. ولكن الناجين من موجة المنافسة العالمية الأولى، اليابانيين منهم والغربيين، يلتقون جميعهم على معايير متشابهة وممتازة بالنسبة لجودة المنتجات وسعرها - وهذا مهم لذليل العقبات في وجه المنافسة المستمرة، ولكنه أقلّ أهمية بكثير كمصدر للميّزات الخاصة. أما على المدى البعيد، فتعتمد تنافسية الشركة على التمكن من بناء الكفاءات الأساسية للشركة بشكل أسرع وأقل تكلفة من المنافسين، تلك الكفاءات التي تؤدي إلى ولادة منتجات غير متوقعة. إن المصدر الحقيقي للمزايا نجده في عملية دمج تُدخل تقنيات الشركة بأكملها ومهاراتها الإنتاجية في كفاءات تمكّن الأقسام المستقلة التابعة لها من التكيّف بسرعة مع الفرص المتغيرة.

إن المدراء التنفيذيين الذين لا يتمكنون من بناء قدرات أساسية لشركاتهم بذريعة إيمانهم بقدسية استقلالية أقسام الشركة، أو بحجة أن أيديهم مغلولة بسبب الميزانيات ربع السنوية، عليهم أن يعيدوا النظر في موقفهم. فالمشكلة لدى العديد من الشركات الغربية لا تكمن في أن مدراءها التنفيذيين أقل كفاءة من نظرائهم اليابانيين، ولا في امتلاك الشركات اليابانية لقدرات تقنية أعظم؛ إنها تكمن في التزامٍ بمفهومٍ للشركة يحدّ، دون داعٍ، من قدرة الأقسام المستقلة على الاستفادة الكاملة من خزان الكفاءة التقنية الكبير الذي تمتلكه شركات أميركية وأوروبية عديدة.

يمكن تشبيه الشركات المتنوعة بالشجرة الكبيرة، حيث يمثّل الجذع والفروع الكبيرة المنتجات الرئيسية، أما الأغصان الأصغر فهي الأقسام والوحدات الإنتاجية، وتشكل الأوراق والأزهار والثمار المنتجات النهائية؛ أما الجذور، التي تؤمّن للشجرة الإمداد بالغذاء وتوفّر لها الثبات والاستقرار، فهي الكفاءة الرئيسية للشركة. فاذا ما نظرنا إلى المنتجات النهائية للمنافسين فحسب فلن ننتبه إلى قوتهم، كما سنَغفل عن قوة الشجرة إذا ما نظرنا إلى أوراقها فحسب. (انظر إلى المخطط "الكفاءات: جذور المنافسة").

إن كفاءات الشركة الأساسية هي مجموع ما يتم تعلمه داخل الشركة، وخاصة ما يتعلق بآلية تنسيق مهارات إنتاج متنوّعة، ودمج مسارات تكنولوجية متعددة. فلننظر، على سبيل المثال، إلى قدرة شركة سوني (Sony) على تصغير حجوم منتجاتها، وخبرات فيليبس (Philips) في مجال الإعلام البصري. فالمعرفة النظرية وحدها بكيفية وضع راديو على رقاقة لا تضمن في حدّ ذاتها أن يكون لدى الشركة مهارة إنتاج راديو مصغّر لا يتجاوز حجم بطاقة الائتمان. فلإنجاز هذا العمل، لا بد لشركة كاسيو أن تحدث توافقاً وانسجاماً بين مجالات عدة، مثل الإلمام بكيفية التصغير، وتصميم المعالجات الصغيرة، وعلم المواد، والتغليف الدقيق. وهذه هي المهارات نفسها التي توظفها الشركة في صناعة آلات حاسبة في حجم بطاقة الأعمال، وأجهزة تلفاز توضع في الجيب، وساعات يد رقمية.

إذا كانت الكفاءة الأساسية تكمن في القدرة على إحداث انسجام بين مسارات التكنولوجيا المختلفة، فهي تتعلق كذلك بتنظيم العمل وتوفير القيمة للزبون. فتصغير المنتجات هو ضمن الكفاءات التي تمتلكها شركة سوني، ومن أجل تصغير منتجاتها لا بد أن تتأكد من أن الخبراء التقنيين والمهندسين والمسوّقين يشتركون في فهم حاجات المستهلك والإمكانيات التقنية معاً. يمكن ملاحظة قوة الكفاءة الأساسية في الخدمات والتصنيع على حد سواء. فقد تفوقت سيتي كورب (Citicorp) على نظيراتها كونها استثمرت في أنظمة تشغيل مكّنتها من المشاركة في أسواق عالمية على مدار 24 ساعة. فكفاءتها في مجال الأنظمة مكنتها من التميّز عن غيرها من مؤسسات الخدمات المالية.

إن الكفاءة الأساسية هي تواصل، ومشاركة، والتزام عميق بالعمل في ما يتجاوز الحدود التنظيمية؛ وهي تشمل أشخاصاً من مستويات ووظائف متعددة. فإجراء بحث عالمي المستوى في الليزر، أو الخزف مثلاً، يمكن أن يتم في مختبرات الشركة دون أن يكون له أي تأثير على نشاط الشركة التجاري. أما المهارات التي تشكّل، مجتمعةً، كفاءة أساسية للشركة فيجب أن تتجمع حول أفراد لا يركزون جهودهم في نطاق ضيق يمنعهم من رؤية الفرص التي يتيحها دمج خبراتهم الوظيفية مع خبرات أخرى بطرق جديدة ومثيرة.

لا تتضاءل الكفاءة الأساسية للشركة بالاستعمال، كحال موجوداتها المادية التي تستهلك وتتراجع مع مرور الزمن. فالكفاءات تتحسن وتتعزز كلّما تم تطبيقها ومشاركتها. الا أنها تظل بحاجة إلى التغذية والحماية؛ فالمعارف والخبرات تتآكل إذا لم يتم استعمالها. إن القدرات الأساسية هي الغراء الذي يربط أقسام العمل الموجودة ببعضها البعض، وهي المحرك المسؤول عن تطوير أعمال جديدة. فأنماط التنوع ودخول الأسواق قد توجّهها تلك القدرات وليس فقط جاذبية الأسواق.

لننظر إلى كفاءة شركة (3M) في إنتاج الشريط اللاصق. فعندما فكرت هذه الشركة في إنتاج أشياء جديدة متنوعة وغير مألوفة مثل أوراق الملاحظات اللاصقة ‘‘Post-it’’ ، والشرائط المغناطيسية، وأفلام التصوير، والشرائط الحساسة للضغط، والمواد الكاشطة المغلّفة، طبّقت كفاءات مشتركة في مجالات مختلفة مثل الركائز والتغليف واللواصق، وابتكرت طرقاً لدمج هذه الكفاءات معاً، والحقيقة أنها استثمرت بهذه الكفاءات بشكل دائم. فأنشطتها التي تبدو شديدة التنوع تنتج، في الواقع، عن كفاءات أساسية قليلة.



في المقابل هناك شركات كبرى توفرت لديها الفرصة لبناء كفاءات أساسية، لكنها أخفقت في استغلال تلك الفرص لأن إدارتها العليا لم تكن قادرة على تصوّر الشركة إلا في هيئة مجموعة من الشركات المنفصلة. فنجد أن شركة GE قد باعت الكثير من شركات الإلكترونيات الموجهة للمستهلكين لشركة تومسون (Thomson) الفرنسية بحجة أنها تواجه صعوبة متزايدة في المنافسة في هذا القطاع. إن هذا بالطبع أمر لا جدال فيه، إلا إن المفارقة تكمن في أنها باعت عدة شركات رئيسية لمنافسين يشتهرون بريادتهم في الكفاءات، مثل بلاك آند ديكر Black&Decker في مجال المحركات الكهربائية الصغيرة، وتومسون التي كانت توّاقة لبناء كفاءاتها في مجال الإلكترونيات الدقيقة، والتي تعلمت من اليابانيين أن امتلاك موضع لها في قطاع إلكترونيات المستهلك أمرٌ لا غنى عنه لمثل هذا التحدي.

إن الإدارة المحاصرة داخل أسوار ذهنيّة وحدات العمل الاستراتيجية (SBU) لا بد أن تجد شركاتها التجارية المستقلة تعتمد على مصادر خارجية للحصول على مكونات ضرورية مثل المحركات والضواغط. إلا أنها في الحقيقة ليست مكونات فحسب، وإنما هي منتجات أساسية تساهم في تعزيز القدرة التنافسية لمجموعة واسعة من المنتجات النهائية. فهي أشكال من التجسيد المادي للكفاءات الأساسية للشركة.

كيف لا نفكّر في الكفاءة


لمّا كانت الشركات في سباق لبناء كفاءاتها الأساسية التي تحدّد ريادتها العالمية، فقد توقفت الشركات الناجحة عن تصوّر ذاتها كمجرد حِزَمٍ من الوحدات التجارية المستقلة التي تقوم بتصنيع منتجات. فقد يبدو في الظاهر أن شركات كانون وهوندا وكاسيو و(NEC) تترأس مَحافظ من الأعمال غير المرتبطة ببعضها من حيث المستهلكين، وقنوات التوزيع، واستراتيجيات الترويج. نعم، إنها بالفعل تمتلك مَحافظ لا تبدو متسقة أحياناً، فشركة (NEC) هي الشركة العالمية الوحيدة التي تُعدّ من الشركات الرائدة في الحوسبة، والاتصالات، وأنصاف النواقل، وتملك أيضاً شركة مزدهرة لإلكترونيات المستهلك.

ولكن المظاهر خدّاعة. ففي شركة (NEC)، تشكّل التكنولوجيا الرقمية وخاصة نظام (VLSI) ومهارات تكامل النُظُم، تقنية جوهرية للشركة. فالأعمال المختلفة في الكفاءات الأساسية التي تشكّل قاعدة لها، تصبح متساوقة ومتماسكة. إن الكفاءة الأساسية لشركة هوندا في المحركات ومجموعة تروس نقل القدرة، هي التي تعطيها ميّزة واضحة في إنتاج السيارات والدراجات النارية وجزازات العشب والمولدات. أما كفاءات شركة كانون الرئيسية في البصريات والتصوير والتحكم بالمعالجات الدقيقة، فمكنتها من الدخول، بل والهيمنة، على أسواق متنوعة بقدر تنوع ما تنتجه من آلات النسخ، وأجهزة الطباعة الليزرية، وآلات التصوير، وماسحات الصور الضوئية. كما عملت شركة فيليبس على مدى أكثر من 15 عاماً للوصول بكفاءتها في مجال القرص البصري (الليزري) إلى أعلى المستويات؛ وكذلك الحال بالنسبة لشركة جيه في سي (JVC) التي بذلت جهداً كبيراً لبلوغ مركز ريادي في عملية تسجيل الفيديو. وثمة أمثلة أخرى على الكفاءات الأساسية تشمل الميكاترونيك أو الميكانيك الإلكتروني (وهو القدرة على مزاوجة الهندسة الميكانيكية مع الهندسة الالكترونية)، وأجهزة العرض، والهندسة الحيوية، والإلكترونيات الدقيقة. لم يكن بوسع شركة فيليبس، في المراحل الأولى من بناء قدراتها الأساسية، تخيّل أن تولد جميع تلك المنتجات من كفاءتها في الإعلام البصري. ولا استطاعت (JVC) أن تتنبّأ بإنتاج كاميرات الفيديو الصغيرة عندما بدأت تستكشف تقنية شريط الفيديو.

وعلى خلاف معارك التنافس التي تخوضها الشركات من أجل هيمنة علامة تجارية عالمية، على مرأى وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة، والتي تتطلّع تلك الشركات إليها لتسهيل عملية الدخول إلى العقول، فإن التنافس لبناء كفاءات أساسية عالمية لا يكون مرئياً للأشخاص الذين لا يتقصّدون البحث عنه. فغالباً ما تقوم الإدارات العليا بتتبع تكلفة منتجات المنافسين، ولكن ما هو عدد المدراء اللذين يسعون لفهم شبكات التحالفات التي بناها منافسوهم اليابانيون من أجل اكتساب كفاءات بتكلفة منخفضة؟ وكم عدد اجتماعات مجالس الإدارة الغربية التي نجد فيها فهماً صريحاً ومشتركاً للكفاءات التي يتوجب على الشركة بناؤها للوصول إلى القيادة العالمية؟ وكم عدد المدراء التنفيذيين الكبار اللذين يناقشون الفرق الشاسع بين استراتيجية التنافس على مستوى الأعمال التجارية، واستراتيجية التنافس على مستوى الشركة بكاملها؟

فلنكن واضحين، إن بناء المهارات الأساسية لا يعني إنفاق مبالغ أكثر من منافسيك على البحث والتطوير. ففي عام 1983 عندما تقدمت شركة كانون على شركة زيروكس في الحصة السوقية العالمية بالنسبة لأجهزة النسخ، لم تكن ميزانيتها المخصصة للبحث والتطوير في مجال النسخ التصويري تشكل سوى جزء ضئيل من ميزانية زيروكس لنفس الغرض. كما كان ما أنفقته شركة (NEC) على البحث والتطوير أقل مما أنفقه جميع منافسيها الامريكيين والأوروبيين تقريباً خلال العشرين عاماً الماضية.

كما أن الكفاءة الأساسية للشركة لا تعني الاشتراك في التكاليف، كما هي الحال عندما تستخدم وحدتان تجاريتان مستقلتان أو أكثر مرفقاً عاماً- مصنعاً، مرفقاً خدمياً، فريق بيع - أو مكوّناً مشتركاً مثلاً. فالمكاسب التي يوفرها التشارك قد تكون جوهرية وهامة، ولكنها جهود خاصة أتت فيما بعد لترشيد الإنتاج من خلال الأعمال الموجودة، وليست جهوداً مقصودة لبناء كفاءات للشركة كأساس لنمو الأعمال.



ثم إن بناء الكفاءات الأساسية هو هدف أكثر طموحاً من التكامل الرأسي. فالمدراء الذين سيقررون هل التصنيع أفضل أم الشراء، سيبدؤون بالمنتج النهائي ومن ثم سينظرون إلى الأعلى نحو فعالية شبكة الموردين، وإلى الأسفل نحو الموّزعين والزبائن. فهم لا يقومون بجرد للمهارات المتوفرة متطلّعين قدماً إلى تطبيقها بطرق مبتكرة غير تقليدية. (إن القرارات المتعلقة بالكفاءات توفر بالطبع منطق التكامل الرأسي. فكانون ليست متكاملة مع شركتها المنتجة لآلات النسخ إلا في تلك الجوانب من السلسلة الرأسية التي تعتبرها حاسمة في دعم الكفاءات الأساسية.

تحديد الكفاءات الأساسية – وخسارتها


هناك ثلاثة اختبارات، على الأقل، يمكن تطبيقها لتحديد الكفاءات الرئيسية في شركة ما. أولاً، تتيح الكفاءة الأساسية للشركات إمكانية الدخول إلى أسواق متعددة، فالكفاءات في مجال أنظمة العرض، على سبيل المثال، تتيح للشركة المنتجة المشاركة في أنشطة تجارية متنوعة مثل الآلات الحاسبة، وأجهزة التلفاز صغيرة الحجم، وأجهزة الحاسب المحمولة، ولوحات القيادة في السيارات. وهذا ما جعل دخول كاسيو إلى سوق أجهزة التلفاز الصغيرة متوقعاً. ثانياً، يجب أن تحقق الكفاءة الأساسية إسهاماً متميزاً بالنسبة للفوائد المتصورة التي سيقدمها المنتج النهائي للزبون، وخبرة هوندا في المحركات مثلاً تفي بالمطلوب. وأخيراً، يجب أن تكون الكفاءة الأساسية كفاءةً يصعب على المنافسين تقليدها بسهولة، وسيكون التقليد عصيّاً بالفعل إذا كانت الكفاءة نتيجة تناسق معقد بين تقنيات فردية ومهارات إنتاجية. فقد يتمكن أحد المنافسين من الحصول على بعض التقنيات المكوِّنة للكفاءة، ولكن تقليد نمط شامل من التنسيق الداخلي والمعرفة سيكون غاية في الصعوبة. وبناءً على ما سبق، فقد نجحت محاولات شركة (JVC)، في أواخر الستينيات، لمتابعة تطوير كفاءة شريط فيديو، في اجتياز الاختبارات الثلاثة المذكورة أعلاه، في حين فشلت محاولات شركة أر سي أيه (RCA)، في نهاية السبعينات، لإنتاج فيديو بنظام القرص الدوّار المرتكز على إبرة، في اجتيازها.

إن شركات قليلة فقط تتمكن من قيادة السوق العالمية بأكثر من خمس أو ست كفاءات أساسية. فشركة تضع قائمة تضم من عشرين إلى ثلاثين كفاءة لا يُتوقع أن تكون قائمة كفاءات أساسية. ولكن إنشاء قائمة من هذا النوع يفيد في التعرف على لَبنِات بناءِ الكفاءات الأساسية، وهذا يدفع إلى البحث عن صفقات ترخيص وتحالفات تستحوذ بها الشركة على بعض الأجزاء المفقودة لديها بتكلفة قليلة.

قلما نظرت معظم الشركات الغربية إلى مفهوم التنافسية من زاوية الكفاءات الأساسية، لذلك حان الوقت لأن تعيد حساباتها وتتأمل جيداً في المخاطر التي تتعرض لها. فالشركات التي يقتصر مفهوم التنافسية، بالنسبة لها ولمنافسيها، على ناحية السعر/ الأداء للمنتج النهائي فحسب، معرضة لتآكل كفاءاتها الأساسية، إن لم تقم بجهد صغير لتحسينها. فالمهارات المتجذرة التي ستقود إلى الجيل التالي من المنتجات التنافسية، لا يمكن استئجارها بالاستعانة بمصادر خارجية أو بواردات شركات تصنيع المعدات الأصلية (OEM). فشركات كثيرة، في رأينا، قد تخلت، عن غير قصد، عن كفاءات أساسية لديها عبر تخفيض نسب استثماراتها الداخلية التي اعتقدت، خطأً، أنها ليست سوى "مراكز تكلفة"، لصالح موردين خارجيين.



لنأخذ شركة كرايسلر مثلاً. لقد اعتبرت، بخلاف هوندا، أن المحرك ومجموعة تروس نقل القدرة مجرد مكوّنات، وراحت تعتمد بصورة متزايدة على ميتسوبيشي (Mitsubishi) وهيونداي (Hyundai). فقد ارتفع عدد المحركات التي تحصل عليها كرايسلر من مصادر خارجية بين عامي 1985 و1987 من 252 إلى 382 ألف محرك. إنه لمن الصعب أن نتخيل شركة هوندا تتنازل عن مسؤوليتها في تصنيع جزء هام كهذا في وظيفة السيارة لصالح شركة خارجية. وهذا هو سبب التزام هوندا الكبير بالمشاركة في سباقات الفورمولا ون. لقد تمكنت شركة هوندا من جمع التقنيات المرتبطة بصناعة المحركات وحولتها إلى كفاءة أساسية للشركة، ومنها طوّرت منتجات متفوقة عالمياً، رغم أن ميزانيتها المخصصة للبحث والتطوير أصغر من ميزانيتي (GM) وتويوتا.

ومن الممكن، بالطبع، أن يكون لدى شركة ما منتج منافس ولكنها تُبدي في الوقت نفسه تقاعساً في تطوير كفاءاتها الأساسية- على الأقل لفترة من الزمن. فإذا ارادت شركة ما أن تدخل في قطاع آلات النسخ، فستجد العديد من الشركات اليابانية ترحب بإمدادها بتلك الآلات، وتضع عليها اسماً خاص بها ضمن نظام تصنيع المعدات الأصلية المعروف بـ(OEM). ولكن إذا ما حدث تغيّر في التقنيات الأساسية، أو قرر المورّد الدخول مباشرة إلى السوق والتحوّل إلى منافس، فسوف تصبح الشركة، وخط إنتاجها، وجميع استثماراتها في التسويق والتوزيع في مهبّ الريح. يُعتبر المورّدون الخارجيون طريقاً مختصراً للحصول على منتج منافس، ولكن أولئك الموردين لا يساهمون في بناء المهارات البشرية التي يحتاجها من يسعى إلى الحفاظ على التفوق في منتجاته.

كما أنه سيتعذر على الشركة تشكيل تحالف ذكي، أو استراتيجية تأمين مصادر، إذا لم تقرّر أين ستبني الكفاءة القيادية. من الواضح أن الشركات اليابانية قد استفادت من التحالفات التي أنشأتها؛ فقد استخدمتها للتعلم من شركائها الغربيين الذين لا يلتزمون التزاماً تاماً بالحفاظ على كفاءاتهم الأساسية. وكما رأينا سابقاً، فإن الاستفادة من التحالفات تتطلب التزاماً إيجابياً بتوفير الموارد لها مثل السفر، والموارد البشرية المتفانية، ومرافق الاختبار التجريبي، والوقت لتبني واختبار ما تم تعلّمه 2. ولكن الشركة قد لا تقوم بكل هذا الجهد الا اذا كان لديها أهداف واضحة لبناء الكفاءات.

طريقة أخرى للخسارة تتمثل في التخلي عن الفرص لتأسيس كفاءات تتطور في أعمال قائمة. ففي السبعينات والثمانينات (من القرن العشرين) اختارت شركات أمريكية وأوروبية عديدة - مثل (GE)، وموتورولا (Motorola)، و(GTE)، وثورن (Thorn)، و(GEC)- الخروج من مجال أجهزة التلفاز الملون باعتبارها منتجات ناضجة بلغت الحد الأقصى من التطوّر. فاذا كانت تلك الشركات تعني بـ "المنتجات الناضجة" أنها قد استنفدت ما لديها من أفكار جديدة في هذا المجال في نفس الوقت التي قرر فيه منافسون عالميون الدخول إلى المجال نفسه، نعم، إنها على حق، لقد كانت صناعة أجهزة التلفاز قد نضجت؛ ولكنها حتماً لم تكن قد نضجت بمعنى أن جميع الفرص لإدخال تحسين وتطبيق كفاءات تعتمد على الفيديو قد استُنفدت.

عندما قررت تلك الشركات الخروج من العمل في مجال أجهزة التلفاز، فإنها لم تفلح في التمييز بين التخلي عن هذا العمل وتدمير كفاءاتها الإعلامية المرئية، ولذلك كان الفشل حليفها. فهي لم تخرج من مجال أجهزة التلفاز فحسب، بل أقفلت الباب في وجه فرص مستقبلية تعتمد على هذه الكفاءات. فصناعة أجهزة التلفاز التي اعتبرتها العديد من الشركات الامريكية غير جذابة في السبعينات، هي اليوم محور نقاش حادّ حول عدم قدرة الشركات الامريكية على الاستفادة من فرصة سوف تُدر 20 مليار دولار سنوياً في منتصف التسعينات عندما يتم العمل بنظام البث عالي الجودة (HD). ومن المفارقة أن يُطلب اليوم من الحكومة الأمريكية تمويل مشروع بحثي ضخم لتعويض الشركات الامريكية عن فشلها في الحفاظ على كفاءات أساسية هامة عندما كانت لديها الفرصة لذلك.

وعلى وجه النقيض نجد أن شركة مثل سوني (Sony) قد خفضت من تركيزها على أجهزة الفيديو (لانها لم تحقق نجاحاً كبيراً فيها وللتهديد الذي تشكله الشركات الكورية المنافسة) دون تقليل التزامها تجاه الكفاءات المرتبطة بهذه الصناعة. لقد آل إنتاج سوني لأشرطة بيتاماكس (Betamax) إلى خسارة، ولكنها خرجت بكفاءاتها في مجال أشرطة تسجيل الفيديو سليمة معافاة، وهي حالياً تتحدى شركة ماتسوشيتا (Matsushita) في سوق آلات تصوير الفيديو 8 ملم.

ثمة درسان واضحان هنا، الأول، أنه يمكننا حساب تكلفة خسارة الكفاءة الأساسية للشركة بشكل مسبق حيث تصبح الشركات التي تتخلى عن كفاءاتها الأساسية كالتي ترمي بطفلها في الماء بعد الانتهاء من تغسيله. ثانياً، بما أنّ الكفاءات الأساسية قد تطورت من خلال التحسينات المستمرة على مدى فترة طويلة من الزمن، فإن الشركة التي لم تستثمر بعدُ في بناء كفاءات أساسية سيكون من الصعب عليها النجاح في السوق العالمية الناشئة إلا إذا كانت ستقنع بأن تصبح مجرد قناة توزيع.

لقد تعلمت الشركات المنتجة لأنصاف النواقل، مثل موتورولا، هذا الدرس المؤلم عندما اختارت التخلّي عن المشاركة المباشرة في صناعة رقائق (DRAM) (ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية المستخدمة في الحواسب) من الجيل (256k). فقد احتاجت موتورولا، ومعظم منافسيها الأمريكيين، إلى دفعة كبيرة من المساعدة التقنية من شركائها اليابانيين حتى تتمكن من العودة إلى خضم المنافسة في مجال جيل 1 ميجابايت. فعندما يتعلق الأمر بالكفاءات الأساسية، من الصعب أن تنزل من القطار وتذهب إلى المحطة التالية ماشياً، ثم تحاول الصعود إلى القطار من جديد.

من الكفاءات الأساسية


إلى المنتجات الأساسية


إن الرابط الملموس بين الكفاءات الأساسية المحدّدة والمنتجات النهائية، هو ما نسميه بالمنتجات الأساسية - وهو التجسيد المادي لواحدة أو أكثر من الكفاءات الأساسية. إن محركات هوندا، على سبيل المثال، هي منتجات أساسية، تَزاوجٌ بين مهارات التصميم والتطوير يقود في آخر المطاف إلى المنتجات النهائية. والمنتجات الأساسية هي مكوناتٌ أو نتيجة تجميعات ثانوية تساهم فعلياً في قيمة المنتجات النهائية. إن التفكير على صعيد المنتجات الأساسية يفرض على الشركة التمييز بين حصة العلامة التجارية التي تحققها في أسواق المنتج النهائي (40% من سوق الثلاجات في الولايات المتحدة مثلاً)، وحصة التصنيع التي تحققها في أي منتج أساسي معين ( 5% من حصة العالم في ناتج المكابس الضاغطة مثلاً).

وتشتهر شركة كانون بامتلاك 84% من حصة تصنيع طابعات الليزر في العالم، على الرغم من أن حصة علامتها التجارية في مجال طابعات الليزر ضئيلة. أما شركة ماتسوشيتا فتمتلك حصة تصنيع تصل إلى 45%من مكونات (VCR) الرئيسية، وهي أكبر بكثير من حصة علامتها التجارية في (باناسونيك، JVC ، وغيرها) بنسبة 20%. وتمتلك ماتسوشيتا حصة المنتج الأساسي المسيطرة عالمياً في صناعة المكابس الضاغطة، وتقدر بـ40%  على الرغم من أن حصة علامتها التجارية في مجالي مكيفات الهواء والبرادات صغيرة جدأ.

وإنه لمن الضروري التمييز بين الكفاءات الأساسية، والمنتجات الأساسية، والمنتجات النهائية، لأن معايير المنافسة العالمية تحكمها قواعد وأغراض مختلفة في كل مستوى. والشركة التي تبني مركزاً قيادياً وتدافع عنه على المدى الطويل، ستكون على الأرجح رابحة على جميع المستويات. إن الهدف في مستوى الكفاءات الأساسية هو بناء قيادة عالمية في مجال تصميم وتطوير نوع معين من وظائف المنتج - سواء كان ذلك تخزين البيانات المدمجة واسترجاعها، كما هو الحال مع الكفاءة البصرية من فيليبس، أو سهولة الاستخدام، كما هو الحال مع المحركات الصغيرة وضوابط المعالج الدقيقة من سوني.

لتحافظ الشركات على القيادة في مجالات كفاءاتها الأساسية المختارة، فإنها تسعى إلى زيادة حصة التصنيع العالمي لمنتجاتها الأساسية. وصناعة المنتجات الأساسية لمجموعة واسعة من العملاء الخارجيين (والداخليين) تؤمن عائدات مالية وتساعد على معرفة استجابة الأسواق، وهذا يساهم، جزئياً على الأقل، في تحديد الوتيرة التي يمكن تحسين الكفاءات الأساسية فيها وتوسيع نطاقها. كان هذا التفكير وراء قرار (JVC) في منتصف السبعينات بناء علاقات توريد لنظام VCR مع شركات إلكترونية وطنية رائدة في أوروبا والولايات المتحدة. وقد قامت (JVC) بالتوريد لكل من تومسون، ثورن، وتيليفونكن (Telefunken) (شركات مستقلة في ذلك الوقت)، بالإضافة إلى شركائها في الولايات المتحدة، مما جعلها قادرة على كسب المال، وعلى إحراز خبرة متنوعة في السوق مكنتها من التفوق على خبرة شركتي فيليبس وسوني. (قامت فيليبس بتطوير كفاءاتها في إنتاج اشرطة الفيديو بالتوازي مع JVC، ولكنها فشلت في بناء شبكة عالمية من العلاقات التي كان من شأنها أن تسرّع في صقل كفاءتها في إنتاج اشرطة الفيديو من خلال بيع المنتجات الأساسية).

لم تغب نجاحات (JVC) عن الشركات الكورية مثل جولد ستار (Goldstar)، وسامسونج وكيا ودايو، والتي تقوم ببناء قياداتها في المنتجات الأساسية في مجالات متنوعة مثل شاشات العرض، وأنصاف النواقل، ومحركات السيارات من خلال عقود توريد (OEM) مع شركات غربية. وكان هدفها المصرّح به هو القبض على زمام مبادرات الاستثمار بعيداً عن أي منافسين محتملين، وهم، على الغالب، الأميركيون. وعندما تفعل ذلك فإنها تقوم بتسريع جهود بناء كفاءاتها وإزاحة منافسيها عن الساحة. لقد قام المنافسون الآسيوين ببناء مزايا في أسواق المكوّنات أولاً، ثم من استغلوا أفضل منتجاتهم لبناء حصة علامتهم التجارية وذلك من خلال التركيز على الكفاءة وترسيخها في المنتجات الأساسية؛ ولن يظلوا، على الأرجح، الموردين ذوي التكلفة المنخفضة إلى الأبد. وبما أن سمعتهم بالنسبة للقيادة في مجال العلامة التجارية تتعزز، فإنهم على الأغلب قد يكسبون القيادة في موضوع السعر. وقد أثبتت شركة هوندا هذا مع خط سيارة أكورا (Acura)، وثمة شركات يابانية أخرى لصناعة السيارات ستحذو حذوها.

تعتبر السيطرة على المنتجات الأساسية أمراً بالغ الأهمية لأسباب أخرى. فوضعٌ مهيمنٌ للمنتجات الأساسية يتيح للشركة الفرصة لأن تقوم بصياغة تطوير التطبيقات والأسواق النهائية. فالمنتجات الأساسية المتعلّقة بصناعة القرص الصوتي المدمج، مثل سوّاقة تخزين البيانات والأقراص الليزرية، مكّنت شركتي سوني وفيليبس من التأثير على تطوّر شركات أجهزة الحاسوب المحيطية في مجال أقراص التخزين البصرية. فعندما تزيد الشركة من مجالات التطبيقات لمنتجاتها الأساسية يصبح بإمكانها خفض التكلفة والوقت ونسبة المخاطر التي قد تواجهها في تطوير منتجاتها الجديدة. بإختصار، يمكن للمنتجات الأساسية المستهدفة جيداً أن تؤدي إلى وفورات كبيرة في الحجم والنطاق.

استبداد وحدة العمل الإستراتيجية


لا يمكن بالطبع فهم الشروط الجديدة للمشاركة التنافسية باستخدام الأدوات التحليلية التي وُضعت لإدارة شركة متنوعة النشاطات قبل 20 عاماً حين كانت المنافسة في الأصل محليّة ( جنرال إليكتريك مقابل وستنجهاوس وجنرال موتورز مقابل فورد)، وكان جميع اللاعبين الرئيسيين يتكلمون لغة مدارس الأعمال نفسها. فالوصفات القديمة قد يكون لها تأثيرات جانبية سامة؛ لذلك فإن الحاجة إلى مبادئ جديدة أشدّ ما تبدو وضوحاً في الشركات المنظَّمة وفق منطق وحدة العمل الاستراتيجية. إن نتائج المفهومين البديلين للشركة تتلخص في العبارة التالية: "ثمة مفهومان للمؤسسة: وحدة العمل الاستراتيجية أو الكفاءة الأساسية".

ومن الواضح أن الشركات المتنوعة النشاطات لديها محفظة للمنتجات ومحفظة للأعمال؛ لكننا نؤمن برأي يعتبر أن للشركة محفظة للكفاءات كذلك. ولا تفتقر الشركات الأمريكية إلى الموارد التقنية لبناء الكفاءات، ولكن إدارتها العليا في كثير من الأحيان تنقصها الرؤية لبنائها، والوسائل الإدارية لتجميع الموارد المنتشرة عبر شركات متعددة. ويؤثر التغيّر في الالتزام على أنماط التنويع، ونشر المهارات، وأولويات تخصيص الموارد، ونهج التحالفات، والاستعانة بمصادر خارجية.

لقد وصفنا ثلاثة مستويات مختلفة تتصارع الشركات عليها للفوز بالقيادة العالمية وهي: الكفاءة الأساسية، والمنتجات الأساسية، والمنتجات النهائية. وعلى الشركة معرفة ما إذا كانت ستفوز أو ستخسر على كل مستوى. قد تكون الشركة قادرة على الفوز على منافسيها من حيث التقنيات، ولكن هذا لا يمنع أن تخسر في مجال بناء قيادة الكفاءات الأساسية. فإذا ما نجحت الشركة في سباق بناء الكفاءات الأساسية (خلافاً لبناء قيادة في عدد قليل من التقنيات)، فإنه من شبه المؤكد أن تتجاوز منافسيها في تطوير الأعمال الجديدة. أما إذا نجحت الشركة في سباق حصة التصنيع العالمية في المنتجات الأساسية، فإنه من المحتمل أن تتجاوز منافسيها في تحسين ميزات المنتج ونسبة السعر إلى الأداء.

ومن الصعب معرفة ما إذا كانت الشركة ستفوز أو ستخسر في تحدّيات المنتج النهائي، لأن معايير حصة سوق المنتج لا تعكس بالضرورة القدرة التنافسية الكامنة وراء مختلف الشركات. فالواقع أن الشركات التي تسعى لبناء حصتها في السوق من خلال الاعتماد على القدرة التنافسية للآخرين، بدلا من الاستثمار في الكفاءات الأساسية، أو في الوصول إلى القيادة العالمية في المنتجات الأساسية، قد تكون كمن يمشي على رمال متحركة. وفي خضم سباق هيمنة العلامات التجارية العالمية، بَنَت شركات مثل (3M)، وبلاك أند ديكر، وكانون، وهوندا، و(NEC)، وسيتي كورب، مظلات علامة تجارية عالمية من خلال زيادة المنتجات التي توّلدها كفاءاتها الأساسية. وقد سمح هذا لشركاتها المستقلّة بأن تبني لنفسها صورة جيدة، وتحصل على ولاء العملاء، وتؤمن مدخلاً إلى قنوات التوزيع.



وعندما تفكّر في إعادة وضع مفاهيم للشركة، تبدو هيمنة وحدة العمل الاستراتيجية- وهي المبدأ التنظيمي لجيل كامل – أمراً في غير محلّه، وخطأ تاريخياً واضحاً. فحيث تُعتبر وحدة العمل الاستراتيجية عقيدة راسخة، قد تبدو مقاومة إغراءات اللامركزية بدعة ضلالية. وفي العديد من الشركات، لا ترى الإدارة العليا، من خلال منظار وحدة العمل الاستراتيجية المشوّه، سوى مستوى واحدٍ من المعركة التنافسية العالمية، وهو معركة وضع المنتجات المنافسة اليوم على الرفّ. فما هي تكاليف هذا التشويه؟

تدنّي الاستثمار في تطوير الكفاءات الأساسية والمنتجات الأساسية. عندما يتم تصوّر شركة كوحدات عمل استراتيجية عديدة، فلن يتحمل أي قسم مسؤولية الحفاظ على موضع قابل للاستمرارفي المنتجات الأساسية، ولن يكون قادراً على تبرير الاستثمار المطلوب لبناء ريادة عالمية لبعض الكفاءات الأساسية. وفي غياب نظرة أكثر شمولاً تفرضها إدارة الشركة، سيميل مدراء وحدات العمل الاستراتيجة إلى تقليل الاستثمار. وقد أدركت شركات مثل كوداك وفيليبس، في الآونة الأخيرة، أن تلك مشكلةٌ محتملةٌ، وبدأت في البحث عن أشكال تنظيمية جديدة من شأنها أن تسمح لها بتطوير وتصنيع منتجات أساسية لكل من العملاء الداخليين والخارجيين.

لقد تصّور مدراء وحدة العمل الإستراتيجية منافسيهم بالطريقة نفسها التي يرون بها أنفسهم. ولقد فشلوا، عموماً، في ملاحظة تركيز المنافسين الآسيويين على بناء قيادة في المنتجات الأساسية، وفي فهم العلاقة الحاسمة بين القيادة في التصنيع العالمي والقدرة على الحفاظ على وتيرة التنمية في الكفاءات الأساسية. لقد أخفقوا في متابعة فرص توريد منتجات الشركات المصنعة للمعدات الأصلية، وفي البحث عبر مختلف أقسام منتجاتها سعياً للعثورعلى فرص لتنسيق مبادرات جديدة.



الموارد المقيّدة. عندما تتطوّر وحدة عمل إستراتيجية، فغالباً ما تطوّر كفاءات فريدة. وعادة ما يُنظر إلى الأشخاص الذين يجسدون هذه الكفاءة كمجرد ملك لوحدة العمل التي عملوا فيها. وإذا ما طلب مدير وحدة عمل أخرى استعارة موظفين موهوبين فمن المرجح أن يلقى صداً جافاً. فمدراء وحدات العمل الاستراتيجية ليسوا فقط غير مستعدين لإعارة أصحاب الكفاءة، بل إنهم في الواقع قد يقومون بإخفاء المواهب لمنع إعادة توزيعها عند البحث عن فرص جديدة. ويمكن مقارنة هذا الوضع بسكان بلد متخلّف يخبّؤون أموالهم تحت فراشهم. إن فوائد الكفاءات مثل فوائد الكتلة النقدية، وهي تعتمد على سرعة تداولها وعلى حجم مخزون الشركة منها.

لقد تمتّعت الشركات الغربية دوماً بميزة امتلاك مخزون من المهارات. ولكن هل كانت قادرة على إعادة تشكيل تلك المهارات بسرعة استجابةً للفرص الجديدة؟ لقد كان لشركة كانون، وNEC، وهوندا مخزون أقل من الأشخاص والتقنيات التي تشكل الكفاءات الأساسية، ولكنها استطاعت تحريكهم بسرعة من وحدة عمل إلى اخرى. إن الإنفاق على البحث والتطوير في كانون ليس مؤشراً كاملاً على حجم مخزون الكفاءة الأساسية، ولا يُظهر للمراقب العابر أي شيء يتعلق بالسرعة التي تستطيع بها الشركة تحريك الكفاءات الأساسية من أجل استغلال الفرص.

عندما تصبح الكفاءات سجينة وحدات العمل، فإن أصحاب هذه الكفاءات لا يحصلون على فرص مثيرة للاهتمام، وتبدأ بالتالي مهاراتهم في الضمور. ويمكن للشركات الصغيرة، مثل كانون، أن تتنافس مع عمالقة الصناعة، مثل زيروكس، فقط من خلال الاستفادة بصورة كاملة من الكفاءات الأساسية، ومن الغريب أن مدراء وحدات العمل الإستراتيجية الذين يبدون استعداداً تاماً للتنافس في إبداء الرأي والنقد أثناء إعداد ميزانية رأس المال، ليسوا مستعدين على الإطلاق للتنافس على الأشخاص – الذين يعدون أثمن أصول الشركة. وإنه لمن السخرية أن تكرس الإدارة العليا الكثير من الاهتمام لإعداد ميزانية رأس المال، في حين لا تتوفر لديها عادة آلية مماثلة لتخصيص المهارات البشرية التي تجسد الكفاءات الأساسية. ونادراً ما يكون المدراء الكبار قادرين على النظر أربعة أو خمسة مستويات إلى الأسفل في الشركة، لتحديد الأشخاص الذين يتمتعون بكفاءات هامة، ونقلهم بصورة تتجاوز الحدود التنظيمية.

الابتكار المحدود. اذا لم يتم التعرف على الكفاءات الأساسية، فلن تتابع وحدة العمل الاستراتيجية سوى تلك الفرص الابتكارية التي في متناول اليد - توسعات هامشية في خط الإنتاج أو توسعات جغرافية. اما الفرص الهجينة مثل أجهزة الفاكس والحواسب المحمولة، وأجهزة التلفاز المحمولة باليد، أو لوحات المفاتيح الموسيقية المحمولة، فلا تظهر إلا عندما يرفع المدراء الغمامة عن أعينهم، ولنتذكر كيف برزت كانون في مجال صناعة آلات التصوير في الوقت الذي كانت فيه تستعد لتصبح رائدة على مستوى العالم في آلات النسخ. إن تصور الشركات لنفسها من حيث الكفاءات الأساسية فيها يؤدي إلى توسيع مضمار الابتكار.

تطوير البناء الاستراتيجي


إن تفتّت الكفاءات الأساسية يصبح أمراً لا مفر منه عندما تكون أنظمة المعلومات المتنوعة في الشركة، وأنماط الاتصالات، والمسارات الوظيفية، والمكافآت الإدارية، وعمليات التنمية الاستراتيجية لا تتعدى حدود وحدة العمل الإستراتيجة. ونعتقد أن على الإدارة العليا تخصيص الكثير من الوقت لتطوير بناء استراتيجي للشركة بكاملها يستطيع وضع أهداف لبناء الكفاءة. إن البناء الاستراتيجي هو خارطة طريق للمستقبل تحدّد الكفاءات الأساسية الواجب بناؤها، ومقوّماتها التقنية.

ومع توفير حافز للتعلم من التحالفات، والتركيز على جهود التنمية الداخلية، يمكن لبناء استراتيجي كبناء ENC وC&C الحدّ بشكل كبير من الاستثمارات المطلوبة لضمان قيادة السوق في المستقبل. فكيف يمكن لشركة أن تعقد شراكات بذكاء دون فهم واضح للكفاءات الأساسية التي تحاول بناءها وتلك التي تحاول منع نقلها عن غير قصد؟

هذا كله يطرح، بالطبع، سؤالاً وهو ما الشكل الذي يجب أن يبدو البناء الاستراتيجي عليه. إن الجواب سيكون مختلفاً من شركة لأخرى. ولكن من المفيد التفكير مرة أخرى في تلك الشجرة، وفي الشركة المنظَّمة حول المنتجات الأساسية، وبالنتيجة، الكفاءات الأساسية. يجب على الشركة الإجابة على بعض الأسئلة الجوهرية مثل: إلى أي مدى يمكن أن نحافظ على قدرتنا التنافسية في هذا العمل إذا لم نتحكّم في هذه الكفاءة الأساسية المحددة؟ ما أهمية هذه الكفاءة الأساسية في تحقيق فائدة للزبون؟ ما الفرص المستقبلية التي سنُحرَم منها في حال فقدنا هذه الكفاءة الأساسية بالذات؟

ويوفر هذا البناء، بالإضافة إلى ذلك، منطقاً للتنويع في المنتج  والأسواق. ويمكن أن يوجه لمدير الوحدة الإستراتيجية الأسئلة التالية: هل ستشكل الفرصة الجديدة في السوق إضافة إلى الهدف العام للشركة في أن تصبح الأفضل في العالم؟ هل تستغل الكفاءات الأساسية أو تضيف إليها؟ في فيكرز Vickers، على سبيل المثال، تم الحكم على خيارات التنويع في سياق تحوّل الشركة إلى أفضل من يتحكم بالقوة والحركة في العالم (انظر إلى مقال '' فيكرز تتعلم قيمة البناء الاستراتيجي".)

ينبغي على البناء الاستراتيجي أن يجعل أولويات تخصيص الموارد شفافة للشركة بأكملها، فهذا يقدم نموذجاً لقرارات التخصيص الصادرة عن الإدارة العليا، وهو يساعد مدراء الأقسام على فهم منطق أولويات التخصيص ويدرّب الإدارة العليا على الحفاظ على التناسق. إنه، باختصار، يقدّم تعريفاً للشركة وللأسواق التي تخدمها. إن شركات مثل 3M، وفيكرز، وNEC، وكانون، وهوندا على درجة من الأهلية والكفاءة في هذه الناحية. فشركة هوندا عرفت أنها تستفيد مما قد تعلمته عن الدراجات النارية – كيفية صنع محركات ذات سرعة عالية وسير سلس - عندما دخلت مجال إنتاج السيارات. وتجبر مهمةُ إنشاء بناء استراتيجي الشركةَ على تحديد الروابط التقنية والإنتاجية في وحدات العمل الاستراتيجي والالتزام بها، مما يوفر لها ميزة تنافسية هامة.

إن التوافق في تخصيص الموارد وتطوير بنية تحتية إدارية مناسبة لها، هو ما يبعث الحياة في البناء الاستراتيجي، ويخلق ثقافة إدارية، وعملاً جماعياً، وقدرة على التغيير، واستعداداً لتقاسم الموارد، لحماية المهارات الشخصية وللتفكير كذلك على المدى الطويل. وهذا هو أيضا السبب في أن البناء الاستراتيجي المحدد لا يمكن نسخه بسهولة أو بين يوم وليلة من قبل المنافسين، ويعدّ البناء الاستراتيجي أداة للتواصل مع العملاء ومع أطراف خارجيين أخرين، حيث أنه يظهر الإطار العام لتوجّه الشركة دون أن يكشف عن أية خطوة.

إعادة استغلال الكفاءات


إذا كانت الكفاءات الأساسية للشركة هي مواردها الهامة، وإذا كان على الإدارة العليا أن تضمن عدم احتجاز أصحاب الكفاءة كرهائن من قبل بعض الأقسام، فإن ذلك يعني أن على وحدة العمل الإستراتيجية أن تقدم عروضاً بالنسبة للكفاءات الأساسية كما تفعل بالنسبة لرأس المال. لقد مررنا على هذه النقطة مروراً عابراً، ولكن يجدر بنا النظر إليها بعمق أكثر.

عندما تحدد الإدارة العليا (بمساعدة مدراء الأقسام ووحدة العمل الاستراتيجية) الكفاءات المتميزة، فعليها أن تطلب من الأقسام تحديد المشاريع والأشخاص المرتبطين بها مباشرة. كما يجب على المسؤولين في الشركة الإشراف على عمليات تدقيق موقعِ، وعددِ، ونوعيةِ الأشخاص الذين يجسدون الكفاءة.

وهذا يبعث برسالة هامة إلى الإدارات المتوسطة: إن الكفاءات الأساسية هي موارد الشركة، ويمكن لإدارة هذه الشركة أن تعيد تخصيصها. فالأقسام المستقلة لا تملك أي شخص على الإطلاق، ويحق لوحدات العمل الاستراتيجية الحصول على خدمات الموظفين المتميزين طالما استطاعت إدارة الوحدة إثبات أن الفرصة التي تسعى إليها يمكن أن توفر أعلى ربحية ممكنة بالاستثمار في مهاراتهم. وهذه الرسالة هي تأكيد إضافي على ضرورة أن يقدم مدراء الوحدة تبريراً لاحتفاظهم بالأشخاص الذين يجسدون الكفاءات الأساسية للشركة أثناء عملية التخطيط أو وضع الميزانية الاستراتيجية كل سنة.

وتنتشر عناصر من الكفاءات الأساسية لشركة كانون في مجال البصريات عبر أقسام متنوعة آلات التصوير، وأجهزة النسخ، ومعدات الطباعة الحجرية باستخدام أنصاف النواقل، وهي مذكورة في مقال "الكفاءات الأساسية في كانون''. عندما وجدت شركة كانون فرصة في مجال طابعات الليزر الرقمية، أعطت مدراء وحدة العمل الاستراتيجية الحق في اقتحام الهيكل الإداري للاستيلاء على المواهب المطلوبة. وعندما أخذ قسم منتجات التصوير في شركة كانون على عاتقه تطوير آلات النسخ ذات المعالجات الدقيقة، تحوّل إلى مجموعة تهتم بتقنيات الصورة والتي طوّرت أول كاميرا بمعالجات دقيقة في العالم.

كما أن نظام المكافآت الذي لا يركز إلا على نتائج خط الإنتاج والمسارات الوظيفية التي نادرا ما تجاوزت حدود وحدة العمل الاستراتيجي، يولد لدى مدراء الوحدات أنماط سلوك تنافسي هدّام. ففي شركة NEC يجتمع مدراء الأقسام لتحديد كفاءات الجيل التالي، ويقررون معاً مقدار الاستثمار اللازم لبناء جميع الكفاءات المستقبلية والمساهمة في دعم رأس المال والموظفين المتوجبة على كل قسم. وهناك أيضاً حسّ التبادل المتوازن.  فقد يقدّم قسم ما مساهمة غير مناسبة أو قد لا يستفيد كثيراً من التقدّم المحرَز، ولكن مثل هذه الفروقات على المدى القصير ستتوازن على المدى الطويل.

إن المساهمة الإيجابية التي يقدمها مدير وحدة العمل الإستراتيجية يجب أن يتم إلقاء الضوء عليها وإعلام الشركة كلها بها. فمن غير المرجح أن يقوم مدير وحدة العمل بالتخلي عن الأشخاص الأساسيين لديه لمجرد أن قسماً آخر (أو المدير العام لذلك القسم الذي قد يكون منافساً له في الترقية) سوف يستفيد من إعادة توزيع الموظفين. وينبغي أن يحتفى بمدراء وحدة العمل الاستراتيجية المتعاونين كأعضاء في الفريق. وحيث تكون الأولويات واضحة، لن يُنظر إلى إعادة توزيع الموظفين باعتبارها ذات دوافع تمييزية أو سياسية.

إن نقل الموظفين من أجل بناء الكفاءات الأساسية ينبغي أن يسجّل في ذاكرة الشركة. فمن المنطقي توقُّع أن يتعرض قسم قام بالتخلي عن المهارات الأساسية لديه لصالح تحقيق فرص للشركة في مجالات أخرى، لخسارة شيء من قدرته التنافسية لبعض الوقت.

ومن غير المرجح أن تقبل وحدة العمل الاستراتيجية بإعارة المهارات مرة أخرى إذا ترتب على هذه الخسائر انتقادات مباشرة.

وأخيراً، هناك طرق لمحو فكرة الانتماء إلى عمل معيّن إلى الأبد من أذهان الموظفين الرئيسيين. ففي بدايات الحياة المهنية يمكن أن يمارس الموظفون مجموعة متنوعة من الأعمال من خلال برنامج تناوب محكم التخطيط. ففي شركة كانون، يتنقل الموظفون بشكل دوري بين قسم آلات التصوير وقسم آلات النسخ، وبين قسم آلات النسخ وقسم المنتجات البصرية المتخصصة. وفي المرحلة الوسطى من حياتهم المهنية، قد يكون من الضروري تحديد مهام دورية لمشاريع مشتركة وذلك لنشر الكفاءات الأساسية ولفك الأغلال التي قد تقيد الفرد في عمل واحد حتى عندما تلوح أمامه فرص عمل أفضل في مكان آخر؛ حيث يجب على أولئك الذين يمتلكون كفاءات أساسية هامة أن يدركوا بأن المتخصصين في شركات إدارة الموارد البشرية سيقومون بتتبّع حياتهم المهنية وتوجيهها. وفي بداية الثمانينات، تم دعوة جميع المهندسين تحت سن 30 في شركة كانون لتقديم طلب للعضوية في لجنة من سبعة أشخاص، لقضاء عامين في دراسة توجُّه شركة كانون المستقبلي، بما في ذلك بناؤها الاستراتيجي.

ينبغي جمعُ أصحاب الكفاءة بانتظام من مختلف أنحاء الشركة لتداول الملاحظات والأفكار، وذلك لبناء شعور قوي بينهم بالانتماء إلى مجموعة. ويجب أن يكون ولاؤهم للكفاءات الأساسية التي يمثلونها وليس فقط لشركات معينة. ومن خلال السفر المتكرر، والتحدث مع العملاء، والاجتماع مع زملاء العمل، قد يتشجع أصحاب الكفاءات على اكتشاف فرص جديدة في السوق.

  • • •


إن الكفاءات الأساسية هي منبع تطوير الأعمال الجديدة. وينبغي أن تشكل محوراً لاستراتيجية على مستوى الشركات. وعلى المدراء الفوز بقيادة التصنيع في المنتجات الأساسية والاستيلاء على الحصة العالمية من خلال برامج بناء العلامة التجارية التي تهدف إلى استغلال المجالات الاقتصادية من أجل التطور. وتُعدّ الشركة مؤهلة للمنافسة اذا تمّ تصورها بتسلسل هرمي من الكفاءات الأساسية والمنتجات الأساسية ووحدات العمل التي تركز على السوق.

ولا يمكن للإدارة العليا أن تكون مجرد طبقة أخرى من نظام التوحيد المحاسبي، الموجود غالباً في نظام اللامركزية الراديكالية. فعلى الإدارة العليا أن تقدّم قيمة مضافة من خلال الإعلان بوضوح عن البناء الاستراتيجي الذي يوجّه عملية اكتساب الكفاءة. ونعتقد أن هاجس بناء الكفاءة هو الذي سيميز الفائزين بالقيادة العالمية سنة 1990. فمع تقدّم سنوات عقدنا هذا، يكون أوان إعادة التفكير في مفهوم الشركة قد فات.
1. للاطلاع على مناقشة أكمل، انظر مقالنا: '' النية الاستراتيجية"، هارفارد بزنس ريفيو

مايو - يونيو عام 1989، ص. 63.

2. "تعاون مع منافسيك واربح"، هافرد بزنس ريفيو، يناير – فبراير عام 1989، ص. 133، مع إيف دوز.

ملاحظة المؤلفين: هذه المادة هي من الأبحاث التي تمولها مؤسسة غاتسبي الخيرية.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!