تابعنا على لينكد إن

ربما لا تشارك مكتبك مع زميل آلي حتى الآن، لكن الموجة التالية من الأتمتة قد بدأت. وروبوتات الخدمة الشبيهة بالبشر، وخوارزميات تعلم الآلة، والخدمات اللوجستية المستقلة ستحل مكان الملايين من العمال في العقد المقبل. إذ يُسارع الخبراء إلى تنبؤ التأثير المحتمل لهذا التطور على الوظائف، لكن معظم التنبؤات تُغفل قوتين هائلتين ستعملان مع الأتمتة على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي بحلول العام 2030، وهما: سرعة الشيخوخة السكانية وارتفاع مستوى انعدام المساواة.

إنّ تصادم هذه القوى يمهد الطريق لفترة من الازدهار الاقتصادي تتراوح مدتها ما بين 10 و15 سنة متبوعة بالكساد. وتشير شيخوخة القوى العاملة والتقدم في تكنولوجيات الأتمتة وانعدام المساواة في نمو الدخل إلى حقبة من التغيّر السريع والمتقلب، إضافة إلى اضطراب اقتصادي أشد وطأة من الذي شهدناه على مدى 60 عاماً. في العقد المقبل، من المرجح أن تصبح الأمور أكثر حدّة.

كيف يُمكن لدورة الازدهار والكساد هذه أن تنعكس عملياً؟ مع ارتفاع متوسط عمر الإنسان سوف يتباطأ نمو القوى العاملة، ما يؤدي إلى ندرة العمالة في عدد متزايد من القطاعات. وفي مواجهة نقص العمالة، ستُسارع الشركات إلى التوجه نحو المزيد من الاستثمار في تكنولوجيات الأتمتة. يُشير بحثنا “عمالة 2030” إلى أنّ الاستثمار الرأسمالي المتزايد في الأتمتة يُمكن أن يصل إلى 8 تريليون دولار في الولايات المتحدة بحلول العام 2030. وهذا يُترجم إلى بحوالي 5 تريليون دولار في صافي تراكم رصيد رأس المال الأميركي، وزياد رأس المال لكل عامل إلى رقم صاف يقارب 1.5 مرة عما هو عليه اليوم.

ومن المحتمل أن يكون حجم الاستثمار في الأتمتة خلال العقد المقبل أوسع في نطاقه مما كان عليه في الفترات السابقة، لأنه سيؤثر في المقام الأول على قطاع الخدمات، وسوف يطال الاقتصادات المتقدمة وكذلك أجزاء من العالم النامي. ومن شأن ازدهار حركة الاستثمار البالغة 8 تريليون دولار أن تُسفر في العام 2030 عن متوسط نمو سنوي في الولايات المتحدة يصل إلى 3 في المئة، أي أكثر من 60 في المئة من الناتج الاقتصادي الذي كان في العام 2015.

عموماً، في حركة استثمار مزدهرة كهذه، يخلق نمو العرض طلباً للمزيد منه، أي أنها حلقة مثمرة من النمو. في أوائل عشرينيات القرن الحالي، يمكن للاستثمار السريع في الأتمتة أنْ يُعوّض أكثر (بقليل) من نصف التأثير السلبي له على العمالة ويرفع القيود عن نمو الطلب، ومن المحتمل أن يحد من التسريح المباشر لملايين العمال. ولكن في نهاية العقد ذاته، يُمكن للأتمتة استبعاد 20 في المئة إلى 25 في المئة من الوظائف الحالية في الولايات المتحدة، (أي 40 مليون عامل) ليصل تأثيرها إلى العمالة ذات الدخل المتوسط ثم الدخل المنخفض. وفي الوقت نفسه، فإنّ العديد من الشركات التي استثمرت بكثافة في تكنولوجيات الأتمتة سوف تعاني من تراكم الأصول لديها التي لا تتناسب مع الطلب.

هذا هو الدوران الحرج ما بين الازدهار والكساد. ومع انحسار موجة الاستثمار، فمن المحتمل أنْ تُخلّف في أعقابها اقتصادات غير متوازنة تماماً، والتي يتركّز فيها الدخل بين أولئك الذين ربما يدّخرون ويستثمرون، لا الذين يستهلكون. إنّ النمو في تلك المرحلة سوف يُقيده الطلب بشكل كبير، ويكشف عن الحجم الكامل لتعطّل سوق العمل غير الواضح مؤقتاً بسبب ازدهار الاستثمار.

إنّ المستهلكين الذين فقدوا وظائفهم نتيجة الأتمتة سينفقون أقل، ما يضع المزيد من الضغط الهابط على الطلب. وبحلول أواخر عشرينيات القرن الحالي، قد تتجاوز البطالة وضغوط الأجور المستويات التي مرت بها في أعقاب الكساد الكبير في العام 2009. إنّ تفاوت الدخل الذي نما بصورة مستمرة لعقد من الزمان، يُمكن أن يقترب من ذروته التاريخية أو يتجاوزها ما يحد من النمو الاقتصادي.

وعلى النقيض من ذلك، فإنّ منافع الأتمتة سوف تتدفق إلى نحو 20 في المئة من العمال (وهم في المقام الأول من ذوي التعويضات المرتفعة، والعمال من ذوي المهارات العالية)، وكذلك نحو أصحاب رؤوس الأموال. إنّ الندرة المتزايدة للعمال ذوي المهارات العالية قد تجعل دخل كل منهم في مستويات أعلى مقارنة بالعمال الأقل مهارة. ونتيجة لذلك، فإنّ الأتمتة تنطوي على احتمال زيادة انعدام المساواة في الدخل بشكل ملحوظ.

إنّ سرعة التغيّر مهمة، فالتحول الكبير الذي يحدث بوتيرة أبطأ يتيح للاقتصادات الوقت اللازم للتكيّف والنمو لإعادة استيعاب العمال العاطلين عن العمل والعودة بهم إلى صفوف القوى العاملة. ومع ذلك، يُظهر تحليلنا أنّ أتمتة قطاع الخدمات في الولايات المتحدة يُمكن أن تعمل على استبعاد الوظائف بسرعة تزيد مرتين أو ثلاث مرات عما كانت عليه تحويل العمالة في الفترات السابقة من تاريخنا الحديث.

ومن أجل تقدير اضطراب الموجة التالية من الأتمتة، أخذنا بعين الاعتبار ذروة الانتقال من الزراعة إلى التصنيع ومن التصنيع إلى الخدمات. ما يختلف في تلك التحويلات السابقة هو وتيرة التغيّر، حيث حدث انتقال عمال المزارع إلى القطاع الصناعي خلال أربعة عقود، وحدثت أتمتة التصنيع خلال فترة زمنية أقصر – ما يقارب الـ20 عاماً – لكن حصة القوى العاملة من وظائف التصنيع كانت ضئيلة نسبياً في الولايات المتحدة. من المحتمل أن يتقدم الاستثمار في الأتمتة في عشرينيات القرن الحالي بشكل أسرع من أتمتة الزراعة أو التصنيع ما لم تعمل قوى أخرى على إعاقة تقدمها، وسوف تؤثر على نسبة أكبر من إجمالي القوى العاملة.

وبالطبع، فإنّ النمط الواضح في التاريخ هو أنّ خلق قيمة أكبر بموارد أقل أدى إلى تعاظم الثروة المادية والازدهار لقرون من الزمن. ولا نرى أي سبب للاعتقاد بأنّ هذا الوقت سيكون مختلفاً في نهاية المطاف. لكن الأفق الزمني لتحليلاتنا يمتد فقط إلى أوائل ثلاثينيات القرن الحالي. فإذا تحول ازدهار الاستثمار في تكنولوجيات الأتمتة إلى كساد في ذلك الإطار الزمني، كما نتوقع، فإنّ مجتمعات عديدة سوف تُحدث اختلالات قاسية.

سيَختبر العقد القادم فرق القيادة بشكل كبير. إذ لا توجد صيغة محددة للإدارة في إطار الاضطرابات الاقتصادية الكبيرة، ولكن يُمكن للشركات اتخاذ العديد من الخطوات العملية لتقييم كيف يمكن أنْ يؤثر المشهد المتغيّر بشكل واسع على أعمالهم. إنّ المؤسسات المرنة التي يُمكنها استيعاب الصدمات وتغيير مسارها بسرعة ستحظى بأفضل فرصة للنجاح في عشرينيات القرن الحالي المضطرب وما بعده.    

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تكنولوجيا

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz