تابعنا على لينكد إن

في إحدى ورشات العمل التي أقمناها لتطوير المهارات القيادية، طلبنا من المشاركين فيها بأن يكتبوا عن تجربة صعبة مروا بها، وأن يعرضوا ما يكتبوه أمام بقية المشاركين. وكانت الحصيلة التي خرجنا بها أكبر بكثير مما توقعناه. إذ أخبر سيمون، وهو أحد كبار المدراء التنفيذيين في شركة للنفط، المجموعة عن تجربة مؤلمة لم يكن قادراً البتة على استيعابها كما ينبغي.

في إحدى المهام التي أوكلت إليه ليؤديها في نيجيريا، اختطف سيمون وخمسة من زملائه أثناء زيارتهم إلى إحدى حفارات النفط التابعة لشركتهم. وكان اثنان من الرهائن الآخرين قد قتلوا أمام عينيه، ولم يُطلق سراحه إلا بعد مفاوضات طويلة ومضنية حول حجم الفدية الواجب دفعها. وأخبرنا سيمون بأنه لم يكن قادراً أبداً على أن يدير ظهره لهذه التجربة وبأنّ الكوابيس الليلية كانت لا تزال تقض مضجعه كل يوم.

لكنه أخبرنا أيضاً أنّ إقدامه على الكتابة عن تجربته خلال ورشة العمل كان بمثابة العلاج نوعاً ما بالنسبة له.

لكي نمضي في رحلة داخل ذواتنا – لنفهم أنفسناً بطريقة أفضل – نحن بحاجة إلى أن نساعد لاوعينا كي نستمد معنى جديداً من تجاربنا. فكتابتنا القائمة على التأمل في تجربة سابقة مؤلمة تصبح مكملة للحديث عنها، لأن ذلك يؤدي إلى تفعيل جزء مختلف من الدماغ. إذ تُشير عمليات المسح التي خضعت لها الأدمغة البشرية إلى أنّ الحديث أكثر ارتباطاً بالنصف الأيمن من الدماغ مقارنة مع النصف الأيسر منه. وبما أنّ الكتابة لها تأثير أكبر على النصف الأيسر من الدماغ، فإنها تحفز أجزاء الدماغ غير المتأثرة نتيجة للحديث.

وبالتالي، يكون ما نحصل عليه من هذا النوع من الكتابة القائمة على التدبر والتأمل، أكثر صراحة وتحليلاً مما نحصل عليه من الحديث. فالحديث يستعمل الجزء من الدماغ الذي يبدو أكثر ارتباطاً بعقلنا الباطن، وعليه، قد يتقرر ما نقوله إلى حد كبير بعاداتنا في التفكير المتجذرة إلى درجة لا نعود معها قادرين على إدراكها. أما أحكامنا وتفسيراتنا المكتوبة، والتي تعتمد اعتماداً أكبر على الجزء الواعي من دماغنا، فإنها أميل إلى أن تكون أقل معيارية وأكثر عمقاً من مجرد الحديث عنها.

تتضمن مواجهة القصص المؤلمة مثل قصة سيمون عبر الكتابة القائمة على التدبر والتأمل تقسيم الحدث إلى أجزائه وترجمته إلى مقاطع سردية وكتابية ذات مغزى، بما يمكّن من حصول التكامل بين الجوانب العقلية والعاطفية، وبالتالي يقود إلى فهم أعمق لما حصل. ومن خلال عملية الكتابة القائمة على التدبر والتأمل، نستطيع أن نتحمل مسؤولية أكبر عن قصتنا الخاصة بنا كما نراها، وأن نضعها وراء ظهرنا ونمضي إلى الأمام.

وبحسب تجربتي في ورشات العمل التي أقمتها، فإنّ دفع المدراء التنفيذيين إلى الكتابة حول تجارب صعبة مروا بها سابقاً تقودهم إلى التصرف بطريقة مختلفة. ومن خلال رواية القصة بطريقة جديدة عند الكتابة عن التجارب المؤلمة السابقة، يتمكن هؤلاء الأشخاص من إعادة صياغة الأحداث الصعبة بطريقة أكثر توازناً ويستطيعون تجاوز حالة الغضب التي كانت لديهم. بل وأكثر من ذلك، على الرغم من أنّ الكتابة تبدو وكأنها نشاط فردي ذاتي إلا أنها فعلياً تساعد الناس على بناء العلاقات مع الآخرين. عندما نتكلم عما يدور في رؤوسنا وصدورنا بصراحة وانفتاح من خلال الكتابة، فإننا على الأرجح سنتحدث عما بشغلنا مع الآخرين بعد ذلك.

بعبارة أخرى، هذا الأمر يجعلنا أميل إلى طلب الدعم الاجتماعي الذي نحصل عليه من خلال الحديث عن تجارب مؤلمة، ما يساعدنا في عملية التعافي والشفاء.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz