حاول التفكير بعمل تعاني من صعوبة في البدء به، عمل مهمّ بالنسبة لك.

ربما كان هذا العمل كتابة عرض ما أو صياغة رسالة إلكترونية حساسة جداً. أو ربما كانت محادثة هامة تعلم أنه يجب عليك إجراؤها مع شخص ما ولم تجرها بعد، أو أنك في محادثات شبيهة سابقة أمضيت 10 دقائق تدور حول ما تريد قوله حقاً بدلاً من الخوض فيه مباشرة. وربما كان هذا الأمر التحدث في اجتماع لقول شيء تخاف قليلاً من قوله.

وقد لا تتمكن من الوصول إلى تنفيذ ذاك الشيء الهامّ والصعب، وأنت تنفذ كل الأعمال الأخرى ذات الأهمية الأقلّ ولكنك تتجنب هذا العمل بالتحديد وتضيع وقتا قيماً في هذه الأثناء.

يعبر الأشخاص الأكثر إنتاجية الذين أعرفهم هذه اللحظات بصورة مباشرة ليوفّروا الوقت ويصلوا بسرعة ومن دون تردد إلى عملهم ومحادثاتهم الأهم.

واكتشفت سبب قيامهم بذلك الأسبوع الماضي وبصورة مفاجئة جداً.

كنت في إيسالين، وهو منتجع صحي مذهل على منحدر مطلّ على المحيط الهادئ في بيغ سور، كاليفورنيا، لإعطاء دروس تدريبية لمدربي القيادة. كنت كل صباح قبل الإفطار أقوم بالطقس ذاته: أسترخي بدفء الينابيع الحارة ثم أغطس في الحوض شديد البرودة وأبقى فيه قدر الإمكان، وأكرر هذه العملية ثلاث مرات.  

كنت أقوم بهذه الغطسات الحارة – الباردة لأنها على ما يبدو صحية للدورة الدموية وتزيد النشاط. واكتشافي المفاجئ هو أنّ السرّ في القدرة على الدخول إلى الحوض البارد هو ذاته الذي يساعد الناجحين في إنجاز الأمور الصعبة.

إليكم ما حدث: في المرة الأولى التي غطست فيها ، أمضيت 20 دقيقة في المياه الحارّة أفكر بالأمر قبل امتلاك الشجاعة لتجربته. عندها لم أتمكن من البقاء في المياه الباردة سوى خمس ثوان قبل الخروج منها وأنا أرتجف والعودة مسرعاً إلى المياه الحارة.

ولكن عند نهاية الأسبوع، غطست دون تردد في المياه الباردة واسترخيت فيها لأكثر من خمس دقائق وأنا أستمتع بالانتعاش من دون أن أرتجف على الإطلاق.

تملك أذهاننا وأجسادنا قدرة هائلة على التأقلم مع أي شيء تقريباً. وتكمن الصعوبة في التأقلم مع الوضع الاعتيادي الجديد وليس الدخول فيه.

تكمن الصعوبة في الانتقال.

والآن، فكر بالأمر الذي تعاني من صعوبة في بدئه. وأنا متأكد أنّ أكبر صراع لديك ليس القيام بالأمر فعلاً وإنما البدء بتنفيذه فحسب.

يكمن أكبر تحدّ في المضي قدماً بأي أمر في الانتقال إلى العمل عليه. ويتمثل ذلك دائماً بالانتقال من فعل أمر مريح (حمام دافئ، إرسال رسائل إلكترونية بسيطة، إنهاء المهام المسجلة على القائمة، إتمام محادثات الصفقات) إلى فعل أمر غير مريح (الحمام البارد، البدء بذاك العرض، البدء بتلك المحادثة الصعبة، مواجهة صفحة بيضاء جديدة).

نحن نعتقد أنّ اكتساب زخم في أعمالنا الهامة يتطلب منا التمتع بمهارة وكفاءة فيها، ولكن ذلك ليس صحيحاً تماماً. ما نحتاجه بحقّ هو التمتع بمهارة وكفاءة في عبور اللحظة التي تسبق القيام بالعمل.

وبمجرد قيامنا بعملية الانتقال، سيمنحنا الاستمرار بالعمل نفسه كفاءة في أدائه مع مرور الوقت.

ما يعني أنّ المهارة التي نحتاج إلى تطويرها هي الانتقال بحدّ ذاته.

اغطس في الأحواض، فالانتقال بين الحارّ والبارد عدة مرات في اليوم دربني على الانتقال بين الراحة وعدمها. هذا ليس مجازاً، بل هو ما زاد شعوري بالراحة مع التغيير.

لقد اكتشفت ثلاث خطوات تبني الكفاءة في الانتقال خلال الأسبوع الذي أمضيته في الغطس في أحواض الماء الحارّ والبارد:

حاول البدء بقوة الإرادة

لقد كُتبت مؤلفات عديدة عن عدم الاعتماد على قوة الإرادة لأنها غير جديرة بالثقة (وقد أكون أنا مؤلف بعضها). ولكنني اكتشفت أمراً هاماً، وهو أنّ قوة الإرادة في لحظة معينة جديرة بالثقة أكثر من قوة الإرادة على مدى فترة زمنية طويلة. ولهذا السبب ينجح المدمنون على المشروبات الكحولية في الإقلاع عنها عندما يتوقفون عن تناولها دفعة واحدة. هناك بعض الحالات، حيث تحتاج لإجبار نفسك على العبور إلى الجانب الآخر في لحظة معينة. بما أنني في البداية لم أملك أية وسيلة لجعل الغطس في الماء المثلج أسهل، اضطررت للاستعانة بالإرادة الصلبة والانضباط، بل الشجاعة الصرفة لإدخال نفسي في الحوض.

التزم بالتكرار

ومع تقدم الأسبوع، وتقدم قدرتي على الغطس في الأحواض الباردة، أصبح الأمر أسهل لسببين، وهما أنني اعتدت عليه، وأنّ توقعاتي وعاداتي والتزامي أصبحت راسخة. وبالفعل قررت مسبقاً أنني سأقوم بذلك طارداً الشكّ والتفكير المطول، وبالتالي التردد. وعندما اعترض عقلي قليلاً تجاهلته ببساطة وتابعت التحرك. وأتذكر ذات صباح وأنا خارج من الحوض الساخن ومتجهاً نحو الحوض البارد، كان عقلي يصرخ قائلاً “هل أنت متأكد أنك تريد فعل ذلك؟ ابق في الحوض الدافئ المريح!”، في حين استمرّ جسدي بالتحرك والدخول إلى الحوض البارد.

استفد من قابلية التأقلم

عند نهاية الأسبوع كان جسدي قد تغيّر حرفياً من الناحية الفيزيائية. وتمكنت من البقاء في الحوض البارد لمدة أطول بستين ضعفاً ولم أشعر بالبرد على الإطلاق، حيث تضاءل التحدي الجسدي والذهني لدرجة أنني لم أعد أشعر بألم الانتقال. وتحولت تجربتي في الحوض أيضاً، فالأمر الذي كان سابقاً غاية في الإزعاج أصبح أمراً منعشاً.

أعلم أنّ الغطس في حوض بارد ليس كخوض محادثة أو كتابة عرض أو الاستماع للانتقاد بتاتاً. فالحوض هو تحدّ جسدي بينما الأمور الأخرى هي تحديات ثقافية وعاطفية. وسيكون تحدي الحوض بالنسبة للبعض أسهل كثيراً من تحديات العمل التي تبدو أكثر تعقيداً.

ولكنها، في الحقيقة، كلها تمثل تحدّ نفسي كبير واحد. وهو غالباً ليس أكثر تعقيداً، ما هو إلا القصة التي يرويها ذهنك لك لتشجيعك على المماطلة فحسب. المبدأ هو ذاته، وكذلك الحل: حاول إتقان التحرك من الوضع المريح إلى الوضع المزعج.

فلنطبقه على ذاك الشيء الذي تعاني من صعوبة في بدئه:

  1. تعرف على أمر هامّ بالنسبة لك وترغب بالتقدم به ولكنك تعاني من صعوبة في اكتساب زخم فيه.
  2. تعرّف على نقطة الانتقال للعمل عليه. وأمثلة عن نقاط الانتقال هي: ارفع سماعة الهاتف واتصل بالرقم لإجراء المحادثة. أو اجلس على كرسي واكتب الكلمة الأولى من أيّ شيء تريد كتابته. أو اطرح سؤالاً ثم توقف عن الكلام من أجل تلقي الآراء والتقييمات.
  3. اتخذ القرار. حدد الوقت والمكان الذي ستبدأ الانتقال منهما.
  4. استجمع شجاعتك العاطفية. إذ أنّ البدء بأمر صعب سيولد مشاعر عدم الراحة ويجب أن تكون مستعداً بما أدعوه الشجاعة العاطفية لتجاوز أشياء ستشعر بها دون التوقف عندها. هل أنت مستعد للبقاء مع هذا الشعور مدة كافية للوصول إلى الجانب الآخر؟ هذه مهارة حيوية ويمكن تطويرها لاكتساب الزخم في أي عمل. بعض الأمور التي قد تشعر بها خلال الانتقال هي: عدم الراحة والخوف (هل سينتهي هذا الشيء يوماً؟)، التخريب (ربما يجب عليّ تفقد البريد الإلكتروني)، والقلق (لا يمكنني فعل ذلك).
  5. تابع طريقك دون تشكيك. من غير الممكن التحكم بالضجيج الذي يولّده تفكيرك، ولكن يمكنك الاستمرار بالتحّرك وتجاوزه من أجل فعل ما يجب عليك فعله.
  6. كرر ذلك كل يوم.

تذكر أنّ فترة الانتقال قصيرة، وليست هي الوضع الاعتيادي الجديد.

والآن، مع تمتعك بروح الانتقال السريع ومن أجل تطوير مهارتك فيه، قم بهذه اللحظة فوراً بفعل شيء يدفعك قدماً في ذاك الأمر الصعب حتى وإن لم يكن لديك سوى دقيقة واحدة.

وإن شعرت بتردد، لاحظ الأمور التي تفكر بها، والمكان الذي يذهب عقلك إليه (ليس لديّ وقت كاف، هذا غباء، لن تفيد دقيقة واحدة، إلخ…). استمر بالتحرك واغطس في الحوض حتى لو استمرّ عقلك باختلاق الأعذار.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!