تابعنا على لينكد إن

مضت عدة سنوات كان جلال فيها زبوناً وصديقاً لي، ولكنني لم أره يوماً ضائعاً بهذا الشكل. لقد شعرت بخوفه وقلقه، وكان شعوره مبرر لسبب وجيه.

كان جلال رئيس قسم المبيعات في شركة يستحيل بيع منتجها، نوعاً ما.

كانت شركته، ولنسمّها غولدن غلوبال، شركة لإدارة الاستثمار النشط. تستثمر شركات الاستثمار النشط في أسهم معينة ترى أنها ستكون رابحة، على عكس شركات الاستثمار السلبي التي تتتبع مؤشراً موجوداً مسبقاً، كمؤشر إس وبي 500 (S&P 500). واليوم، يسحب العديد من المستثمرين أموالهم من الاستثمار النشط ويضعونها في الاستثمار السلبي. وفي شهر يناير/كانون الثاني 2017 وحده، سحب المستثمرون مبلغ 13.6 مليار دولار من استثمارات نشطة ووضعوا 77 مليار دولار في استثمارات سلبية.

يبدو ذلك منطقياً، لأنّ الاستثمار السلبي تفوّق على النشط بنسبة 92% على مدى 15 عاماً، إضافة إلى كون رسومه أقل بكثير من الاستثمار النشط. وبذلك أصبح أداء شركة غولدن غلوبال متأخراً، حالها كحال كلّ الشركات في القطاع.

حتى لو كان هدف جلال الوحيد هو إيقاف تدفق الأموال النقدية خارج استثمارات شركته غولدن غلوبال، كانت فرصه في النجاح تكاد لا تذكر. ولكن كان هدفه غير ذلك، وهو أن يزيد مجموع الاستثمارات في منتج الشركة الاستراتيجي بنحو ملياري دولار أميركي.

لذلك، بذل جلال وفريقه جهداً أكبر من أي وقت مضى، حيث توجهوا إلى الزبائن الذين يعرفونهم وطرحوا المشروع الذي نجحت فيه استثماراتهم سابقاً وبذلوا قصارى جهدهم للقيام بالأمور التي نجحوا بها فيما مضى.

ولكنهم لم يكونوا في الماضي.

كانوا يبحثون عن المفاتيح الضائعة في نفس المكان الذي بحثوا فيه مراراً وتكراراً، ولم يوصلهم نشاطهم الجنوني ذلك إلى أية نتيجة.

وهذه كانت المعضلة: فالطريقة الوحيدة لمعالجة مشكلة مستحيلة تكون عبر الابتكار والتجربة، ولكن الخوف يشكل حاجز الإعاقة لهم. شعر جلال وكامل فريقه بالرعب، كانوا يخشون من عدم القدرة على تحقيق هدفهم وبالتالي خسارة مكافآتهم، ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى خسارة وظائفهم أيضاً.

إذاً، يكون السؤال هو: كيف يمكنك أن تلهم فريقك لتحقيق المستحيل عندما تشعر بالخوف والقلق بشأن كيفية وإمكانية تحقيقه؟

عندما تحدثت مع جلال للمرة الأولى، كان يظنّ أنه يعاني من مشكلة مبيعات، ولكن ذلك لم يكن صحيحاً، فقد كان يعاني من مشكلة قيادة. كان عليه إلهام أفراد فريقه كي يخففوا من توترهم ويختبروا أشياء جديدة. كان عليه أن يدفعهم للتفكير خارج الصندوق في حين كانوا يتخبطون في إحدى زواياه.

كيف ستخرج من هذه المتاهة؟

اكتسب شجاعة عاطفية

تكمن خطوتك الأولى في اكتساب الشجاعة العاطفية، أي قدرتك على التصرف بصورة حكيمة واستراتيجية وقوية على الرغم من شعورك بالخوف.

ولكن، لماذا لا تتغلب على خوفك فحسب؟ هذا ما يحاول معظم الناس فعله (وهو ما يحاول العديد من المرشدين والمعالجين مساعدة الناس على فعله أيضاً)، ولكنه خطأ كبير.

قال جلال عن نفسه في محادثاتنا أنه جبان، ولكنه كان مخطئاً. لم يكن جباناً، بل كان شخصاً طبيعياً في موقف مخيف، وفي الحقيقة، كان شخصاً شجاعاً للغاية في موقف مخيف. يمكننا القول أنّ خوف جلال كان مبرراً، إذ كان عدم الشعور بالخوف خياراً بعيداً عن الذكاء والمنطق.

ولكن شعور جلال بالخوف أربكه ودفعه للضغط على فريقه بطريقة قللت من صلاحياتهم وأبعدتهم عن المجازفات وقيدتهم. وهذا ما يجعل الشجاعة العاطفية أمراً حاسماً.

قضيت مع جلال بعض الوقت لزيادة قدرته على الشعور بالخوف من دون الاستسلام له. سألته في أي مكان من جسده شعر بالخوف، وكيف بدا هذا الشعور، وهل تحرّك؟ فقال أنه شعر به كعقدة في معدته وانقباض في حلقه وألم في قلبه. بقينا مع هذه المشاعر وراقبناها وهي تتحول وتتحرك وتصبح أخفّ. تعلّم جلال المهارة الأساسية للتعامل مع الخوف، وهي أن يشعر به دون أن يسمح له بأن يتملكه تماماً.

وعند هذه النقطة أصبح قادراً على الشعور بالخوف من دون التصرف بخوف. لم يتجاهل خوفه، فهو مستمر، ولكنه لم يعد يسمح لهذا الشعور بالتحكم به. كانت هذه خطوة حاسمة ليظهر كقائد ملهم لفريقه.

ركّز على الخطة

هناك نصيحة نسمعها دوماً، وأنا نفسي أقدمها للآخرين، وهي وجوب التركيز على النتائج التي نودّ تحقيقها، كالوصول إلى هدف المبيعات مثلاً. وهذا عادة ما يجب علينا فعله.

ولكن عندما تشعر بالخوف أو الرعب، أو عندما تسعى لتحقيق أمر كبير لدرجة أنك لا تدري من أين ستبدأ، يجب عليك التركيز على خطة توصلك إلى النتيجة. ستتمكن الخطة الجيدة من توجيه مسارك لتصل حيث تريد، ويمكنك اتباع خطة جيدة مهما كان شعورك.

كانت خطوتنا التالية هي تحويل عقلية جلال عن (البيع أكثر) نحو (البيع بطريقة مختلفة). تغيير صغير، يؤدي إلى تحول كبير.

تركز عقلية (البيع أكثر) على النتائج، بينما تركز عقلية (البيع بطريقة مختلفة) على الخطة. ماذا يجب عليّ فعله يوماً بعد يوم كي أصل إلى تلك النتيجة؟

كانت عقلية (البيع بطريقة مختلفة) هي الحافز الذي يحتاجه جلال وفريقه تحديداً من أجل إعادة توجيه طاقاتهم نحو العمل بطريقة استراتيجية أكثر بدلاً من بذل جهد أكبر.

تكلّم بوضوح

ما أن تعزز شجاعتك العاطفية وتحدد وجهة تركيزك، سيتوجب عليك إدارة انتباه فريقك.

أرسل جلال بعض الرسائل الإلكترونية بهدف إلهام أفراد فريقه، ولكن كان أثرها عكسي. كان يقول لأفراد الفريق باستمرار أنّ عليهم المضي قدماً والعمل بجد أكبر وتحمّل مسؤولياتهم (مثلاً، البيع أكثر).

طرحنا السؤال التالي: كيف سيتمكن جلال، كقائد في بيئة يملؤها الخوف، من التكلم بطريقة تلهم أفراد فريقه للبحث عن حلول مبتكرة لمعضلة صعبة؟

بعد قراءة عدد من رسائله الإلكترونية، قمت بكتابة أبسط صيغة ممكنة من أجل إعادة توجيه طاقة رسائله، وقدمت خطة من أربعة أجزاء:

  • الهدف. يحتاج أفراد الفريق لوجود اتجاه واضح لهم. يجب عليك أن تحدد لهم الهدف بحيث يكون موجزاً وبسيطاً وملموساً وواضحاً.
  • التعاطف. يحتاج أفراد الفريق لمعرفة أنك حاضر دوماً وأنك تشعر بما يشعرون به. يجب ألا تتغاضى عن هذا الجزء، يجب أن يكون موجزاً وملموساً وصادقاً. وهنا بالتحديد يمكنك الاعتراف بمساهمتك في المشكلة أيضاً.
  • التوجيه. يحتاج أفراد فريقك رؤية الطريق الذي يثقون بأنه سيوصلهم إلى النتيجة النهائية المرجوة، الهدف. وتماماً كما في الهدف، يجب أن يكون توجيهك موجزاً وبسيطاً وملموساً وواضحاً.
  • الدليل. يحتاج أفراد الفريق لسبب يجعلهم واثقين من قدرتهم على السير في المسار الذي حددته لهم، لذلك يجب عليك تقديم دليل على صحة توجيهك وتفاؤلك. يجب أن يكون محدداً وشخصياً ويعكس العمل الذي يقوم به الفريق فعلاً. وهذا ما سيبني ثقة الفريق بنفسه.

ومثال على ذلك، سأخبركم كيف نجحت الطريقة التي تكلم بها جلال مع فريقه.

“أنا متحمس بشأن ما سيبدو عليه هذا العمل عندما نتشارك الأفكار ونخوض بعض المجازفات في البيع بطريقة مختلفة. نحن لا نريد أن يضع المستثمرون أموالهم كلها معنا، بل نريدهم أن يضعوا جزءاً منها فقط، وهذه فكرة جيدة بالنسبة لهم. فنحن جزء مهم من مشروع متكامل ونحن نجيد ما نفعله”. (هدف)

“من الواضح أننا نواجه مشاكل جدية بشأن المنتج. والأموال التي تتدفق خارج استثماراتنا محبطة، إنّ هذه الفترة مخيفة لنا جميعاً، وأنا أدرك أنني شاركت في جعلها مخيفة عبر رسائلي، وأنا أعتذر عن ذلك”. (تعاطف)

“إنّ القيام بالعمل بطريقة مختلفة هو سبيلنا للنجاح، وهو يتطلب أن نقوم ببعض المجازفات. تكمن فرصتنا في توسيع قاعدة زبائننا وإيجاد الزبائن الذين يعتبرون عروضنا حلولاً للمخاطر التي يواجهونها في السوق الأوسع، وطرح مشروعنا المقنع عليهم. لا أملك جميع الإجابات ولكنني أثق بكم، ومعاً سنتمكن من تحقيق النجاح”. (التوجيه)

“هناك الكثير من الأفكار الرائعة، ولقد أحرزنا تقدماً كبيراً بالفعل. وهذا يبين ما يمكننا فعله عندما نركز على المجازفة وتغيير خطتنا. ومن بعض الأمور التي أسمعها عن عملكم: نظّم أحمد الاجتماعات التي لا تتعلق بالمبيعات وأضاف اجتماعاً واحداً أسبوعياً عن المبيعات من أجل مشاركة الأفكار. كما قام فريق دانية بتحليل الأمر الناجح، وهو ما يمثل خطة بيع دقيقة للغاية، ولكن يصعب تنفيذها مع 200 زبون في كلّ منطقة، فقاموا بتطبيقها على 60 زبون فقط. هذا تغيير كبير وخطر، ولكنه تحديداً ما يجب علينا فعله. وعندما ترى سناء أنّ زبوناً لا يفهم الخطة تنتقل إلى العمل على تعليمه عن العمل في القطاع بدلاً من مضاعفة المبيعات. هذا جزء فقط ما أسمعه عن عملكم وهو يعكس ما نحن قادرين على فعله عندما نجازف بالعمل بطرق مختلفة”. (الدليل)

وما أن تضع الخطة ذات المراحل الأربعة، تصبح مهمتك تنفيذها طوال الوقت. يتطلب تغيير سلوك الآخرين التكرار، قد تشعر بالملل وقد تشعر أنك تبالغ بالقيام بهذا الخطة مراراً وتكراراً، لكن إن استخدمت شجاعتك العاطفية التي اكتسبتها حديثاً ستتمكن من الشعور بهذه المشاعر والاستمرار بتكرار نفسك على الرغم من وجودها.

النتيجة؟ لم ينته الأمر بعد. ولكن التغييرات التي كان يبحث عنها جلال وفريقه بدأت تتحقق وتظهر آثارها. أتذكر هدفهم “المستحيل” في زيادة الاستثمارات الكلية في منتجات شركتهم غولدن غلوبال الاستراتيجية بنحو ملياري دولار؟ عندما تحدثت معه آخر مرة كانت استثمارات الشركة قد قاربت المليار دولار بالفعل.

*تم تغيير الأسماء في المقال

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz