القيادة بالاعتماد على الإيثار بعيداً عن الغرور

11 دقيقة
القيادة بالإيثار
shutterstock.com/microstock3D
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إلبك هذه المقابلة التي تتحدث عن القيادة بالإيثار تحديداُ. أجرت هارفارد بزنس ريفيو مقابلة صوتية (بودكاست) مع راسموس هوغارد وجاكلين كارتر، من شركة الاستشارات العالمية “بوتينشال بروجيكت” (Potential Project)، وهما مؤلفا كتاب “عقل القائد: كيف تقود نفسك وموظفيك ومؤسستك لتحقيق نتائج استثنائية” (The Mind of the Leader: How to Lead Yourself, Your People, and Your Organization for extraordinary Results).

وإليكم مقتطفات من هذه المقابلة الصوتية عن القيادة بالإيثار وكيفية نجاحها:

يدافع راسموس هوغارد وجاكلين كارتر، عن أهمية القيادة بالإيثار أو ما يعرف باليقظة الذهنية وإيثار الغير والتعاطف في العمل القيادي. وقد أثبت استطلاع رأي أجرياه على 30 ألف قائد أن القيادة بالإيثار وهذه الصفات ضرورية، ومع ذلك فإنها غالباً ما تغيب عن برامج تنمية المهارات القيادية. وحسب وصفهما، فإن ممارسة الوعي الذاتي تصنع مؤسسات أكثر تركيزاً وأكثر اهتماماً بموظفيها.

النص:

سارة غرين كارمايكل: مرحباً بكم في مدونة آيديا كاست (IdeaCast) الصوتية، التابعة لمجلة هارفارد بزنس ريفيو. أنا سارة غرين كارمايكل.

قبل أن نبدأ حوارنا اليوم حول القيادة بالإيثار مع ضيفينا الخبيرين حول القيادة التعاطفية الإيثارية، سأقضي خمس دقائق في الإجابة عن تمرينهما حول تعلّم الإيثار. وعلى الرغم من أنني في العادة أفعل هذا بصمت، فإنني اليوم سأفكر بصوت عال. سأشغل الساعة الميقاتية في هاتفي، ومن المفترض أن تستغرق الإجابة عن التمرين خمس دقائق، إلا أننا سنعدله لتسريع الأمر.

لبضع لحظات سأركز على تنفسي. بعد ذلك، يجب علي التفكير في الأشخاص الذين جعلوا هذا اليوم ممكناً، زوجي واحد منهم. من أيضاً؟ زملائي في العمل اليوم الذين حضروا جميع اجتماعاتي وشاركوا فيها.

الخطوة الخامسة: السماح لإحساس واقعي بالتواضع في الظهور. ستستمر الحياة حتى في غيابي، ولن تتوقف عجلتها أبداً. حسناً، والآن سأجلس لمدة دقيقة وأشعر بالامتنان، هذه هي الخطوة الأخيرة، أنا ممتنة لكم أيها المستمعين الرائعين، فلولاكم لما استطعت عمل أي من هذا.

(صوت صافرة الساعة الميقاتية).

حسناً، ينتابني إحساس رائع. أشعر أنني يجب أن أفعل ذلك قبل كل مقابلة. ليس هذا إلا واحد من تمرينات اليقظة الذهنية العديدة التي يحاول ضيفانا اليوم، “راسموس هوغارد” و”جاكلين كارتر”، تشجيع الناس على ممارستها كل يوم، لأن وفقاً لأبحاثهما واستشاراتهما، فقد اكتشفا أن تدريب العقل أمر ضروري لفاعلية القائد.

لقد ألفا كتاباً إرشادياً عن اليقظة الذهنية وإيثار الغير والتعاطف، بعنوان “عقل القائد”، وهما معنا اليوم ليشرحا لنا كيف تؤدي تنمية هذه الصفات إلى تحسين المشاركة والأداء في العمل لكل من القائد ومرؤوسيه.

شكراً لكليكما، “راسموس” و”جاكلين”، على إتاحة الفرصة لنا لمحاورتكما.

راسموس هوغارد: شكراً جزيلاً لكِ.

جاكلين كارتر: أشكرك يا “سارة”، يشرفنا وجودنا هنا.

سارة غرين كارمايكل: إذاً، هل أجبت عن التمرين بشكل صحيح؟

راسموس هوغارد: بالتأكيد، لا أعتقد أن هناك مجالاً للخطأ فيه. السؤال المهم هو: لماذا يجب أن تطبقي هذا التمرين في بداية نهارك أو بداية اجتماعاتك أو قبيل انتهاء يومك؟ والسبب الذي يجعلنا ننصح بهذا النوع من التفكير أو التمرينات المُنكِرة للذات هو لأنه يساعد في كبح الأنانية وحب الذات بعض الشيء عن طريق تنمية إحساس أقوى بالامتنان والتواضع. ما رأيك يا “جاكلين”؟

جاكلين كارتر: أكثر ما يهمني يا “سارة” هو الشعور الذي انتابك وقتها. سمعتك تقولين إنك يجب أن تمارسي هذا التمرين قبل جميع المقابلات. صفي لنا تجربتك.

سارة غرين كارمايكل: انتابني إحساس غامر بالهدوء والتركيز والسعادة في نهاية التمرين. كان إحساساً وجيزاً، لكنه مؤثر للغاية.

جاكلين كارتر: بكل تأكيد، وهذا ما يقوله العلم، فكلما مارسنا هذا التمرين، ترك أثراً عصبياً على عقولنا، مما يؤهلنا لتطبيقه بتلقائية أكبر بعد ذلك، لهذا يعتبر تمريناً في غاية الأهمية.

سارة غرين كارمايكل: هناك افتراض شائع في مؤسسات عديدة، علاوة على أن كثيرين منا قد تعلموا أن إدارة الأعمال تدور حول التنافس بين المصالح المختلفة، وأن هذا الشد والجذب بين المصالح الأنانية المختلفة هو ما يصنع في نهاية المطاف نشاطاً رأسمالياً وحراكاً وتقدماً إلى الأمام. ما جدوى التصرف بشكل مغاير وأقل أنانية؟

جاكلين كارتر: أعتقد أن إدارة الأعمال لو تمحورت حول القائد وحده، فإنه لا يستحق أن يكون قائداً. لو نظرنا إلى المعنى الحقيقي لإيثار الغير، فإنه لا يشير إلى عدم التنافس، أو عدم الطموح، أو عدم الاهتمام بالنتائج، أو اتخاذ قرارات صعبة. لكنه لو كان يهدف في النهاية إلى خدمة مصالحي الخاصة بدلاً من خدمة مصالح شركتي وموظفيها، فإنني قد أنجح على المدى القصير ربما بسبب ذكائي الحاد وتمتعي بمهارات ممتازة، لكن ما أثبتته الأبحاث ودراساتنا الميدانية هو أنه على المدى الطويل سيتوقف موظفوك عن اتباعك، وفي نهاية المطاف ستفقد ثقة موظفيك الذين لا يصدقون أنك تعمل لصالحهم، لأن هذا غير صحيح، فأنت تخدم أهدافك الخاصة، وفي النهاية لن تحقق ببساطة النجاح الذي تتوقعه. لن تستطيع اكتشاف إمكاناتك، ناهيك عن مساعدة موظفيك على اكتشاف إمكاناتهم.

سارة غرين كارمايكل: هل يُشترط أن يكون القائد المُنكِر لذاته كل شيء بالنسبة لجميع موظفيه؟ أعتقد أن الأمر قد يُفهم هكذا، وهذا قد يبدو مرهقاً لبعض الناس.

جاكلين كارتر: على الإطلاق. أعتقد أنه من الضروري أن أوضح أن إيثار الغير لا يعني غياب القائد عن الصورة، وأنه غير مهم، وأن الأمر كله يتمحور حول الموظفين فقط. ليس هذا ما نقصده على الإطلاق. حين نشير إلى إيثار الغير، فإن أحد الأمور التي نقصدها – كما ذكر “راسموس” – هو أنه يتمحور حول الاعتراف بأنانيتنا جميعاً، وإذا ركزنا على الأشياء التي تغذي هذه الأنانية، فإننا لن نفعل بالضرورة الأمور التي ستفيد غيرنا من الناس.

في الوقت نفسه، يتمثل أحد اكتشافاتنا المهمة في ضرورة المزاوجة بين هذا الإحساس بالإيثار وحب الغير وبين الإحساس القوي والإيجابي بالثقة في النفس، كي نضمن اهتمامنا بأنفسنا وأننا نضع حدوداً سليمة. وبالتالي، فإن الجمع بين الإيثار والإحساس القوي بالثقة في النفس هو حقاً بؤرة التميز في العمل القيادي.

راسموس هوغارد: أحب أن أضيف إلى ذلك أنك عندما تحظين بهذا المزيج، فستستطيعين حقاً تمكين الآخرين. ستصبحين قائدة ذات قدرات تحفيزية وتمكينية، وهذا أمر مهم لأنك مجرد جزء من الصورة، وإذا ظننت أن الأمر يتمحور حولك وحدك، فلن تستطيعي تمكين الآخرين وتوجيههم وتنميتهم، وبالتالي إذا كنت تتمتعين بقدر كبير من إيثار الغير دون أن تتمتعي بالثقة في النفس، فستصبحين – كما تقول “جاكلين” – سهلة الانقياد وضعيفة الشخصية أمام الآخرين، وإذا كنت تتمتعين بقدر ضئيل من الإيثار مع قدر ضئيل من الثقة بالنفس، فستكونين نرجسية، وإذا كنت تتمتعين بقدر ضئيل من الإيثار مع قدر كبير من الثقة بالنفس، فستغلبك أنانيتك. لا نريد أن نقع في أي من هذه الشراك الثلاثة ونكون ضعاف الشخصية أو نرجسيين أو أنانيين، وإنما أن نحظى بمزيج من الثقة بالنفس يمنحنا قدرة تمكينية لنكون قادة يهتمون بالآخرين.

سارة غرين كارمايكل: أحد الأمور التي تحدثتما عنها في الكتاب وترسخت في ذهني هي فكرة التقرب من الآخرين وطرح سؤال على أنفسنا: كيف يمكن أن نساعد هؤلاء الأشخاص كي يحظوا بيوم أفضل؟ كيف توصلتما إلى هذه الفكرة، وما سر أهميتها؟

جاكلين كارتر: ما ألهمنا هو أكثر من 250 مديراً تنفيذياً في الإدارة العليا تقابلنا معهم، هذا بخلاف الكثير من عملائنا الذين نتعامل معهم بجميع أنحاء العالم.

فهم يتقربون من موظفيهم وفرقهم، وفي الحقيقة ترجع هذه المقولة لأحد القادة الذين تقابلنا معهم، وهو تيد كيزيوس من شركة “سيسكو”، فقد قال إنه يستهل كل اجتماع مع فريقه بطرح هذا السؤال: “كيف يمكنني أن أفيدكم اليوم؟”. لكن الأمر لا يقتصر عليه وحده، فقد رأينا مراراً وتكراراً قادة آخرين لديهم هذا الاتجاه القوي، وتلك النية الخالصة لخدمة فرقهم من موقعهم القيادي.

سارة غرين كارمايكل: لكن لدي تساؤل، توجد أبحاث كثيرة عن كيفية تأثير النفوذ على عقول أصحاب المراكز القيادية، لكن ماذا عن بيئات عملنا؟ إذا كنا نعمل في بيئة تعتمد على المكاتب المفتوحة، وتصلنا ملايين الرسائل الإلكترونية في الثانية، ونتعرض للمقاطعة المستمرة بسبب طلبات الآخرين التي ربما يمكنهم التعامل معها بأنفسهم لو حاولوا، فكيف يحافظ القائد على صبره وحضوره وقدرته على المساعدة وإفادة الموظفين، بدلاً من أن يصيح بهم: “ابحثوا عبر الإنترنت قبل أن تأتوا وتسألوني!”. كيف يمكن أن يكون القائد لطيفاً في تلك اللحظة؟

راسموس هوغارد: هذا سؤال ممتاز للغاية، وأنت تصفين بالضبط الواقع الذي يواجهه جميع القادة حالياً من حيث ارتفاع مستوى التشتت، وزيادة كم المعلومات، وارتفاع مستوى الانشغال. ولكي نتعامل مع هذا، يجب أن نتحلى بذهن صاف وهادئ وغير مشتت. لكن على الرغم من ذلك – وأيضاً رداً على سؤالك – لا يعني التعاطف مجرد إرضاء الآخرين وإعطائهم ما يريدون، بل يتعلق أكثر بعمل الصواب، بعمل ما يحتاجون. فنحن لا نرى دائماً ما نحتاجه، لكن قد يراه الآخرون. على سبيل المثال: لو قدمتُ عرضاً سيئاً لأحد العملاء، ولاحظت “جاكلين” ذلك بينما لم ألاحظه، فسيكون تصرفاً متعاطفاً للغاية منها أن تأتي إلي وتقول: “راسموس، خانك التوفيق في كذا وكذا بعرضك التقديمي”. وعلى الرغم من أنه لن يروقني سماع انتقاداتها، فإنني بحاجة إلى سماعها. إذاً، يمكن أن يكون التعاطف أمراً صعباً، بل في الحقيقة هو في أغلب الأحيان صعب. إنه لا يتعلق بإرضاء الآخرين، وإنما بعمل الصواب من أجل مصلحتهم.

سارة غرين كارمايكل: بطريقة ما، أنتما تعيدان صياغة معنى التعاطف كي لا يتمحور فقط حول فكرة أن نكون كل شيء بالنسبة للجميع أو أن نشعر بآلام الجميع، فهو في جوهره يعني أن نساعدهم على تطوير أنفسهم وعمل ما سينفعهم على المدى الطويل.

جاكلين كارتر: قطعاً، وأحب أن أضيف أن أحد الأمور التي أراها في غاية الأهمية بشأن التعاطف هي أنه يجب ألا نستخدمه منفرداً. فقد اكتشفنا أهمية الجمع بين التعاطف والحكمة، مما يعني أننا قد نضطر في بعض الأحيان إلى اتخاذ قرارات صعبة. فقد نضطر أحياناً إلى تسريح الموظفين، أو كما قال “راسموس”، نعطيهم تقييمات غير مرضية. هذا هو التصرف الحكيم الذي يجب أن نقوم به. قد يكون تصرفاً مؤلماً، لكنه الصواب. وثمة طريقتان مختلفتان لعمل ذلك: إما أن نقوم بذلك ونحن نشعر بالضيق والتوتر والإحباط، وإما أن نقوم به ونحن نشعر بالرحمة التي تجعلنا ندرك أن هذا هو التصرف الصواب حتى لو كان مؤلماً بالنسبة للأشخاص المتأثرين به.

سارة غرين كارمايكل: أفهم ما تقولينه، فقد كان لي رؤساء في بداية حياتي المهنية يتحلون بقمة التعاطف عند انتقاد الموظفين، بل وحتى كانوا في غاية التعاطف عند تسريحهم أو نقلهم، لدرجة أن الموظفين كانوا يغادرون متحمسين وفي غاية السعادة لأن خطوتهم التالية صارت أوضح بفضل رئيسهم في العمل الذي كان صادقاً معهم بأنه لا سبيل لتقدمهم في مؤسسته، مما شجعهم للحصول على عمل آخر أكثر تلاؤماً مع مهاراتهم. لكنني أعتقد أيضاً أن هناك مستمعين ربما لم يحظوا بأمثال هؤلاء القادة، وبالتالي يقولون لأنفسهم إن هذا غير ممكن وغير وارد الحدوث، وإن هذه مجرد طريقة ليشعر بها القادة بالارتياح حيال تسريح الموظفين. فهل تواجهان أي نوع من ردود الأفعال المتشككة من أشخاص يرون أن هذا خيال أقرب منه إلى واقع، وأنهم لم يصادفوا قط رب عمل كهذا؟

راسموس هوغارد: بالتأكيد. نحن نعمل مع أكثر من 500 شركة عالمية، وهذه الشركات – مثل “أكسنتشر” و”مايكروسوفت” – هي شركات عادية وكبيرة وسريعة الإيقاع وصارمة. من الطبيعي أن يفكر العديد من قادة تلك المؤسسات للوهلة الأولى أن هذه طريقة لينة أو غريبة لقيادة الشركات. وفي الواقع، أجل، ما نقدمه يعتبر بلا شك ضد التيار القيادي الشائع في كثير من المؤسسات. لكنه أيضاً بسيط للغاية، فجميع الناس، سواء كانوا قادة أو موظفين في أي مؤسسة، يريدون أن يكونوا سعداء وراضين في عملهم، وأن يكونوا متصلين بالآخرين. هذه دوافع بشرية تحركنا جميعاً. كلنا نسعى وراء الإحساس بالأهمية والغاية. كلنا نريد أن نشعر بأننا نساهم في عمل إيجابي. لذا لو استطعنا نحن كقادة أن نستثمر حاجة الموظفين إلى هذه الاحتياجات الأساسية، فسيكون لنا تأثير أفضل، وهذه حقيقة بديهية تنطبق على جميع المؤسسات. إذاً، ربما يتعارض أسلوبنا في القيادة بالإيثار مع الثقافة المؤسسية الحالية ومع أفكار الناس المعتادة حول القيادة، ولكنه أيضاً أسلوب منطقي للغاية، فثمة كثير من الدراسات العلمية التي تدعمه.

إذاً، أجل، الشكوك موجودة. لكن عندما يبدأ الناس في ممارسة هذا الأسلوب القيادي، فسيرون أيضاً فائدته، ومن ثم يبدؤون في تبنيه وتغيير ثقافتهم المؤسسية وسلوكياتهم.

جاكلين كارتر: أحد الأمور التي وجدناها مثيرة للاهتمام هي عندما طلبنا من جميع القادة الذين قابلناهم أن يصفوا أكثر أوقات اليوم التي يكونون فيها في قمة تركيزهم.

وما اكتشفناه – وهو أيضاً ما أثبتته الأبحاث – أن معظمنا إذا نال قسطاً كافياً من النوم، وهو أمر ضروري، فإننا نكون في قمة تركيزنا وصفاء ذهننا في الصباح الباكر. لذا من المنطقي أن أرغب في أداء المهمات التي تتطلب تركيزاً عالياً خلال ذلك الوقت. ومثلما قلت، لا يتعلق الأمر بالمثالية، وإنما بالقدرة الاستراتيجية على توظيف إمكانات عقلك الثمين، لأننا جميعاً نعلم أن ساعات اليوم لن تزيد عما هي عليه، لكن يمكننا بالتأكيد استثمارها استثماراً أمثل إذا كنا أكثر تركيزاً وتنظيماً.

سارة غرين كارمايكل: ماذا عن الأولويات وتحديد الأهداف؟ كيف نضع خطة لليوم بطريقة تضمن تركيزنا على المهمات الأهم وعدم الانسياق في ملايين الاتجاهات؟

جاكلين كارتر: أعتقد أن نقطة البداية هي إذا كنت تفعلين ذلك في بداية اليوم، فأنت على الأرجح مثل معظمنا، لديك مهماتك التي قد تكون أو لا تكون على قمة أولوياتك. لذا أعتقد أنه من الضروري أن تتأكدي من امتلاكك رؤية طويلة الأجل لمهمات الشهر المقبل أو الأسابيع المقبلة. ثم عندما تصلين إلى ذلك اليوم، عليك بالجلوس، وما نوصي به هو خطة نسميها 2-2-2، فعندما تصلين إلى مكتبك وتبدأين عملك في الصباح، عليك البدء بممارسة اليقظة الذهنية لمدة دقيقتين لتستطيعي تحقيق المزيد من التركيز والهدوء والصفاء الذهني، ثم تبدأين بعد ذلك تحديد أولوياتك لمدة دقيقتين أخريين، وهو نشاط يستهدف التفكير في أهم المهمات التي يجب تنفيذها اليوم، على أمل أن تكون معتمدة على الأهداف الاستراتيجية التي حددتها في رؤيتك طويلة الأجل.

تتعلق الدقيقتان التاليتان بالتخطيط، وقد لاحظنا في تمرين التخطيط أن القادة الناجحين يفعلون شيئاً واحداً مقارنةً بالقادة غير الناجحين، وهو أنهم صارمون حيال تنفيذ الجدول الذي وضعوه لأنفسهم. على سبيل المثال: لو ظهر اجتماع لم يخططوا له، فإنهم يلغونه، أو يخبرون الموظفين بأنهم غير متأكدين من حضورهم لعدم تركيزهم، أو إذا كان يومهم حافلاً بالاجتماعات المتتالية، ويعلمون أنهم لن يكونوا في كامل فاعليتهم العقلية بهذه الطريقة، فإنهم يخصصون لأنفسهم استراحة لمدة خمس دقائق بين الاجتماعات كي يحظوا ببعض الوقت للتأمل والتفكير، وإلا فإنهم يلغون بعض الاجتماعات حتى لو كانت مهمة، لأنهم يعرفون ببساطة أنهم لن يكونوا في أفضل حالاتهم.

لذا أعتقد أن تحديد الأولويات يتعلق حقاً باليقظة الذهنية حيال ما نحتاج إلى عمله، وأيضاً بالواقعية حيال ما يمكننا عمله، ثم نضع أهدافنا ونوايانا لنضمن حسن إدارتنا لذاتنا بأفضل طريقة ممكنة لحظةً بلحظة.

سارة غرين كارمايكل: كم من الوقت تحديداً تعتقدان أن بوسعنا جميعاً توفيره في حياتنا وفي مؤسساتنا إذا تحلينا بمزيد من اليقظة الذهنية والتركيز عند تعاملنا مع أمور مثل رسائل البريد الإلكتروني واجتماعات العمل؟ هل يمكن تقديره؟

راسموس هوغارد: يمكن تقديره بالفعل، فقد قام كارلسبرغ ببعض التقديرات حول ذلك، وحلل ما حدث عندما طبقوا إرشادات للاجتماعات قائمة على اليقظة الذهنية، واكتشفوا أن وقت اجتماعاتهم قد انخفض بنسبة 30% في المتوسط. تخيلي حالك لو اختزلت 30% من إجمالي وقت الاجتماعات التي تحضرينها في اليوم، هذا إذا تحدثنا عن الاجتماعات فقط. على الأرجح ينطبق الأمر نفسه على رسائل البريد الإلكتروني. إذا تحليت بمزيد من اليقظة الذهنية، فقد تقررين ببساطة تجاهل كثير من الرسائل الإلكترونية لمجرد أنها مُرسلة إليك للعلم أو لأن ردك غير مطلوب. إذاً، هناك وقت كثير مهدر ويمكننا توفيره. وأعتقد أن أحد الأسباب التي تدفع كثيراً من المؤسسات، بل معظم المؤسسات في الحقيقة، إلى تطبيق مبدأ اليقظة الذهنية حالياً هو لأنهم يرون آثار السلوكيات الاستباقية النابعة من موظفين يتحلون بمزيد من التركيز والهدوء وصفاء الذهن.

سارة غرين كارمايكل: إذا نجح القائد في أن يصبح أكثر يقظة ووعياً بذاته عند ممارسة كل ما سبق، ما الآثار التي سيبدأ في ملاحظتها داخل مؤسسته؟

راسموس هوغارد: الإجابة المختصرة هي أن المؤسسة ستصبح أكثر اهتماماً بالموظفين، وثقافتها أكثر تركيزاً عليهم، حيث سيتصدرون الأولوية قبل كثير من الألويات الأخرى. إذاً فسعادة الموظفين وشعورهم بالترابط والأهمية سيكون في بؤرة الأضواء.

ولعل أحد الأمثلة العظيمة على القيادة بالإيثار هو سلسلة فنادق “ماريوت”. لقد عملنا مع كثير من المؤسسات، وخلال دراساتنا بحثنا عن المؤسسات التي تركز على موظفيها، فجاءت فنادق “ماريوت” دون شك كأحد أكثر المؤسسات اهتماماً بالموظفين على الإطلاق. وهذا منطقي حين تنظرين إلى فلسفتهم في العمل التي تعتبر في غاية البساطة. خلال مقابلتنا المدير التنفيذي آرن سورنسون، قال إن فلسفتهم في العمل تتلخص في الآتي: إذا اهتممنا بموظفينا، فسيهتمون بنزلائنا، وبذلك يهتم عملنا بنفسه. وأعتقد أن هذا ينطبق على أي مجال، فإذا اعتنيت بموظفيك، فسيعتنون بشركتك أياً كان نشاطها، وبذلك يعتني العمل بنفسه. وهذه هي نوعية المؤسسات التي يديرها قادة أكثر يقظة وإيثاراً وتعاطفاً مع موظفيهم.

سارة غرين كارمايكل: أريد أن يتركنا مستمعونا اليوم شاعرين بالراحة والهدوء والإيثار والتعاطف والامتنان. أوشكت حلقتنا عن القيادة بالإيثار على الانتهاء، وسيذهب مستمعونا ليستثمروا وقتهم في شيء آخر. ربما يكونون في المواصلات أو يمارسون الرياضة أو ينظفون منزلهم. ما الذي يجب أن يفعلوه بمجرد انتهاء هذه الحلقة كي يبدؤوا في تطبيق نصائحكما حول القيادة بالإيثار تحديداً؟

راسموس هوغارد: هذا سؤال ممتاز. كل ما عليهم هو أن يتبعوا لبضع دقائق خطوات هذا التمرين الموجَّه الذي سأرشدهم خلاله.

إذا كنت جالساً، فأبق جالساً. أغلق عينيك للحظات، وركز على تنفسك. اجلس فقط واستشعر تجربة التنفس. فرغ رأسك من أي أفكار قد سمعتها الآن. فقط اجلس مرتاحاً، والآن اسأل نفسك: “من الشخص التالي الذي سأقابله حين أنهض من مقعدي؟”. تذكر هذا الشخص وفكر تحديداً فيما إذا كان يواجه أي تحديات أو صعوبات يمكنك مساندته للتغلب عليها. أياً كانت هذه الصعوبات، تعهد أمام نفسك بأنك ستحاول أن تساعده كي يحسن يومه، ويصبح أكثر سعادة عن طريق تفاعلك معه. اخرج إلى العالم ولديك إحساس قوي بالتعاطف. ما يهم هو الآخرون وسعادتهم، ولا شيء آخر.

سارة غرين كارمايكل: ما أروع هذا يا راسموس! شكراً لكليكما. شكراً لكما جاكلين وراسموس لانضمامكما لي اليوم. كان لقاءً ممتعاً حقاً.

راسموس هوغارد: شكراً جزيلاً لك.

جاكلين كارتر: هذا اللقاء يعني لنا الكثير، فنحن بلا شك في غاية التحمس لموضوع القيادة بالإيثار تحديداً، لذا نشكرك على إتاحة الفرصة لنا لمناقشته.

سارة غرين كارمايكل: كان معنا راسموس هوغارد وجاكلين كارتر. هوغارد هو مؤسس شركة “بوتينشال بروجيكت” ومديرها العام، أما كارتر فهي شريكة دولية في الشركة، ومديرة فرع أميركا الشمالية، وقد ألفا معاً كتاب “عقل القائد: كيف تقود نفسك وموظفيك ومؤسستك لتحقيق نتائج استثنائية”.

نشكركم لاستماعكم إلى مدونة آيديا كاست الصوتية التابعة لمجلة هارفارد بزنس ريفيو. كان معكم سارة غرين كارمايكل في مقابلة حول القيادة بالإيثار وكيفية نجاحها.

اقرأ أيضاً:

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!