هارفارد-بزنس-ريفيو-مذكرات

وثّقت البحوث أن القادة المتميزين يمنحون أنفسهم وقتاً للتأمل، فنجاحهم يتوقف على قدرتهم على الوصول لمنظورهم الفريد ووضعه في متناول قراراتهم وفهمهم للأمور في كل يوم.

وللقيادة الاستثنائية مؤهلات عدة هي جزء متأصل فيها: الرؤية قبل أن يرى الآخرون، والفهم قبل أن يفهم الآخرون، والتحرك قبل أن يتحرك الآخرون. مع أنَّ المنظور الفريد للقائد مصدر مهم للإبداع وميزة تنافسية له إلا أنَّ واقع حياتنا السريعة والمجنونة لا يترك لنا وقتاً للاستماع جيداً لأنفسنا.

ليس الولوج إلى ما في داخلك من خلاصات ورؤى أمراً صعباً، كل ما تحتاجه هو الالتزام بالتأمل يومياً. اعتماداً على البحث (بحثي وبحوث الآخرين) وعلى سنوات عديدة من عملي كاستشاري وبروفسور في الإدارة العالمية مع قادة أعمال عالميين، أنا أوصي بالانتظام على أمر بسيط هو كتابة المذكرات:

1. اشترِ دفتر مذكرات. لا توفِّرُ الكتابة على الإنترنت نفس مزايا الكتابة باليد. لذا اشترِ دفتر مذكرات حقيقي. لقد ابتكرتُ شخصياً مذكراتٍ أسميتها ’رؤى القيادة‘ وهي تتضمن صفحات فارغة ولوحات فنية وأسئلة تحريضية للفكر مصممة خصيصاً للقادة. أي دفتر مذكرات تحصل عليها سيفي بالغرض.

2. التزم بالتأمل لخمس عشرة دقيقة في اليوم. هذه هي الخطوة الأصعب. إن رأيت استحالة قدرتك على الالتزام لخمس عشرة دقيقة في البداية، فابدأ بثلاث دقائق. المهم أن تبدأ.

3. اعثر لنفسك على مكان هادئ لا يقاطعك فيه أحد.

4.اختر الوقت المناسب، وهو أفضل ما يكون في الوقت الذي لا تتعرض فيه لمقاطعات عادةً. اختر أي وقت تراه مناسباً، فقط احرص على حماية هذه الدقائق الخمس عشرة كموعد بينك وبين نفسك.

5. اكتب أي شيء يخطر على بالك. تدعوك الصفحات البيضاء للمذكرة كي تطلق حواراً صادقاً مع نفسك يومياً. يمكنك في المذكرة قول أي شيء، لذا امنح نفسك الإذن بالجري وراء سيل أفكارك دون رقابة أو إطلاق أحكام أو محاولة التحكم في أين ستقودك أفكارك. أنا شخصياً أشعر في أفضل جلسات تأملي كأنني أختلس النظر من وراء يدي منتظراً اكتشاف الكلام التالي الذي سأكتبه. ولا تقلق بشأن اتباع القواعد اللغوية، فطريقة تعبيرك عن نفسك جيدة مهما كانت.

6. لا تشارك مذكراتك مع أي أحد. تأملاتك ملك لك، وليست للآخرين. هي تستحضر لك ما لا يستطيع كل الخبراء والاستشاريين والمدربين التنفيذيين في العالم إحضاره: منظورك الفريد للأمور.

إن وجدت نفسك لا تعرف من أين تبدأ بينما تواجه الصفحات البيضاء للمذكرة، فإليك هذه النصائح:

اسأل نفسك سؤالاً محرضاً للتفكير وسجل إجابتك. إليك هنا أسئلتي المفضلة:

كيف أشعر الآن؟

كيف هو شعوري حيال قيادتي؟

ما الذي يستحق أقصى درجات انتباهي..

في قيادتي؟

في حياتي؟

في العالم حولي؟

ما الفكرة الأكثر جنوناً (أو مرحاً أو غرابة) التي سمعتها خلال 24 ساعة الماضية؟ ما الذي أحببته فيها؟

ما المبادرة الأكثر إثارة التي سمعت عنها هذا الأسبوع خارج مجال صناعتي أو في مكان بعيد من العالم؟

ما أكثر ما جلب لي السعادة هذا الأسبوع (أو جلب السعادة للناس؟) كيف يمكنني الحصول على المزيد من السعادة في حياتي؟

دع الفن يُشعل لمخيلتك. يدعو الفن القادة للنظر لما وراء انشغالاتهم الحياتية المستعرة، فالتأمل في لوحة فنية أو أية أشكال أخرى من الفنون هو فرصة لاختبار منظورات مختلفة. ما الذي أراه إن أنا ركزت فعلاً على لوحة ما؟ وما الآراء الجديدة التي تظهرها لي اللوحة إن أنا ربطت ما أراه بوضعي الحالي؟

قد يبدو هذا خيالاً متكلفاً، إلا أنَّ التلاحم المباغت بين اللوحة وتحديات العالم الواقعي غالباً ما يكشف عن ديناميكيات مخفية ورؤى مفاجئة جديدة. مثلاً، وجدت جامعة يال أن الأطباء الشباب أصبحوا أفضل بكثير في التشخيص بعد أن حضروا دروساً في التاريخ. لماذا؟ لأن النظر في الفن يُعلّم الناظر- سواء كان فناناً أم طبيباً أم رئيساً تنفيذياً- أن يفهم التعقيدات التي تحملها لوحة غنية بالألوان، ويساعدنا جميعاً على فهم العالم بشكل أكثر دقة وإبداعاً، كما أنه في الوقت نفسه يغرس التواضع الذي يجعلنا ندرك أنَّ التفسيرات الحالية ليست إلا وجهة نظر واحدة من وجهات نظر متعددة عن العالم.

اتبع الخطوات التالية لتستخدم الفن كمحفز على التأمل. يمكنك القيام بهذا التدريب الآن باستخدام لوحة من أحدث المعارض التي زرتها:

اختر لوحة (أو أي عمل فني آخر). دع عيناك تستريحان على عمل فني يجذب انتباهك لأي سبب من الأسباب (لأنك تحبه، أو تكرهه، أو لسبب غير معروف لك).

تمعَّن في اللوحة دون انقطاع لثلاث دقائق على الأقل. وقّت لنفسك. فقد تكون ثلاث دقائق وقتاً طويلاً.

عزَّز من قدرتك على الرؤية. صف اللوحة: ما الذي تراه؟ كيف تتغير نظرتك لها مع تمعنّك فيها؟ ما الذي تمكنّت من رؤيته في نهاية الدقائق الثلاث ولم تكن تلاحظه عندما اخترت اللوحة في البداية؟

اسأل أسئلة تقرِّب الفهم. ما المفاهيم الجديدة التي تظهرها اللوحة؟ مثلا: ما أوجه الشبه بين الوضع الحالي للاقتصاد (أو لشركتي أو لفريقي) وهذه اللوحة؟ كيف يعكس تعقيد اللوحة التعقيدَ الخفي في الاندماج الأخير للشركات الثلاث من القارات الثلاث؟ كيف تظهر اللوحة فرصاً نحن نفتقدها في الاقتصاديات الانتقالية؟ فاجئ نفسك بما يتكشّف من رؤى.

ارتبط بهدف. لدى أكثر القادة تخمة في الفرص لكنهم يعانون شحاً في فهم معناها. سيتعمق شعورنا بأنَّ لدينا غاية نحن مرتبطون بها إن سألنا أسئلة تعيدنا إلى ما يحمل معنى حقيقياً لنا شخصياً وما نراه مهما للمجتمع أو الكوكب. فقد تسأل مثلاً: ما هو عملي اليومي؟ ما هو عملي في الحياة؟

كما يمكن للتأمل في أقوال ملهمة من قادة عالميين أو أقوال مأثورة أن يكون بمثابة ترياق ضد السطحية وضيق الأفق. إليك هنا بعضاً من الأقوال المفضلة لدي:

“استمع. كلما استمعت بصدق لصوتك الداخلي، ستسمع أفضل ودون خوف الأصوات الآتية من الخارج”.
داغ هامرسجولد، اقتصادي والأمين العام للأمم المتحدة، 1953- 1961

“لدينا مسؤولية في عصرنا، كما كان لغيرنا مسؤولية في عصرهم، بأن لا نكون سجناء للتاريخ، بل أن نرسم التاريخ.”
مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية، 1997-2001

تُذكِّرنا مثل هذه الرؤى أنه لا يكفي أن تكون القيادة ناجحة بل يجب أن تكون مؤثِّرة، وأنَّ الاستراتيجية والتكتيكات تبقى عديمة الجدوى في غياب الغاية الكبرى.

مهما كانت الأسئلة التي تبدأ منها، دع تأملك يأخذك في رحلة تكون أنت فيها المسافر، وليس منظِّم الرحلة. سوف يمنحك استخدام المذكرات بشكل منتظم الشجاعة لترى وتفهم العالم بشكل مختلف، وتقود بطرق جديدة ومطلوبة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن قيادة

شاركنا رأيك وتجربتك

1 تعليق على "هل تريد أن تكون قائداً استثنائياً؟ ابدأ بتسجيل مذكراتك"

التنبيه لـ

تصنيف حسب:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
eng_george1
Member
eng_george1
6 شهور 6 أيام منذ

مقال رائع جدا

wpDiscuz