كيف يساعد التأمل الذاتي القادة على إبقائهم محفّزين؟

3 دقائق
دور التأمل في تحفيز القادة

نميل عادة إلى إضفاء طابع رومانسي على المناصب القيادية، فعندما يُرقى الأصدقاء من حولنا إلى مناصب إدارية؛ فإننا نُثني عليهم ونقول لهم أنهم قد حققوا ذلك أخيراً ونهنئهم على عملهم الشاق. إنّ ردود أفعالنا مفهومة، إذ إنّ شَغل دور قيادي غالباً ما يرافقه المزيد من النفوذ والمال والمرونة وفرص العمل المستقبلية. ومع ذلك، غالباً ما ننسى أنّ هناك وجه آخر للعملة، فالقيادة هي عمل صعب ومرهق. فما هو دور التأمل في تحفيز القادة؟

إنّ لدى القادة العديد من المسؤوليات (مثل وضع الميزانية ومسؤولية التوظيف والفصل من الخدمة وإنجاز الأعمال المكتبية)، وذلك يتطلب منهم أداء مهام متنوعة ورصد التقدم المحرز على صعيد عدد كبير من الأهداف. وبالإضافة إلى إدارة أدائهم الخاص، فإنّ القادة مسؤولون أيضاً عن أداء موظفيهم. إذ يميل الموظفون إلى جلب مخاوفهم وقلقهم معهم إلى العمل ويتوقعون من قادتهم إدارة ذلك أيضاً. تشير البحوث على سبيل المثال إلى أنه عندما يعاني الموظفون من مشكلات نفسية، فهم يقتربون من مديرهم أكثر من زملائهم الآخرين في العمل، معتقدين أنّ مهمة القائد هي مساعدتهم على التعامل مع الاضطراب النفسي في العمل. وعندما يترافق هذا مع ضرورة إنجاز العمل، فإنّ إدارة مشاعر الموظفين يمكن أن تستنفذ طاقة القادة، ما يتركهم منهكين وغير منخرطين في عملهم. ولا غرابة أنّ تشير بيانات الاستبيان إلى أنّ معظم القادة يعانون من الإرهاق ولا غير منخرطين تماماً في العمل. على سبيل المثال، أفادت مؤسسة غالوب للاستشارات الإدارية في عام 2017 أنّ 38% فقط من المدراء والمسؤولين التنفيذيين يكونون فعالين في العمل (29% للمدراء في الإدارة المتوسطة). في ضوء هذه الأرقام المثيرة للقلق شعرنا بأهمية تطوير تدابير للتدخل من شأنها تعزيز تفاعل القادة في العمل.

التأمل يساعد القادة على إدارة مهامهم المتعددة

في دراسة ستصدر نتائجها قريباً في “مجلة علم النفس التطبيقي” (Journal of Applied Psychology)، نستخلص من بحوث علم النفس الإيجابي ما يسهم في تطوير واختبار تدابير تدخلية يومية قصيرة لمساعدة القادة على الحفاظ على نشاطهم طوال اليوم خلال العمل. وتشير البحوث إلى أنّ إحساس القادة بذواتهم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بدورهم القيادي، وأنّ القادة يهتمون جداً بتحقيق النجاح في أدوارهم تلك. لهذا السبب، توقعنا أنّ التدابير التدخلية التي تطلب من القادة التأمل في الجوانب الإيجابية لأنفسهم بصفتهم قادة قد توقد النشاط بداخلهم من خلال التصدي لشعورهم بالإنهاك وتحسين مشاركتهم وانخراطهم في العمل.

يستغرق تدخلنا البسيط مع القادة بضع دقائق في الصباح للتفكير حول ثلاثة أمور يحبونها في أنفسهم والتي تجعل كل واحد منهم “قائداً جيداً”، وتدوينها جانباً. وقد كتب القادة الذين شملتهم دراستنا الصفات الشخصية التي يقيّمونها بأنفسهم (فمثلاً، “أنا قائد جيد لأنني مستعد لاتخاذ موقف في وجه الظلم”)، والمهارات التي يمتلكونها (“أنا قائد جيد لأنني أنظر بآراء الآخرين”)، وكتبوا أيضاً حول الإنجازات التي كانوا فخورين بها (فمثلاً، “أنا قائد جيد لأنني ساعدت فريقي على تحقيق النتائج المرجوة خلال الأزمة”). وأجرينا دراستين للتحقق فيما إذا كان التدخل مجدياً.

كانت الدراسة الأولى عبارة عن تجربة ميدانية أُجريت يومياً لمدة أسبوعين على عينة من القادة الذين شملتهم دراستنا. في نصف أيام العمل وأول ما كان يفعله القادة في الصباح، هو تدوين ثلاث مهارات، أو إنجازات، أو مؤهلات، أو كفاءات، أو سمات أحبوها بأنفسهم واعتقدوا أنها جعلتهم قادة جيدين. في الأيام الأخرى، كتب القادة حول الأنشطة اليومية غير المرتبطة بدورهم القيادي (أردنا التأكد من أنّ تأثير التدابير التدخلية كانت أبعد من مجرد الكتابة أو أخذ وقت للتأمل). ثم أجرينا مسحاً للقادة عدة مرات في اليوم، ووجدنا أنه خلال الأيام التي قضى فيها القادة دقائق قليلة صباحاً في التأمل وكتابة الجوانب في شخصيتهم التي جعلتهم قادة جيدين، شعروا لاحقاً أنهم أقل إنهاكاً وأكثر تفاعلاً، وأفادوا أنه قد كان لهم تأثيراً إيجابياً على موظفيهم. واستمر هذا التأثير حتى المساء، ما يشير إلى أنّ القادة شعروا بإيجابية أكبر في المنزل أيضاً خلال أيام تدخلنا. وفي تجربة ميدانية ثانية، حاكينا التأثير المحفز للتدخل ووجدنا أنّ التأثير كان أقوى بالنسبة للموظفين الذين يشغلون مناصب قيادية داخل مؤسساتهم. لقد حدد هؤلاء الموظفون هويتهم الذاتية بقوة أكبر على أنهم قادة، وربما مكنهم ذلك من جني المزيد من فوائد التدابير التدخلية التي تستفيد منها هويتهم القيادية.

يتوجب على أولئك الذين يتطلعون للوصول إلى مناصب قيادية إدراك أنّ القيادة يمكن أن تكون متطلبة ومرهقة. إنّ مثل هذا الوعي الذاتي قد يحفز القادة على الانخراط في أنشطة تحفظ لهم طاقاتهم في العمل. ثانياً، إنّ قضاء بضع دقائق خلال الصباح للتفكير حول الجوانب التي تجعل الشخص قائداً جيداً وتدوينها يمكن أن تُشعر القادة بالنشاط وتجعلهم أكثر تأثيراً في العمل. وأخيراً، يمكن أن يساعد الموظفون قادتهم أيضاً، فالموظفون الذين يميلون إلى الاقتراب من مدرائهم لطلب المساعدة أكثر من زملائهم لديهم فرصة كبيرة للتعبير عن الامتنان، وذلك يمكن أن يساهم في شعور القادة والموظفين بالسلامة النفسية وقد يعوّض بعض من الإنهاك اليومي الذي يختبره القادة في العمل، ولهذا يجب التأكيد على أهمية دور التأمل في تحفيز القادة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!